بين صراع الحضارات وحوار الأديان: بقلم- حسن أوريد - البيان

بين صراع الحضارات وحوار الأديان: بقلم- حسن أوريد

انعقد بالرباط يوم 16 من هذا الشهر حلقة تأملية حول (حوار اديان التوحيد السماوية) بمبادرة من اليونسكو, فتمحورت حول مرجعية اخلاقية مشتركة بين الاديان السماوية , من اجل ترسيخ ما اسمته الندوة بثقافة السلام. وتأتي هذه المبادرة في وقت علت فيه جلبة دعاة صراع الحضارات منذ مقال هانتجتن (صدام الحضارات) الصادر في مجلة فورين افيرز سنة 1993 وقد هب كثير من الاكاديميين الى تنصيب الاسلام عدوا مقبلا بعد ان اندحر شبح الخطر الاحمر وساير هذا المد بعض من اصحاب القرار مثل الكاتب العام السابق لحلف الناتو كليتس. ولقد اقدم ثلة من الاكاديميين المرموقين الى دق ناقوس الخطر لهذا الطرح المبسط الذي لا يزيد استبدال نموذج الحرب الباردة وتطبيقه على عالم ما بعد الحرب الباردة, والحالة ان العالم الاسلامي الذي يراد ان يطبق عليه هذا النموذج متنوع لا يشكل وحدة الا من حيث العقيدة, وتعتاره تيارات تتوزع ما بين المحافظة والاصلاحية والتقدمية. (ديل ايكلمان: افاق الديمقراطية في شمال افريقيا والشرق الاوسط 1997) او طرح فرد هاليداي في كتابه (اسطورة المواجهة بين الاسلام والغرب) 1997 والذي يرى ان العداء ضد الاسلام ما هو في حقيقة الامر الا توظيف لايديولوجيات سابقة مناوئة للعالم الاسلامي تتسربل بأعذار جديدة وكأن لسان حال دعاة الحوار بين الحضارات عوض التصادم هو ما قاله شاعر اموي لايزال يضرب مضرب الامثال: ارى خلل الرماد وميض نار …. ويوشك ان يكون لها ضرام فان لم يطفئها عقلاء قوم … يكون وقودها جثث وهام فان النار بالعودين تذكى … وان اولها كلام لا مندوحة من الحوار بين (عقلاء القوم) لتجنيب البشرية ويلات تصادم لا يبقى ولا يذر او مغبة عداء فيه افقار للفكر واجهاز على الاخلاق وتدمير للمستقبل والامل. كثير من المفكرين ارتأوا ان سبيل هذا الحوار يتم من بوابة الدين, على اعتبار الدين الى جانب نزوعه الروحي موطن الذات ومسكن الهوية الى جانب اللغة وعلى اعتبار المجتمعات تنزع اول ما تنزع حينما تعرض هويتها للاستلاب الى الاستمساك بمقوماتها الروحية. ويشير تويني في الحوار الذي جرى بينه وبين المفكر الياباني ايكادا في مجلد ضخم بعنوان (على الانسان ان يختار) ان الدين عامل نهوض ما ان يسيطر الخمول والجمود على مجتمع ما ان الهوية سواء كانت هوية جديدة او هوية معادة يتم تحديدها اولا عن طريق العقيدة قبل اللغة او موازاة معها وللحفاظ على تماسك الهوية الناشئة يتم تنصيب الاخر خطرا او تهديدا للهوية الناشئة. وقراءة التاريخ تبين لنا كيف ان الغرب في القرون الوسطى نصب الاسلام عدوا سواء من خلال الحروب الصليبية واكثر من ذلك من خلال الادبيات التي كانت تنشرها الكنيسة والتي نفذت حتى الى مفكري الانوار ومنهم فولتير ولم يحسم الغرب علاقته مع الاخر/الاسلام الا بعد حملة نابليون التي اوضحت رجوح كفة الغرب. وترى عالمة الدين الامريكية كارين ارمستروج التي كتبت كتابا لاقى نجاحا كبيرا عن (قصة العقيدة) 1994 وسيرة للنبي 1995 تنأى عن الطروحات المادية التي تطفح بها كتابات بعض المستشرقين, ترى ان هوية المجتمعات الاسلامية, التي تعاني شرخا وتهديدا من لدن الغرب المتفوق ماديا يتم التعبير عنها عن طريق التوجس من الغرب (المهيمن) و(المتجبر) و(المستكبر) . لكن ردود الفعل هذه من كلا الجانبين لا يمكن ان تخفي اسباب الالتقاء. ومن العسير ان نستجلي المحاولات الجادة والهادفة في حمأة قعقعة المنادين بالتصادم وقد المحنا الى محاولات هؤلاء في مقال نشر على متن هذه الجريدة (الاسلام والغرب, الحوار المتعثر: 9 يناير 1998) ومن المحولات الرصينة تلك التي ارستها المنظمة العالمية للكنائس التي مقرها بجنيف وتضم جل الكنائس غير الكاثوليكية او المؤتمر العالمي للتشاور حول العقائد الذي جعل وهمه ما نادى به احد العلماء اللاهوتيين هانز كينج حين قوله ان (لا سلما بين الامم بدون سلم بين الاديان) وهو الذي نادى باعلان عالمي للاخلاق على غرار الاعلان العالمي لحقوق الانسان. وبداخل الفاتيكان توجد مؤسسة للحوار هي الكرسي الرسولي الذي يحتوي على كتابة دولة للعلاقات بالاديان غير المسيحية. ولئن كان مصدر هذه المحاولات نابعا من الكنيسة اساسا حيث تأخذ المبادرة فان منتديات اكاديمية هبت هي الاخرى الى ارساء السبل بين الاديان السماوية ومنها مركز التفاهم المسيحي الاسلامي التابع لجامعة جورج تاون والذي يشرف عليه جون اسبوزيتو صاحب كتاب (الخطر الاسلامي , حقيقة او وهم؟) ونشير كذلك الى مؤسسة ويلتن باردك البريطانية التي رعت بمناسبة خمسين سنة على انشائها ندوة حول (معنى المقدس: بناء جسور بين الاسلام والغرب) في ديسمبر من سنة 1996 وتميز بالكلمة التي القاها ولي العهد البريطاني والتي اشار فيها الى ان الاسلام يستطيع ان يوجه رسالة للغرب باعتباره حافظا على قدسية العالم ونظرة شمولية له غير تجزيئه ومن شأن الاسلام يقول ولي العهد البريطاني ان يدفع الغرب الى اعادة التفكير في علاقة الانسان بالعالم وبيئته ذلك ان الغرب نأى عن مكون مهم من هويته وهو المسيحية لصالح نظرة مادية صرف, وهكذا اصبح العلم, يقول ولي عهد بريطانيا (يمارس احتكارا بل استبدادا على فهمنا للعالم. انفصل العلم عن الدين وكانت النتيجة هي تلك التي عبر عنها ويليام وردسورث (نرى جزءا ضئيلا من عالم ــ طبيعة ـ هو ملك لنا) لقد سعى العلم ان يستحوذ على عالم الطبيعة وينزعه عن ملكوت الله وجزأ الكوسموس وطرح المقدس في جانب منفصل وثانوي لفهمنا للعالم بعيدا عن الامور العملية في الحياة اليومية) (الترجمة من عندي). وقد انتهت مؤسسة ويلتن بارك التي تنتظم كل سنة الى اطار للعمل حول مسائل عملية يمكن للحوار بين الاديان وخاصة مع الاسلام ان يستجلي حلولا عملية تهم الرعاية الصحية, والزراعة والهندسة والبيئة وانتهت الى تدابير عملية لتفادي الزيغ الذي ادت اليه النظرة العلموية الصرف من سوء تدبير للموارد واختلال لتوازن البيئة ونادت بمزج البعد الوظيفي والروحي في السكن مثلا. وقد استلهمت البعد الروحي للاسلام كترياق للنظرة المادية الصرف, التي احالت الانسان الى مستهلك, ينتزع الى اللذة مع ما يترتب عن ذلك من مآس اخلاقية, اذ ليس البعد الروحي ترفا, ولكنه احد عوامل التوازن الفردي والمجتمعي. ثم اعتمدت مفهوم الاستخلاف الوارد في القرآن الكريم والمسؤولية التي حملها الانسان في استعمار الارض (القيام بالعمل الصالح) . وقد عقدت هذه المؤسسة لقاء في مستهل شهر فبراير الماضي حضره ثلة من رجال الدين والمفكرين. بيد ان هذه المحاولات التي لا يمكن سوى الاشادة بها تستوجب بعض الملاحظات: اولا: ان الحوار يتم بمبادرة الغرب ويتميز الغرب بمعرفته الدقيقة والعميقة للعالم الاسلامي سواء من خلال مؤسساته الكنسية او الاكاديمية ومعرفته بجوانب الحياة في المجتمعات الاسلامية, وامتلاكه ناصية لغاته. ولذلك قد يبدو هذا الحوار غير متكافىء مما يستلزم معرفة المجتمعات الاسلامية للاخر معرفة عميقة وقيام مؤسسة ترعى هذه المعرفة وهذا الحوار حتى لا يكون عبارة عن سيول تتبدد في الصحراء اذ الظاهر ان ليس هناك مؤسسة اسلامية ترعى هذا الحوار على غرار ما هو متواجد لدى الطرف الآخر سواء عبر مؤسسات قريبة من الكنيسة او اكاديمية. ثانيا: ان الحوار لا ينطلق من مبدأ التسامح فقط ولكن من احترام الاخر لان التسامح يتضمن علاقات تراتبية ولا يوحي بمعرفة الاخر, ولكن فقط بالسماح له بالوجود ان العنف ما هو الا التعبير الحتمي للاقصاء والتجاهل او التشويه. لذلك فان المناداة الى نبذ العنف ينبغي ان تنصرف الى جذوره المتمثلة في الاقصاء. ثالثا: ان الحوار بين الاديان هو غيره في مجالات اخرى. فلا ينبغي ان يكون اداة للتبشير ولا ارضية للتنازلات اذ يسوغ ان يتمخفض الحوار في الميدان السياسي عن تنازلات اما في ميدان العقيدة فلا. ومثلما يقول المفكر التونسي محمد الطالبي (ان قاعدة الانطلاق هي قبول الغير كما يريد ان يكون والقاعدة في ذلك الا يكون الحوار مفاوضات, نقوم فيها بتنازلات كي نصل الى قاعدة مشتركة ــ لا ــ انا رافض ان يكون الحوار مفاوضة لانه يستحيل على اي انسان ان يتفاوض على حساب ما يعتقده حقا. يستحيل علي ان اقوم بتنازلات فيما اعتقده انه حق في صلب اعتقادياتي الدينية وهذا يصح كذلك بالنسبة الى المسيحي واليهودي وحتى بالنسبة لغير المعتقدين) . الطالبي: عيال الله ص 168. فغاية الحوار هو تضافر الجهود بين الاديان السماوية للتصدي الى تفادي التصادم والتناحر وتجنب الانحرافات التي تمس البشرية من جراء غلواء العلم وزيغ الاقتصاد وغلبة النظرة المادية. رابعا: ان اولى الاوليات هو اجراء حوار اسلامي ــ اسلامي بعيد عن منطق التكفير والاقصاء. حوار بين الشيعة والسنة, وحوار بين الفرق التي ظهرت في الآونة الاخيرة والتي لها مسوغ وجود لكن لا يمكنها ان تزعم امتلاكها للحقيقة فذلك مناف للعقل ومناف لروح العقيدة الاسلامية. فقد ورد في محكم التنزيل (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة, وجادلهم بالتي هي احسن, ان ربك هو اعلم بمن ضل عن سبيله, وهو اعلم بالمهتدين) (سورة النحل: 125) وان تكون غاية الحوار المصلحة المشتركة للعالم الاسلامي والبشرية جمعاء (وتعاونوا على البر والتقوى, ولا تعاونوا على الاثم والعدوان) سورة المائدة. ومرة اخرى نكرر مقولة رجل الدين المسيحي (لا سلم بين الامم بدون سلم بين الاديان) ونضيف: ولا سلم داخل الامم بدون سلم بين الملل والنحل. باحث مغربي*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات