يومياتي ـ بقلم د. أحمد القديدي خبير اعلامي بجامعة قطر - البيان

يومياتي ـ بقلم د. أحمد القديدي خبير اعلامي بجامعة قطر

السبت : بالروح والدم نفديك يا سوهارتو نكب الشعب الأندونيسي (بنعمة الاستقرار) لمدة خمس سنوات أخرى بالاضافة إلى... خمسة وثلاثين عاما من حكم الجنرال سوهارتو وحكم كريمته وزيرة الشؤون الاجتماعية وصهره وزير البنية الأساسية وصديقه وزير الصناعة والتجارة, تاجر الأخشاب وبطانته جميعها من الألف إلى الياء. خمس سنوات قادمة تضاف إلى عهد الجنرال الذي وصل إلى سدة الرئاسة بانقلاب عسكري تقليدي ضد الرئيس أحمد سوكارنو, أحد أقطاب مؤتمر باندنغ عام 1955 وأحد مؤسسي حركة عدم الانحياز. حكاية سوهارتو لا تختلف كثيرا عن حكايات انقلابات العسكر في افريقيا وآسيا ضد أنظمة الاستقلال. فالبداية كانت عشر دبابات وخمس مدرعات وثلاث مصفحات تحيط بالإذاعة والقصر الرئاسي ثم البيان رقم 1 الشهير الذي... دائماً يعلن تحمل الزعيم الجديد لأمانة انقاذ الشعب وحرصه على الأمانة التاريخية التي أوكلها له الشعب بكامل الوعي ثم تأتي قائمة الوعود باطلاق سراح مساجين الرأي - ليتركوا زنزاناتهم في الواقع لمساجين الرأي المخالف الجدد - تم اصلاح الدستور ومقاومة الفساد وملاحقة المفسدين في الأرض. (هذا هو المصطلح اللطيف المهذب لعمليات تصفية الخصوم والتخلص من الاعداء) ثم فتح الأبواب أمام الحريات العامة واعطاء كل ذي حق حقه ثم وأخيرا تأتي النكتة التاريخية المعروفة وهي: التخلي عن الحكم للمدنيين بعد انتخابات حرة نزيهة قريبة ليتحمل الشعب مصيره وهو جدير بالثقة وأهل بالمسؤولية!! وينتظر الناس خمسا وسبعا عجافا وسبعا سمانا ولا يتخلى الجنرال سوهارتو عن الحكم بل يلغي الانتخابات أصلا ويعقد مجلسا من الأحباب والمحظوظين يكون منه أمل الحل والعقد (المقصود حل الأحزاب المناوئة وعقد الصفقات التجارية... وبذلك يحمل المجلس اسمه عن جدارة!) في آخر الولاية الرئاسية الرهنة سوف يكون عمر الجنرال سوهارتو ساعيا نحو التسعين, وقد بدأت مظاهرات الشباب تقرع طبول التغيير كما بدأت بوادر الأزمة الاقتصادية الخانقة تدق أبواب المجهول بعد حرائق أدغال اندونيسيا الصيف الماضي ولكن السمع الثقيل يمنع هذه الأصوات من بلوغ عقل القيادة إلى حين, كما تمنع التغيير تلك المصالح العالمية الأمبريالية المشبوهة التي تتاجر في أخشاب أدغال اندونيسيا ومقاولاتها وصفقاتها وبورصاتها, وتلك المصالح تود لو تبقى الحالة على ما هي عليه, لا تتغير إلا بالثورات العنيفة والزلازل ذات الدرجات العشرة في ميزان الحضارة كما هو حاصل في أفغانستان وبدرجة أقل في الجزائر. الأحد : هل يعقل أن تنهار الامبراطورية الأمريكية ؟ لو كنت أنا الفقير إلى ربه الذي طرح السؤال لانهالت علي عبارات اللوم والتعزير التي تعودت عليها ويأتي اتهامي بالحلم ومراهقة الفكر والخضوع للعواطف. لكن الله سبحانه لطيف بي فأنا بريء من طرح هذا السؤال. بل ان طارحيه اليوم بدأوا يتكاثرون في الولايات المتحدة نفسها وهم أمريكان وبعضهم من أصول يهودية أيضا. وغريب أن يطرح هذا السؤال في نفس الأسابيع الأخيرة - ما بين شهري نوفمبر 97 وفبراير 98 - رجال من أمثال صمويل هنتنغتون الشهير بنظرية صدام الحضارات والأشهر منه عالم الألسنية والاجتماع ناحوم شرمسكي والباحث الاستراتيجي المعروف كنث كنزمان ومجلة جدية مثل (وول ستريت جورنال) التي قالت في عدد 10 مارس 1998: (ان عوامل كثيرة تتفاعل اليوم من أجل انهاء سيادة أمريكا على منطقة الشرق الأوسط واختتام فصل انفرادها باللعب الذي دام سبع سنوات كاملة. فالاحساس يتنامى على الصعيد العالمي بأن الشعب العراقي عوقب بما يكفي عن طريق المقاطعة الاقتصادية التي فرضتها قرارات الأمم المتحدة وعزلة ايران توشك ان تنتهي على يد رئيسها المعتدل محمد خاتمي واتفاقية السلام العربية الاسرائيلية وصلت إلى طريق مسدود والتحالف الدولي الذي ساند أمريكا في حرب الخليج الثانية بات اليوم يقتصر على بريطانيا ومساهمات رمزية من دول قليلة...) وجاء كتاب المفكر الأمريكي رونالد وايت (القرن الأمريكي) ليحلل أسباب انعدام ثقة الأمريكان في تواصل القوة الأمريكية وسيادة الدولار وتوفير الصحة والعلم والرفاهية لأكبر عدد من الأمريكان. المهم هي ظاهرة صحية على كل حال أن يضع الأمريكان أنفسهم موضع الشك وهي حيرة خلاقة أفضل من نعاسنا العربي الحضاري العميق, شكل الحيرة التي تطرح على ضمائرنا أسئلة استراتيجية لعلها تجعلنا - كعرب - نبدأ في تصور المستقبل واستشرافه على أسس أخرى من اعادة الثقة بذواتنا وهويتنا وعبقريتنا.. وربما التعامل مع أمريكا هذه التي تفكر... أكثر من تعاملنا مع تلك التي تهدد, لنحسن العلاقة بيننا وبين المجتمع الأمريكي القادر على الابداع والعطاء وربما غدا... القادر على الانصاف والعدل والحوار. وتكفي الاشارة إلى بعض رجال الفكر هناك وأكبر الاعلاميين الشرفاء شرعوا يقولون جهارا ان المصالح الأمريكية بعيدة المدى ستكون أساسا رهينة علاقات أمريكية - عربية سليمة ونزيهة. ثم علاقات أوطد مع أمة اسلامية ديمقراطية فاعلة ماسكة بمقاليد مصيرها وذات مؤسسات راسخة. ان أمريكا بدأت صحوتها على أجراس القرن القادم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات