عهد كول يشارف على النهاية: بقلم - عادل محمد حسن

جلس هلموت كول على كرسي المستشارية الالمانية منذ 16 سنة, ولمع نجمه على وجه الخصوص مع انهيار جدار برلين وتوحيد شطري المانيا , واصبح رمزا قوميا عند الغالبية الساحقة من الالمان, ولكن هذا الصعود لنجم كول بدأ بالافوال في السنة الاخيرة ففي الانتخابات الاخيرة التي جرت في سكسونيا السفلى استطاع مرشح الحزب الاشتراكي الالماني غير هارد شرودر ان يحصل على اغلبية الاصوات في الانتخابات المحلية (47.9% مقابل 44.3% في عام 1994) في هذه الولاية وهزم مرشح الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم في المانيا الاتحادية, وتلقى المستشار كول ضربة اخرى موجعة في الاسبوع الماضي عندما صوت البرلمان الاتحادي بأغلبية ستة اصوات ضد اللائحة التي تقدم بها المستشار حول التشريع الخاص بمعالجة الجريمة والعنف المتعاظمين في البلاد, في الوقت الذي كان الحزب الديمقراطي المسيحي الحالكم يتمتع باغلبية عشرة مقاعد في البرلمان الحاكم, وقد صوت ضد اللائحة عدد من نواب حزب الديمقراطيين الاحرار, وهو الحزب الصغير المشارك في الائتلاف الحاكم الذي يقوده كول كماصوت ضد هذ اللائحة اثنان من الوزراء السابقين في حكومة كول وهما هانز ديتريش غينشر (وزير الخارجية السابق) واوتو فون لامبسدروف (وزير الاقتصاد السابق) وبذلك وقفا الى جانب المعارضة وصوت ضد اللائحة ايضا كل من نواب حزب الخضر وحزب الاشتراكية الديمقراطية وهو وريث الحزب الاشتراكي الالماني الموحد الذي حكم المانيا الشرقية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, وتشير آخر استطلاعات الرأي في المانيا الاتحادية الى ان مكانة الحزب الاشتراكي وحزب الخضر قد ارتفعت وبلغت 50% في حين تراجعت مكانة الحزب الديمقراطي المسيحي. ان هذه التطورات الاخيرة دفعت المعارضين والعديد من المحللين في المانيا وخارجها الى الاعتقاد بأن عهد المستشار الالماني هلموت كول يشارف على نهايته وان الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في سبتمبر المقبل ستوجة ضربة الى الحزب الديمقراطي المسيحي الحاكم وتزيحة من دائرة الحكم. ان التحول السلبي في موقف الرأي العام الالماني ازاء الديمقراطيين المسيحيين في الآونة الاخيرة يعود الى عوامل داخلية في الاساس اضافة الى العوامل الخارجية فعلى الرغم من حقيقة ان الناتج القومي الاجمالي في المانيا قد زاد بنسبة 2.2% في عام 1997 وان يبلغ 3% هذا العام, وان الفائض التجاري بلغ مقاييس جديدة اضافة الى تراجع العجز في الحساب الجاري الى النصف في عام 1997, ولكن ادارة كول لم تستطع ان تعالج مشكلة كبيرة وحساسة في المجتمع الالماني ألا وهي مشكلة البطالة فقد بلغت نسبة البطالة 12.6% في العام الماضي حوالي 4.8 ملايين عامل, وبلغت نسبة البطالة في القسم الشرقي من المانيا حوالي 20% وبسبب الاجور المرتفعة, (حيث تجاوز الارتفاع في مستوى الاجور معدلات الانتاجية والتضخم) وزيادة مستوى الضرائب. عمد العديد من اصحاب الرساميل الى وقف التوظيفات في المانيا الاتحادية مما قلص فرص العمل وزاد من معدلات البطالة, وهذا ما ادى الى اتساع موجة الاحتجاجات والاضرابات العمالية في السنة الاخيرة, وفشلت ادارة كول منذ استلامها الحكم في خلق التوازن الضروري بين القطاعين العام والخاص حيث تنعدم السياسة الواضحة ازاء عملية الخصخصة, كما انها ارتكبت اخطاء كبيرة بعد توحيد شطري المانيا بحيث لم تقدر تكاليف النهوض بالقسم الشرقي ولم تقدم الدعم اللازم له لكي يقف على رجليه ويشق طريقه نحو قدر من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. كل هذه العوامل فاقمت بعض المشاكل الاجتماعية التي ادت الى انحسار بعض مؤيدي الحزب الديمقراطي المسيحي والانحياز إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي والاحزاب الصغيرة المعارضة. ان تسلم يسار الوسط السلطة في كبريات الدول الاوروبية اي فرنسا والمملكة المتحدة اثر ايجابيا على مواقع الحزب الاشتراكي الديمقراطي الالماني ان هذا التيار قد جمع بين هدف تأمين المكتسبات الاجتماعية مع نهج اقتصاد السوق وتأمين عملية التنمية والمحافظة على معدلات الزيادة في الناتج القومي الاجمالي, وعلى هذا النهج بدأ الحزب الاشتراكي الديمقراطي اعادة النظر في بعض منطلقاته السابقة, وبرز تيار جديد برجماتي في قيادة الحزب بقيادة غيرهارد شرودر الذي انتخب اخيرا لكي يتزعم الحملة الانتخابية المقبلة للبرلمان حيث يسعى الى قدر من التغيير في المنطلقات السابقة ويتناغم مع منطلقات هذا التيار في كل من فرنسا وبريطانيا ويدعو شرودر الى تقليص النفقات الحكومية وحفظ التناسب بين معدلات الاجور وانتاجية العمل وذلك من اجل الحد من الزيادة في نسبة البطالة. وانطلاقا من هذه الحقيقة فان هناك احتمالاً غير قليل بان يستطيع يسار الوسط ان يهزم الحزب الديمقراطي المسيحي في الانتخابات التي ستجرى في السابع والعشرين من سبتمبر المقبل وفي حالة عدم حصول اي من المتنافسين على الاغلبية التي تؤهله لتشكيل الحكومة يدعو الكثير من رجال السياسة الالمان الى تشكيل حكومة ائتلافية عريضة تضم كلاً من الديمقراطيين المسيحيين والاشتراكيين الديمقراطيين ويعتبر العديد من المواطنين الالمان ان هذا الحل هو الامثل لكي يكون بمستطاع هذا الائتلاف الواسع ان يساعد المانيا على مواجهة المشاكل الداخلية والتحديات الاوروبية والتحديات التي سيطرحها القرن الحادي والعشرين.

تعليقات

تعليقات