العبودية: بقلم- ميشال جوبير

ان استعباد الناس الذين ولدتهم امهاتهم احرارا مخالف لجميع الشرائع, وبالطبع تدينه كل المجتمعات, لكن العبودية باقية بأشكال اخرى. فالذي نعرفه هو انه منذ فجر التاريخ, وقبل خمسة الاف سنة . اي في العصر البرونزي, حينما كان الناس تائهين في مهب الارض, شرع الانسان يستعبد اخاه الانسان وانقسمت البشرية الى اسياد متعجرفين وعبيد مساكين. وتحفظ ذاكرة الانسانية ان سكان اسبرطة اليونانية في القرن الثاني عشر قبل الميلاد هزموا اعداءهم سكان ميسينيا وحولوهم الى عبيد... وحتى الديمقراطية اليونانية القديمة قننت اشكال ذلك الاستعباد واستخدمت العبيد في ارذل الخدمات. اما روما الامبريالية فقد فعلت اكثر من ذلك حين توسعت امبراطوريتها وامتدت خارج روما. ومهما كان صمت التاريخ او بوح وثائق الارشيف فان الانطباع المرير هو ان الانسان لم يرحم اخاه الانسان ولم يشفق على المستضعفين حتى ان بعض الاديان لم تطابق الافعال مع العقائد مما ادى الى يأس المصلحين الحالمين بتغيير هذه الاوضاع. فباباوات الكنيسة المسيحية لم يثوروا ضد العبودية التي احتاجت لها مقتضيات التوسع الصناعي في اوروبا وامريكا من القرن الخامس عشر الى القرن الثامن عشر وما صحب ذلك التوسع من اكتشافات كبرى وتقسيم العالم وظهور المغامرات الامريكية. لقد طغت حاجة الاسواق الى الايدي العاملة على المفارقات الاخلاقية. وهكذا بدأت مأساة تجارة الرق الافريقي بعمليات تهجير شعوب وقبائل بأسرها وبعمليات ابادة جماعية راح ضحيتها الملايين. وها هي الجراح مفتوحة لا تقبل الاندمال, بعد ان اتخذت العبودية اشكالها العصرية بتطوير اساليبها وتعصير وسائلها. فرنسا والرق ولعل القارىء يتساءل لماذا تحرك السكين في الجرح عام 1998م, والجواب هو ان السبب استعداد فرنسا للاحتفال بذكرى الغاء العبودية منذ قرن ونصف. ولكن هل يحق لنا ان نفخر ونزهو؟ ففي عام 1794 الغت الجمهورية الاولى الرق ولكن بعد ثماني سنوات وعلى ايدي نابليون عادت العبودية من جديد عام 1802 ولم تقع مراجعة تلك القوانين الاستعبادية الا عام 1848 عندما نشأت الجمهورية الثانية بفضل مجهودات وزير المستعمرات فكتور شلوشلر. اما الولايات المتحدة الامريكية فقد دخلت في حرب اهلية ضروس ــ حرب التقسيم من سنة 1861 الى 1865 ــ وهي الحرب التي ظلت اثارها النفسية حية الى اليوم. وجاء ميثاق عصبة الامم عام 1926 ليعلن بتوقيع 44 دولة عن عزم الانسانية التخلص نهائيا من العبودية وتطبيق اعلان 1890 القاضي بمناقضة العبودية لانسانية الانسان. احصاءات دامغة وبدأ مسار بطيء في هذا المجال كرسته ودفعته اتفاقيتا المنظمة العالمية للشغل عامي 1930 و1957 الخاصتان بمقاومة العمل الالزامي ثم جاء قرار موريتانيا الاستغناء عن الرق عام 1980 حيث تم (عتق) 700 الف شخص يتخبطون في متاهاتهم. اما احصائيات استعباد الافارقة فان الاحصاءات هشة وغير متفقة والارقام تتراوح ما بين اربعة و150 مليون افريقي تم استعبادهم ففي عام 1787 بلغ عدد المستعبدين 100 الف سخرهم الانجليز والفرنسيون والبرتغاليون والهولنديون والدنماركيون كما ان المسلمين سمحوا بتجارة الرق فيما بين القرن الثاني عشر والعشرين. وحتى عام 1993 فان تقرير المنظمة العالمية للشغل احصى عددا غير قليل من البلدان التي يتوقع ان تكون تمارس الرق الى يومنا هذا. وبالطبع فان اشكال العبودية (تطورت) وتنوعت واخذت مناهج جديدة مسايرة لاشكال التقدم الحاصل مثل عمليات تشغيل الاطفال القصر. ففي حين تتشدق بانقراض العبودية رسميا يعتقد ان 200 مليون من الرجال والنساء و250 مليونا من الاطفال مايزالون مستعبدين بأشكال شتى ويمكن ان نحصي حوالي 10 بالمائة من اليد العاملة الهندية توظف في اشغال شاقة او اجبارية. عولمة العبودية هذه هي اللوحة المعاصرة بأطيافها والتي تعطي فكرة عن مدى احترام الدول لحقوق الانسان. وحينما يؤكد لنا المسؤولون الصينيون والاسيويون ان لديهم ثقافة اسيوية خصوصية مختلفة عن مفهوم منظمة الامم المتحدة لحقوق الانسان فلا يسعنا الا الشك في احلال الفولكلور محل المبادىء الثابتة والعواطف النبيلة وهو ما يفتح الباب واسعا امام كل التجاوزات. ومن المتوقع ان العولمة القادمة بقوافل توحيد الاقتصاديات واندماج الاجتماعيات سوف تحمل لنا معها كذلك (عولمة) الاستغلال والاضطهاد التي يذهب ضحيتها المستضعفون في الاردن وتصادر مصائرهم وستكون النساء والاطفال اول المستهدفين لاشكال العبودية الحديثة. كما اشار الى ذلك عام 1997 تقرير اللجنة الاممية لحقوق الانسان. فما زالت دول العالم بعيدة عن الضمانات التي يوفرها الميثاق الاوروبي لحقوق الانسان وبخاصة امكانية التقاضي ورفع الدعاوى امام المحاكم. كان (منتسكيو) الفيلسوف يقول: العبودية مناقضة لطبيعة الانسان. وكان يجيب على زعم ارسطو بان العبودية ناتجة عن طبيعة الانسان وكان لمنتسكيو فضل قلب الموازين السائدة على مدى قرون طويلة استمرأ فيها الناس استعباد غيرهم واخضاعهم بالقوة واذلالهم بالحروب والعنف وتصارع الاديان والجري وراء المنفعة المادية. ولكن كرامة بني ادم لا تزال ابعد من المظاهر الاحتفالية التي تعلن بها.

تعليقات

تعليقات