مع الناس: بقلم - عبد الحميد أحمد

من العلماء من يعمل حفارا للقبور ونابشا للترب, فلا يرتاح الا اذا استخرج الجماجم والعظام او طلع من هذه القبور بنظرية, وهذا يعمل على خلاف علماء اخرين يهتمون بالمستقبل, فيحدثنا الواحد منهم عن الكويكب الذي سوف يرتطم بالارض بعد عشرات السنين, او عن السيارة الذكية التي تتعلم على صاحبها وتتعود عليه فتقود نفسها بالنيابة عنه, مما نعتقد الان انه ضرب من الخيال, لولا ان الخيال يصير حقيقة بعد حين من الدهر. فمثلما هناك علماء المستقبل اصحاب النظريات الغريبة هناك ايضا علماء الماضي اصحاب النظريات الاكثر غرابة, ولا يجمع بين هؤلاء سوى أنهم ذوو شعور طويلة وكثة توحي لمن يراهم بأنهم هاربون من مصحة للامراض العقلية (مثال صورة اينشتاين من علماء المستقبل وداروين من علماء الماضي), كما يجمع بينهم ايضا انهم يبحثون عمن يصدقهم فلا يجدون الا من كان على شاكلتهم في خفة العقل والظل... مثلي. لذلك وعلى الرغم من مرور عشرات السنين على وفاة داروين فان لا أحد حتى الان يجزم بصحة نظرياته عن التطور, والامر نفسه يسري على اينشتاين الذي مضى على وفاته اكثر من ثلاثين عاما, والذي لا يستطيع احد حتى الان ان يستوعب نظريته النسبية, لا ان يصدقها, الا مرضى المصحات من الذين يملكون من الخيال المجنح ما أهلهم لدخول المصحات من أوسع ابوابها. وبما أننا ننشغل بعلماء المستقبل فنكتب عنهم وعن نظرياتهم التي تعدنا بأجهزة واختراعات وعلاجات في المستقبل اكثر مما نفعل مع علماء الماضي, فانني اليوم سأنصف واحدا من هؤلاء الذين يتحفوننا بين حين وآخر بنظريات تتعلق بعمر الكون اوعمر الارض او بفرضيات عن انقراض الديناصورات وصولا الى اصغر قطعة عملة معروفة, مرورا بالطبع بنظريات عن الاسماك والقرود والنجوم, معتمدين في ذلك على ما يقومون به من حفريات ونبش في قبور للبشر والحجر معا. اما هذا فهو البروفيسور روبرت برير, الخبير في التاريخ المصري القديم, الذي طلع مؤخرا بنظرية تثبت بعد تحليلات بالاشعة السينية لجمجمة توت عنخ آمون, وبعد تحليل للوثائق والمخطوطات والرسومات, ان هذا الفرعون الذي مات صغيرا لقي حتفه مقتولا على يد كبير مستشاريه والذي تولى الحكم بعده وتزوج من ارملته, ما يثبت ان الاغتيالات السياسية قديمة وعمرها مئات الآلاف من السنين. والعالم برير لم يذكر لنا ما اذا كان سفك دم توت عنخ آمون تم بالتواطؤ مع زوجته الامر الذي يجعلنا ندرك ايضا ان تآمر الزوجة والعشيق عمره هو الاخر الاف السنين. ونظرية القتل الكاملة, او قصة الاغتيال, سينشرها العالم في كتاب جديد الشهر المقبل بعنوان (اغتيال توت عنخ آمون) ,تذكرنا بالكتب الشهيرة المثيرة عن اغتيالات مماثلة لرؤساء وعلماء وزعماء وسياسيين, او بقصص غريبة لجرائم وعمليات اجهزة الاستخبارات في العالم, كعمليات السي. اي. ايه او الموساد او الكي. جي. بي سابقا, لولا ان القصة هذه المرة قديمة يقدمها الباحث وهو يقول: (انه كلما اوغلت في خفايا اللغز ادركت ملامح قصة مذهلة, قام فيها الوزير العجوز بتدبير مقتل الفرعون الشاب وان هذا اللغز بقي مطمورا في الرمال) . الرمال هذه حفر فيها البروفيسور فخرج منها بنظرية جديدة لموت الفرعون, ربما يمثلها احدهم يوما ما في فيلم سينمائي, سوف تبقى زمنا طويلا مثار نقاش وجدل بين مؤيد ومعارض, ومصدق ومكذب, اخترت شخصيا من بينهم دور التصديق, ليس لانني من الصنف خفيف العقل والظل كما اسلفت بل لان القصة حدثت في بلد عربي,ما يجعلني اصدق فورا نظرية الاغتيال هذه. فمن غيرنا أشطر في الاغتيالات بأنواعها؟

تعليقات

تعليقات