من ينقذ الوزير من (نيران الجماهير) ..؟ بقلم- د. طلعت شاهين - البيان

من ينقذ الوزير من (نيران الجماهير) ..؟ بقلم- د. طلعت شاهين

لا يوجد تاريخ واحد في حياة اي امة, بل اكثر من تاريخ, ولا يوجد مؤرخ واحد بل اكثر من مؤرخ, هناك التاريخ الرسمي المكتوب وهو الاساس في ذكر الاحداث مهما كانت كاذبة, ومهما كانت مكتوبة لارضاء الحكام او الطبقة المسيطرة في فترة الكتابة, الا ان هذا التاريخ المفروض على تلك الفترة عنوة سرعان ما يواجه تاريخا اخر, قد لا يكون مكتوبا. حتى ان تلاميذ المدارس يدرسون التاريخ الرسمي ليضيفوه الى اوراق الاجابة على اسئلة الامتحانات, وسرعان ما تفقد الذاكرة ذلك الذي لقنوه لهم ليلتقوا في تاريخ اخر تاريخ اكثر التصاقا من قلوبهم وعقولهم, لانه تاريخ يعيشونه في حياتهم الخاصة يتغذون عليه مع طعامهم, ويتنفسونه مع الهواء, ويشربونه مع الماء انه التاريخ الشعبي, التاريخ التلقائي الذي ينمو في الممارسات اليومية للطبقات العريضة التي تعتبر الطبقة الاضعف, والمغلوبة على امرها, لسانها يعلن عن قبول الواقع, وقلبها يحفظ الحقيقة انتظارا للحظة المناسبة ليعلنها على الملأ. ما يكتبه بعض المؤرخين ارضاء لبعض الانظمة من الجائز ان يبقى لفترة من الزمان لكن ما يعيش في الحس الشعبي يستطيع ان يتغلب على اعتى الدكتاتوريات ولا يمكن لقوة في الارض ان تكتم انفاس اي شعب من الشعوب الى الابد لذلك تقوم النظم الدكتاتورية وتذهب وتذروا رياح التاريخ رمادها فيما تبقى الشعوب في مكانها وريثة لتاريخ اخر, ربما كان تاريخ اوطانها الحقيقي. من هذا المنطلق يمكن رؤية التواريخ التي تكتبها الشعوب, تكتبها في حياتها اليومية, واحتفالاتها تعتبر اكثر من لسان حالها لذلك انني صدقت رجلا بسيطا التقيته في سفر بعيد باحد القطارات المارة بمنطقة الاندلس بجنوب اسبانيا عندما حاول ان يؤكد لي ان (امه العمياء رحمها الله واسكنها فسيح جناته) عاشت طويلا وعاصرت الوجود العربي في الاندلس واستطاعت ان تنقل له وهو ابنها ما شاهدته من جنود (الوالي الاحمر) تقصد بالطبع جنود احد امراء المملكة النصرية في الاندلس التي بنت قصور الحمراء وان امه قالت له ان (جدته كانت ترغب في الا ينتصر الملوك الكاثوليك حتى يبقى عظماء العرب على عرش الاندلس (!) رغم ان من سمعوا معي ما قاله لي ذلك العجوز اخذوا الامر على انه مجرد تسلية في سمر طويل داخل احد القطارات المهملة البطيئة التي تقطع المسافة ما بين العاصمة مدريد ومدن الاندلس في ساعات طويلة تزيد على العشر ساعات الا انني صدقت الرجل ليس لانني كنت اود ان اكون مختلفا عن الاخرين, بل صدقته ببساطة لانني اعرف ان ما قصته عليه امه وهو صغير كان منقولا بالحرف الواحد عن الجدة التي نقلته بالطبع عن جدتها لذلك فان القصة صحيحة في مجملها لكن التفاصيل والتواريخ الرسمية ضاعت في النقل فبقيت القصة تتناقلها الالسن وكأنها حدثت بالامس, انه التاريخ الشعبي, التاريخ الشعبي لسكان منطقة الاندلس الذين يرون بحسهم البسيط ان حياتهم في ظل الدولة الاسلامية في الاندلس كانت افضل, ووقتهم الحالي ليس اسوأ منه, لان حكومات اسبانيا المتعاقبة في انتقالها الى العصور الحديثة اساءت الى سكان الاندلس باعتبارهم ورثة تلك الحضارة التي قامت حربها الصليبية لتقضي عليها, فأقامت محاكم التفتيش, وسفكت دماء الابرياء لا لشيء سوى تأكيد وجودها, والخشية من عودة الدولة الاندلسية, تماما كما تفعل بعض الحكومات المعاصرة التي لا تتعلم من دروس التاريخ, فكانت نتيجة ذلك زرع الكراهية في قلوب الذين عاشوا في ظلها رغم اتحادهم مع السلطة القادمة في الدين, واختلافهم مع السلطة السابقة في الدين ايضا. وعندما دخلت اسبانيا المعاصرة الى القرون الحديثة لم تحاول ان تصحح الخطأ الذي وقع فيه مؤسسوا الدولة المسيحية الكاثوليكية, فظلت منطقة الاندلس مهملة ومحرومة من كل شيء, لانها ببساطة كانت موصومة بالتصاقها بالتاريخ العربي الاسلامي في الاندلس, الذي تبدو شواهده في كل ركن, لذلك ظلت محرومة من كل اسباب التقدم, وبينما كان شمال اسبانيا يدخل عصر الصناعة, كانت منطقة الاندلس ترزح تحت طغيان الاقطاع, ولا زال هناك اقطاعيات ضخمة يسيطر عليها قلة من ورثة الالقاب, ولايزال (السيد) أو (السنيوريتو) يعتبر الامر الناهي فيما يقع في ملكه من دواب وبشر, ولا تستطيع السلطات الرسمية للدولة ان تتدخل فيما يحدث في تلك الاقطاعيات الا بعد اخذ رأي (السيد) . من هنا كانت اغاني الشعب في تلك المناطق اواحتفالاته تأريخا حقيقيا للاحداث, رغم اندهاش البعض من الحكايات التي تقف من ورائها, مثل حكاية ذلك العجوز الاندلسي, الذي حاول اقناعي واصدقائي ان امة قصت عليه حكايات تؤكد انها عاشت وشاهدت جنود المملكة النصرية في غرناطة, رغم ان تلك الدولة يفصلنا عنها اكثر من ستة قرون من الزمان. من هذا المنطلق كانت البداية في تاريخ الاحتفالات التي تعيشها منطقة اخرى من تلك الممالك العربية التي سقطت في الاندلس تحت زحف حملات الملوك الكاثوليك الصليبية, انها منطقة (فالنثيا) او (بلنسية) كما كان يسميها العرب, تلك الاحتفالات الشعبية التي تقام في التاسع عشر من شهر مارس من كل عام, في تلك الليلة تحرق المدينة مجهود عام كامل من الفن. فتسطع السماء بالسنة اللهب المنزلقة من عشرات الحرائق التي تأكل التماثيل الفنية المصنوعة من الورق المقوي والشمع, والتي كانت تثير ابناء المدينة وزائريها بما تعلنه من معاني, وتلمع العيون بدموع الوداع, وداع تلك التماثل التي تسقط فريسة للنهب بعد ان كان ملء العيون والقلب طوال اسبوع كامل من عرضها على من يريد الاطلاع على تلك الاحتفالات, رغم ان تلك التماثيل لاشخاص تمقتها المدينة, والسخرية منها وحرقها يعتبر جزءا من تلك الاحتفالات, التي اصبحت جزءا من التكوين النفسي لابناء مقاطعة فالنثيا الاسبانية, التي تعيش جغرافيا على شواطىء المتوسط, وتاريخا ما بين ممالك الموحدين الاندلسيين والمملكة الفالنية التي شهدت تمرد (السيد القمبيطور) كما كان يطلق عليه العرب, او (الثيد الكامبيادور) كما تحكي الروايات الاسبانية اسطورته. احتفالات (الماء والنار) التي تشهدها مدينة فالنثيا منذ القرن الخامس عشر تقريبا, تمثل التاريخ الشعبي الموازي للتاريخ الرسمي, والتاريخ الشعبي يعتمد في شهادته على بعض الطقوس التراثية الشعبية, لذلك لا يستطيع احد ان يؤكد متى بدأت اقامة تلك الاحتفالات, ولا متى بدأوا يطلقون عليها اسم (لاس فاياس) , الا انه طبقا لما تم العثور عليه من وثائق حول هذه الظاهرة الطقسية فانها كانت معروفة كظاهرة احتفالية منذ منتصف القرن الرابع عشر الميلادي اي مع نهايات العهد الاسلامي في الاندلس وبداية الحقبة المسيحية الكاثوليكية التي اعقبت سقوط غرناطة, وان كانت هناك بعض الروايات التي تعود باقامة هذا الطقس الى سنوات سابقة تعود به الى العهد العربي في الاندلس وقبيل القرن العاشر الميلادي بقليل ولكن اول احتفال رسمي رئيسي اقيم في مدينة فالنسيا طبقا لتلك الوثائق كان عام 1355 كان احتفالا محدودا وبقي على محدوديته ولم يتخذ شكله الشعبي العام حتى مرور مايقرب من قرن من الزمان بعد ذلك, وهو الوقت الذي تحولت فيه الاحتفالات لتأخذ طابعا عاما اكثر شهرة ورمزية بل امتدت شهرتها الى مناطق اخرى مجاورة حتى صار احتفالا وطنيا عاما تضعه المؤسسات السياحية الاسبانية على قائمة خريطتها السياحية لان تلك الاحتفالات تجذب سنويا مايزيد عن مليوني سائح من اسبانيا وخارجها. كلمة (لاس فاياس) نفسها كما يقولون لاتينية الاصل, ا نتقلت الى العربية بشكل او آخر وكانت تعني (الشعلة التي كانت تستخدم في الاضاءة داخل الحصون والقلاع واستخدامها بما تشير اليه بدأ في عهد الملك (خايمي الاول) الذي سيطر على مدينة فالننسيا بعد انتزاعها من ايدي العرب, وان هذه الشعلة كانت تستخدم ايضا في انارة السجون التي ضمت الاسرى العرب الذين سقطوا في ايدي المسيحيين. الاحتفال عبارة عن تماثيل من الورق المقوى وبعض العناصر الاخرى القابلة للاشتعال, يتم تشكيلها لتمثل شخصا معينا او يمكن ان تكون على هيئة تمثيلية وهي عادة تماثيل للاشخاص الذين ترفض (الاخلاقيات) الشعبية ممارساتهم ولعجزها عن التعبير عن رأيها في مواجهة تلك الشخصيات فانها تستعيض عن ذلك برسمها على هيئة تماثيل اصغر منها ثم يلقى بها الى النيران التي تتغذى عليها في احتفال بهيج, انه التاريخ الشعبي الذي لايعترف بالتاريخ الرسمي. لذلك كانت احتفالات هذا العام تأكيدا على اختلاف الرؤية بين المؤرخين الرسميين والمؤرخين الشعبين بينما (تسبح اجهزة الاعلام الرسمية بحمد الحكومة) لانها استطاعات تخطي الازمة الاقتصادية التي تلف البلاد مع غيرها من دول اوروبا, نجد ان المؤرخ الشعبي متمثلا في احتفالات (لاس فاياس) يسخر من تلك الرؤية ويقدم وزير المالية على انه (منافق) لان البطالة المنتشرة في البلاد تؤكد كذب بياناته, هناك عشرون عاطلا من بين كل مائة من القادرين على العمل, بينما يؤكد التاريخ الرسمي ان (اسبانيا تسير في الطريق الاقتصادي الصحيح) يقول المؤرخ الشعبي ان (اسبانيا تسير نحو الهاوية) رؤيتان مختلفات من المؤكد ان الرؤية الاولى الرسمية تضمها كتب التاريخ, ويلقنها المعلمون للتلاميذ في المدارس رغم انها تتعارض مع التاريخ الشعبي الذي يعيشه هؤلاء التلاميذ في الشوارع والبيوت وتترسخ في ذاكرتهم رؤية النيران التي تلتهم (تمثال الوزير) لان الرؤية الشعبية تريد ذلك, اذا كان المؤرخ الرسمي يضع الوزير في قائمة الابطال الا انه لايستطيع ان ينقذ الوزير من (نيران الجماهير)

طباعة Email
تعليقات

تعليقات