مع الناس: بقلم - عبد الحميد احمد

من بين مختلف المواقف في الازمة السياسية الحالية في الكويت, يبرز موقف الشيخ سعود ناصر الصباح وزير الاعلام الذي استجوبه وطالب باقالته او استقالته النواب الاسلاميون, ومع ذلك رفض حل مجلس الامة كحل مطروح للخروج من الازمة . ويستطيع أمير الكويت حل المجلس دستوريا والدعوة الى انتخابات خلال ستين يوما, لولا ان هذا الحل هو اسوأ الممكن, فجاءت استقالة الوزراء هي احسن الممكن, ليتبعها تعديلات وتغييرات وزارية تقطع الطريق امام البرلمان من تحقيق هدفه في حجب الثقة عن الوزير, ومن تحقيق انتصار تاريخي له على الحكومة, كان سيكون الاول من نوعه. طبعا المناورات السياسية والمناوشات واللف والدوران والشد والجذب والرخي من اصول اللعبة الديمقراطية بين الحكومات وبرلماناتها, ويبدو ان الحكومة الكويتية اختارت طريق الديمقراطية فأعطت اللعبة مداها, حين اجتمعت اطراف من العائلة الحاكمة, كما تقول الاخبار, فقررت ضرورة ان تأخذ اللعبة السياسية حقها الكامل ومداها الطويل فاستبعدت حل البرلمان, اسهل الحلول بالنسبة لها, واسوأ الممكن بالنسبة للبلد. وضمن هذا الموقف كان موقف الشيخ سعود المطلوب رأسه سياسيا والذي شدد, كما تقول الاخبار نفسها, على ضرورة استبعاد حل البرلمان حتى لا يربط باستجوابه مذكرا مجلس الحكم بأن ذلك لو حصل (فسأكون انا الخاسر الاكبر) و(لا اريد ان أكون وراء الحل او سببا فيه) . هذا الموقف ينم عن نضج سياسي يتمتع به وزير الاعلام الذي كان يمثل بلاده في واشنطن سفيرا لها لسنوات ولعب دورا مهما في شرح قضية الكويت ودعم تحريرها وجلب التعاطف معها, كما ينم عن نضج تتمتع به الحكومة الكويتية التي لم تعد تضيق ذرعا بالبرلمان, حتى وهذا يطالبها بالكثير الى درجة المبالغة, كقضية (الكتب الممنوعة) نفسها والتي كانت السبب في هذه الازمة الحالية بين البرلمان والحكومة. طبعا (الكتب الممنوعة) تكاد تكون الاولى التي تفجر قضية وتتحول الى أزمة سياسية في بلد على النحو الذي جرى في الكويت, حين بدأ نواب يتهمون الوزير بالسماح بعرض وبيع كتب مسيئة على حد قولهم في معرض للكتاب, وهو ما يجري عادة في كل معرض قد تفوت على رقابته بعض الكتب, لولا ان النواب من التيار الاسلامي وجدوها فرصة للمشاغبة والاطاحة بالوزير, حتى وهذا يعترف بالخطأ في ذلك, ما يدل على مبالغة هؤلاء في هذه القضية التي حولوها فعلا من حبة الى قبة. غير ان القضية صغيرة كانت ام كبيرة, تعلقت بكتب ممنوعة أو بمشتريات سلاح بمليارات الدولارات, هي حق النواب في طرحها واثارتها, والامر كله يعتمد على نضج هؤلاء وحسن تصرفهم, وعلى نضج الحكومة وحسن تصرفها أيضا, بحيث لا تتحول مثل هذه القضايا الى صراع مرير ينتهي بمشكلات وأزمات تعرقل مسيرة البلد كله, وهو ما تثبته التجربة الكويتية يوما بعد يوم وسنة بعد سنة, فنشهد فيها حالات تقدم سياسي ونضج يجنبها الكثير من الاخطار, على الرغم من أنها تركب سفينة الديمقراطية التي يصعب عادة قيادها الا على من يمتلك قدرات سياسية كبيرة وكفاءة وطنية عالية, وهذه المرة تشهد التجربة على كفاءة الحكومة ونضجها مقابل غوغائية البرلمان للاسف, والتي لا أحد يستطيع الغاءها فهي من امراض التجربة ايضا.

تعليقات

تعليقات