في القيم الخبرية والموضوعية والإرهاب الفكري : - بقلم د. محمد قيراط

شهدت الممارسة الاعلامية في السنة الماضية وفي بداية هذه السنة بعض التناقضات وبعض الممارسات التي تتنافى مع اخلاقيات المهنة ومع ما يسمى بالموضوعية ونقل الحقائق وتقديم الخلفية والاطار الكامل للخبر, واصبحت الممارسة الاعلامية في نهاية هذا القرن ترتكب اخطاء وهفوات لا تغتفر وهذا يكون على حساب الرأي العام على حساب السوق الحرة للافكار, واذا ابتعدت الممارسة الصحفية عن خدمة المجتمع وخدمة حرية الرأي والديمقراطية فهذا يؤدي لا محالة الى ممارسة نوع من الارهاب الفكري وتمرير الاكاذيب والآراء التي تنميها قوى خفية لاتفكر الا في مصالحها واهدافها, والغريب في الامر ان هذه التجاوزات اصبحت تمارس في الدول المتقدمة والتي تدعي حرية الفكر والرأي بنفس الدرجة التي تمارس بها كذلك في الدول النامية والحديثة العهد بالديمقراطية, ولشرح هذه الآليات التي تحكم الممارسة الاعلامية في ايامنا هذه سنتوقف عند اربع محطات توضح لنا جليا اختراق القيم والمبادىء التي تقوم عليها الممارسة الاعلامية السليمة. المحطة الاولى والتي تتمثل في حادث وفاة الاميرة ديانا حيث اهتمت وسائل الاعلام الغربية وغير الغربية اهتماما خارقا للعادة بوفاة الاميرة, واذا كان الحادث يستحق الاهتمام والتغطية ويحتوي على قيم خبرية معتبرة وهامة فهذا لا يمنع صاحبة الجلالة او السلطة الرابعة ان تطرح بعض التساؤلات الانسانية والاخلاقية حول الليدي دي, وبدون تجريح او قذف في الاموات فهنالك امور كثيرة تتنافى مع التصرفات التي كانت تقوم بها الاميرة كطرف هام في العرش الملكي وكأم, والظروف التي ماتت فيها الاميرة تدل بمختلف المقاييس والاعتبارات الاخلاقية انها كانت في علاقة غير شرعية وغير قانونية وغير اخلاقية مع شخص لايربطها به شيء رسمي, الليدي دي بكل المقاييس كانت زوجة خائنة لزوجها وزوجة خرجت عن طاعة زوجها وعن طاعة تقاليد القصر الملكي البريطاني, رغم كل هذا نالت وفاة اميرة القلوب تغطية اعلامية لم ينلها جون كيندي ولا اي رئيس دولة, او ملك او زعيم في العالم, وحسب آخر استطلاع فإن التغطية الاعلامية لوفاة ديانا فاقت الاهمية التي خصصت لتغطية الحرب العالمية الثانية بدون منازع. وكان تركيز وسائل الاعلام المختلفة على الجمال وعلى الخدمات الانسانية التي كانت تقوم بها الليدي دي في السنوات الاخيرة وحتى وبعد مرور اكثر من ستة شهور على وفاة ديانا فإن الصحافة البريطانية على وجه الخصوص والاوروبية بصفة عامة مازالت تهتم بالحادث وتخصص له الصفحة الاولى على جرائدها, ولكن حتى ننصف التاريخ وننصف القيم الخبرية دعنا نقارن بين موت ديانا وموت الام تيريزا, فرغم ان الخدمات التي قدمتها الاخيرة من اجل الانسانية ومن اجل الفقراء في جميع انحاء العالم لاتقارن على الإطلاق, فإن وفاة الام تيريزا مرت بكل بساطة وتسطيح وبقي الاهتمام فارضا نفسه على وفاة الاميرة حتى بعد مرور شهور عدة ومع الاسف الشديد نلاحظ ان بعض وسائل الاعلام العربية تشبعت بالقيم الخبرية الغربية وسارعت للتغطية المباشرة وعلى الهواء لمراسيم جنازة الاميرة, راحت ترثي وتبكي الاميرة وتضخم في محاسنها وجمالها وخدماتها العديدة للانسانية ترى كيف تعامل وسائل الاعلام امواتنا وشخصياتنا السياسية والادبية والفنية؟ سؤال يجب ان يطرحه كل صحافي ومسؤول اعلامي عربي. المحطة الثانية في موضوع القيم الخبرية والموضوعية والارهاب الفكري هو قضية المفكر والفيلسوف الفرنسي روجيه جارودي ومحاكمته من قبل الصهاينة في العاصمة الفرنسية باريس بشأن كتابه الجريء بعنوان (الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية) , الكتاب الذي كشف النقاب عن افلاس الثقافة الغربية وعن الارهاب الفكري الذي يمارس بطريق او بأخرى من دون دراية وعلم الجماهير, وهنا نلاحظ مرة اخرى افلاس الاعلام الغربي واعتماده على مقاييس ومعايير تتلون وتتغير حسب مصالح قوى فاعلة معينة, حيث نلاحظ قوة اللوبي الصهيوني وقدرته على ممارسة الارهاب الفكري بكل احتراف ودقة ودبلوماسية, ويكاد سيناريو كورت فالدهايم رئيس النمسا السابق وما تعرض له على يد الصهاينة واعلامهم من اضطهاد اعلامي وفكري يتكرر ويعيد نفسه مع ما يحدث حاليا مع روجيه جارودي, وصدق من قال ان التاريخ يكرر نفسه. وما قاله المفكر الفرنسي في كتابه عن الحركة الصهيونية وتاريخها وأكاذيبها موثق وله ادلته وبياناته القاطعة لكن اللوبي الصهيوني الفرنسي والآلة الاعلامية الصهيونية تعمل على تغيير الحقيقة بالخطأ والادلة بالاكاذيب وتحاول ان تقضي فكريا على هذا المفكر الذي كشف للعالم عن التناقضات العديدة التي تكتنفها الحركة الصهيونية العالمية, واللوبي الصهيوني استطاع ان ينفي ويقضي على (الابي بيار) الرجل الذي كانت تحترمه فرنسا بكاملها من اجل مواقفه ومبادئه لا لشيء الا لانه تضامن مع روجيه جارودي, ولا يخفي علينا الاضطهاد الذي تعرض له كورت فالدهايم حيث همش وقضي على حياته ونشاطه السياسي من قبل اللوبي الصهيوني, ولقد تم كل هذا عن طريق الآلة الاعلامية التي تقف دائما الى جانب القوي وصاحب النفوذ والمال, والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو اين هي حرية الصحافة؟ واين هي الاخلاق والقيم في الممارسة الاعلامية؟ واين هي اسطورة الموضوعية والسلطة الرابعة, اين حرية الصحافة التي تتغنى بها فرنسا والجمعيات اليهودية قد اوقفت توزيع كتاب روجيه جارودي علنا؟ ففي قضية المفكر والفيلسوف الفرنسي نلاحظ هذه الايام الحقد والضغينة وتصفية الحسابات مع كل من يقف في طريق الصهيونية على حساب الحقيقة وانصاف العدل والحرية. المحطة الثالثة تستوقفنا عند ما يحدث في الجزائر وكيف تعامل الاعلام يتعامل مع الازمة الجزائرية, ونلاحظ هنا التسطيح والتبسيط لازمة تعكس تناقضات وترسبات نظام سياسي يزيد عمره عن اكثر من خمسة وثلاثين سنة, وحركة استعمارية, استيطانية, استغلالية زادت على اكثر من قرن من الزمن. وتأتي وسائل الاعلام سواء كانت غربية ام عربية تلخص الازمة الجزائرية في صراع ما بين السلطة والحركة الاسلامية في الجزائر, وان كان هذا الصراع يمثل جزءا من المشكلة الا ان هذا الجزء يعتبر ضئيلا ولا وزن له اذا عزل عن المشاكل الاخرى, كما هللت وسائل الاعلام لتدخل الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة الامريكية, ومنظمات حقوق الانسان المختلفة لحل الازمة الجزائرية, ونتساءل اين كانت وسائل الاعلام هذه عندما كانت اوروبا والولايات المتحدة تؤوي الارهابيين والعناصر المجرمة التي كانت تستعمل هذه الدول كقواعد خلفية لجمع الاموال وشراء الاسلحة وارسالها عبر قنوات مختلفة الى الجزائر؟ اين كانت وسائل الاعلام هذه عندما كانت المخابرات المركزية الامريكية تجند المجاهدين من الجزائر ومصر وغيرهما من الدول العربية والاسلامية لضرب الشيوعية ثم لاعلان الجمهوريات الاسلامية في بلدانها؟ لماذا لم تتساءل وسائل الاعلام بمختلف انواعها واصنافها عن مصير هؤلاء الشباب وعلى كونهم هم نواة ما يحدث من اعمال ارهابية واجرامية في دول مثل مصر والجزائر وغيرهما؟ اين الامانة واين المسؤولية واين التعمق في دراسة وتحليل القضايا والازمات؟ هذا بطبيعة الحال ليس تبريرا لما يحدث في الجزائر وليس دفاعا عن اي طرف من اطراف النزاع في الجزائر, وانما عندما تتطرق وسائل الاعلام الى ازمة مثل الازمة الجزائرية يجب وانطلاقا من احترام ذكاء القراء واحترام المهنة اعطاء وجهات النظر المختلفة ومعالجة القضية من زواياها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والدينية.. الخ, وعندما يحاول الاتحاد الاوروبي ومنظمات حقوق الانسان التدخل في الجزائر لماذا لم يحاولوا التدخل في فك الحصار على الاطفال العراقيين الذين يموتون بسبب نقص الادوية وبسبب الجوع, اين هو الاتحاد الاوروبي من الحصار المضروب على الشعب الليبي؟ اين هو الاتحاد الاوروبي ومنظمات حقوق الانسان من اطفال الحجارة؟ هنا يتبادر الى ذهن كل انسان يفكر بمنطق وبعقل ان اوروبا وامريكا لديهما اهتمامات اخرى ومصالح اخرى ليست هي بالضرورة امن وسلامة الجزائريين, اين كانت اوروبا وامريكا والحلف الاطلسي عندما كان الشعب الجزائري يموت بالآلاف لاسترجاع سيادته, ألم تحارب فرنسا المقاومة الجزائرية بمساعدة حلف الناتو؟ والغريب في الامر ان الكثير من وسائل الاعلام العربية انجزت وراء القيم الخبرية الغربية والاجندة التي حددتها وكالات الانباء العالمية, وادى هذا الانحراف الى تناقض فظيع بين موقف بعض الدول العربية ازاء الازمة الجزائرية وموقف مؤسساتها الاعلامية. المحطة الرابعة: تستوقفنا هذه المحطة عند بعض البرامج السياسية الجادة في بعض القنوات الفضائية العربية حيث ان هذه البرامج اثلجت صدورنا وبعثت في قلوبنا آمالا بوجود مادة اعلامية جادة وهادفة, لكن سرعان ماتبددت هذه الآمال عندما لاحظنا بعض التصرفات اللااخلاقية على الهواء ضاربة عرض الحائط احترام المشاهد والمشارك في نفس الوقت, وتمثلت هذه التصرفات مع الاسف الشديد في قطع المكالمات الهاتفية عن قصد ثم الاعتذار عن قطع المكالمة, والغريب في الامر ان هذه المكالمات تنقطع عندما يكون هنالك رأي أخر مخالف ومنتقد لما يدور في الحوار القائم بين الصحافي وضيوفه وباقي المشاركين عن طريق الهاتف, وتحدث المقاطعة الهاتفية كذلك عندما يختلف الرأي مع وجهة نظر القناة الفضائية او سياسة الدولة نفسها, هذه التصرفات مع الاسف الشديد تتناقض واخلاقيات مهنة الصحافة واحترام الاختلاف في الرأي, ومن التناقضات الغريبة ان بعض هذه القنوات تدعو بعض المختصين وبعض السياسيين لمناقشة قضية معينة دون مراعاة الانصاف في طرح مختلف الاتجاهات والآراء وتكون النتيجة في هذه الحالة حوار احادي ذو اتجاه لايعكس حقيقة المشكل ولا يطرح مختلف الآراء والاتجاهات حولها فليس بهذه الطريقة يمكن لهذه القنوات خدمة المجتمع والحقيقة وحرية الفكر والرأي والديمقراطية. وما يلاحظ عن افلاس وسائل الاعلام المختلفة في تأدية مهامها على احسن وجه هو الطابع الاستعراضي وطابع الاثارة اللذان يعتمدان على التسطيح والتبسيط والاهتمام بالحادث اكثر من الخلفية وكذلك التفنن في الاستعانة ببعض (المختصين) و(المحللين) و(المعارضين) والذين في حقيقة الامر لا يحملون من هذه التسميات الا الاسم ولا ندري من اين اصبحوا كذلك, حيث انهم يكونون في غالب الاحيان بعيدين كل البعد عن واقع المشكلة او الازمة وعن ابعادها وخلفياتها, ونلاحظ هنا ان بعض القنوات التلفزيونية لها زبائنها الخاصون من هذه الشريحة من الباحثين والمختصين والمحللين حيث انها تنتقيهم وتختارهم بما يخدم رؤيتها وتحليلها للقضية او المشكلة, فهذه في الحقيقة ليست ممارسة اعلامية وانما هي اضطهاد فكري وتضليل وتزييف للواقع وللحقيقة, وكيف لا وان جارودي يحاكم في العاصمة الفرنسية باريس لانه قال الحقيقة وقال ان اسطورة الهولوكست اصبحت عقيدة تبرر كل ممارسات اسرائيل في فلسطين, وان العدد الحقيقي لضحايا الهولوكست هو 900.000 وليس ستة ملايين, وامور اخرى كثيرة تكشف اكاذيب واساطير لا اساس لها من الصحة, كل هذا بطبيعة الحال بالادلة والبراهين, فحرية الصحافة والموضوعية في ايامنا هذه وبالنسبة للعديد من المؤسسات الاعلامية اصبحت هي الخضوع للنظام وللقوى ولصاحب المال والجاه والنفوذ. الامر بالنسبة للآلة الصهيونية ليس جديدا ولا غريبا ولا يخرج عما جاء في بروتوكولات حكماء صهيون, لكن الكارثة هو عندما تنتشر هذه الظاهرة وهذا الافلاس وتصبح ايديولوجية معينة وحفنة من الاباطرة واللوبيهات تتحكم في عقل وذاكرة الانسانية. لقد ادركنا زمنا امتزج فيه الحق بالباطل واصبح الظالم هو المظلوم واصبحت الحقيقة خيالا وكذبا. جامعة الامارات قسم الاتصال الجماهيري*

تعليقات

تعليقات