ازدواجية المعايير في ثقافة الغرب: بقلم-أ.د. يحيى هاشم حسن فرغل - البيان

ازدواجية المعايير في ثقافة الغرب: بقلم-أ.د. يحيى هاشم حسن فرغل

يكثر الحديث في الميدان السياسي عن ازدواجية المعايير في السياسة الامريكية, والغريب ان البعض منا يتلقى ذلك بنوع من الاستغراب , والانتقاد المأمول بتصحيح الوضع في مستقبل قريب. وذلك في تقديرنا امل كاذب وترقب مخدوع, لا ثمرة منه غير ضياع الوقت, واهدار الجهد في محاولات فاشلة. وفي رأينا ان هذا الاستغراب ناشىء من تمويه يمارسه سماسرة النموذج الحضاري الغربي منذ وقت طويلة قصد توريد النموذج الغربي الينا: بخيره وشره وعجره وبجره فلما خلع العدو قفازه الحريري وكشر لنا عن وجهه القبيح اصيب هؤلاء بارتباك شديد وظلوا يرددون ــ باستغراب ــ ما ظهر على جلدة الاخلاق الغربية من بثور قبيحة: كازدواج المعايير, هي في اصلها مرض باطني اصيل. ذلك ان ازدواج المعايير في الغرب جزء أصيل في الشخصية الغربية نراه واضحا في اصولها ونلمسه في مظاهر غائرة في اعماقها, بل ويقدمه مفكروها في ثوب المباهاة والتفاخر وادعاء التفوق. فمنذ وقت طويل يتحدث المستشرقون عن تفوق العقلية الغربية على العقلية الاسلامية باعتبار الاولى متميزة بالعقلية التركيبية على الثانية المحصورة بزعمهم في نطاق العقلية الاحادية وهم يعرضون ذلك في بحوثهم في سياق الدفاع عن عقيدة التثليث المسيحية امام عقيدة التوحيد الاسلامية فالله واحد ــ هذا معيار ــ وهو نفسه ثلاثة ــ هذا معيار آخر ــ ولكن العقلية التركيبية تسمح عندهم بذلك بينما العقلية الاحادية لا ترى الا ان الله واحد وحدانية مطلقة, وهات يا طعن على العقلية الاسلامية. وازدواجية المعايير التركيبية النفاقية تبدو واضحة في اسلاف لهم كذلك عندما جاءوا الينا في حروبهم الصليبية ليفتحوا لنا طرق المحبة والهداية, وملأوا في نفس الوقت اروقة بيت المقدس بدماء سبعين الفا من قتلى المسلمين, حتى خاض فيها الخائضون الى ما فوق الركب, وهم قد جاءوا اصلا للقضاء على ثقافة (اذهبوا فأنتم الطلقاء) . وازدواجية المعايير تبدو واضحة ايضا في تركيب ثقافتهم من اجزاء من كل من المسيحية والصهيونية والعلمانية والمادية وجدلية الجمع بين النقائض وهي اجزاء تبدو لنا متنافرة نحن اصحاب العقلية الاحادية بينما تتداخل وتستقر في اعماق الثقافة الغربية ذات العقلية التركيبية مزدوجة المعايير. وازدواجية المعايير تبدو واضحة جلية في ثقافة تقوم على عقيدة الصراع وشرعية البقاء للأقوى, مع تبني ما يسمونه حقوق انسان مع ان عقيدة التطور والبقاء للأصلح لا تعترف بشرعية استمرار الضعفاء. وازدواجية المعايير تبدو واضحة في تركيبة الجمع بين الاحتجاج العالمي على فتوى اهدار دم فرد وبين قتل اكثر من عشرة آلاف طفل عراقي شهريا بحرمانهم من الغذاء والدواء. وازدواجية المعايير تبدو واضحة كذلك فيما يروجونه عن انفسهم ــ وتروجه لهم ابواقهم ــ من التزامهم الصدق وتجريمهم للكذب: الكذب في شهادة امام المحكمة, ولكنهم في نفس الواقعة يستخفون بممارسة الكذب على الزوجة مع ما يلابس هذا الكذب من رذائل الخداع والخيانة اليومية, متجاهلين ان الفضيلة بما فيها الصدق ــ وكذلك الرذيلة بما فيها الكذب ــ انما تتربى اصلا يوما بيوم ولحظة بلحظة في مخدع الزوجية, ولكن الثقافة الغربية بما جبلت عليه من ازدواجية اصيلة لا تكاد تحس بشيء من الغرابة لما تمارسه من ذلك. وهم يشتهرون دعائيا بالتزام الصدق في المعاملات التجارية بينما هم يرتكبون جريمة الكذب على الشعوب, كما يرتكبونها على الافراد ــ وعلى سبيل المثال ــ في نسبة الاعمال العلمية الكبرى لغير اصحابها فبعض المشاهير الذين يتحدث العالم عن عبقرياتهم لم يكونوا عباقرة على الاطلاق, وانما اناس عاديون, سرقوا عبقريات غيرهم ونسبوها لأنفسهم, مثل صمويل موريس في عالم الاتصالات, وتوماس اديسون في عالم التسجيلات الصوتية وجراهام بيل في عالم التليفونات (جريدة الخليج في 12/12/1995). وازدواجية المعايير التركيبية النفاقية تبدو واضحة جلية في انحيازهم الديني والسياسي الى الصهيونية اليهودية التي تدمغ مريم رضي الله عنها بالعار ضد المسلمين الذين ينزهونه اشد التنزيه. وازدواجية المعاير التركيبية النفاقية تبدو واضحة في موقفهم الوحشي من الفلسطيني والعراقي حيث تسفح منهم الدماء والاشلاء والكرامات والمشاعر, بينما تهتم دولتهم العظمى بكلبة ــ وفيما بعد بقطة ــ تلد في حجرة الرئيس ويغادر الرئيس حجرته لأيام حتى تلد الكلبة. وهم في نفس الوقت الذي يحتفلون فيه بأميرة هالكة لمحض انها قامت برحلة تتفقد فيها احوال الاطفال في بلد فقير, يقتلون اطفال العالم يوميا بأسلحة الالغام المخبأة بعشرات الملايين تحت اقدام المشاة, ويقتلون اطفال العراق بمنع الادوية عنهم والمجلات الطبية عن اطبائهم, دون ان يرمش لهم جفن. وهم في ثقافتهم التركيبية النفاقية مزدوجة المعايير يجمعون ــ كما يحصيها عليهم احد الكتاب ــ بين مناداتهم بحرية المرأة بينما هم في مستعمراتهم يصادرون حرية الرجل. وبينما هم في قانونهم يحظرون عقوبة الاعدام تراهم يبثون سلامهم ومجدهم المعاصر على قتل اربعين مليونا في الحرب العالمية الثانية ومئات الالوف في هيروشيما وفي يوم واحد, وبينما يحظر قانونهم سرقة ثوب يتجاوزون عن سرقة حقول القطن ومناجم الذهب والحديد والنحاس في العالم الثالث. وبينما يتحدثون ــ او يلتزمون ــ بقواعد الذوق والاتيكيت في الدخول والخروج فانهم يدخلون دون استئذان جنوب العالم الفقير ويخربونه لمدى ثلاثة قرون. وبينما يلتزمون بقواعد النظافة في شوارعهم لا يجدون بأسا في القاء النفايات النووية في العالم الثالث, وازدواجية المعايير تبدو واضحة في استعمال اسلحة الدمار الشامل الثابتة التي يملكونها ويجيشونها, ضد استعمال اسلحة الدمار الشامل الموهومة لدى شعب لا يكاد يجد الغذاء وينددون باستعمال اسلحة الدمار الشامل المستعملة ضد قرية بينما هو قد استعملوها ضد مدينتين كبيرتين, وما زال استعمالهم لها هناك غير معتذر عنه, وهو ما يزال اساس قوتهم واستراتيجيتهم وتكتيكهم وهم الذين امر وزير دفاعهم في عهد الرئيس بوش بوضع الخطط لضرب العراق بالاسلحة النووية التكتيكية وقد اعدت هذه الخطط بالفعل كما اخبر بتلك رئيس أركانهم الجنرال كولن باول في مذكراته. وينددون بامتلاك دولة العراق لاسلحة الدمار الشامل ولا يتجاهلون فحسب امتلاك اسرائيل لها ولكنهم يتجاهلون ايضا انهم هم الذين زودوا العراق بجانب من مكونات هذه الاسلحة كما ذكرت ذلك القناة الرابعة للتلفزيون البريطاني في مارس 1992 وفي الفترة بين 1985 و1989 وهم يعبئون جيوشهم الجوية والبحرية والبرية بما فيها من اسلحة الدمار الشامل من اجل انصياع العراق لقرارات تجريده من اسلحة الدمار الشامل, ويبيتون النية على ضربه ولو استجاب لهذه القرارات ما دام لديه الخبراء الذين يمكنهم انتاج هذه الاسلحة في يوم من الايام, كما صرح بما يفيد ذلك وزير خارجية بريطانيا بقوله (لسنا قلقين مما يملكه العراق حاليا من اسلحة الدمار الشامل, وانما من قدرته المقلقة على تطوير هذه الاسلحة في المستقبل), وهم يعيروننا بالتخلف العلمي والتكنولوجي ــ وابواقهم كذلك ــ حيث نصبح بذلك عبئا على برامجهم في المساعدات الانسانية, ثم يطاردون علماءنا اليوم في انحاء الارض قتلا وتهديدا وهم يزعمون ان عداءهم انما هو للنظم الديكتاتورية بينما هم مصدر الاستمرار والحماية لنظم دكتاتورية اخرى, لمحض انها مستأنسة لا تعرف التمرد ولا تفكر فيه. وهم يزعمون ان عداءهم للنظام وليس للشعب, في نفاقية واضحة يعلمون انه لا يمكن عمليا ـ ولا نظريا ـ الفصل بين النظام والشعب في حالة الضـرب والتدمير, وهم ــ في نفاقية تركيبية ازدواجية واضحة ــ يجمعون بين ادعاء الشجاعة في تصديهم للشرير وبين منتهى الجبن في حشدهم لوسائل حرب الكترونية اتارية دون اية جرأة على اقتحام الحرب البرية, بينما الحرب البرية هي ــ وحدها ــ التي تحقق اهدافهم المعلنة. والقضية في الواقع ليست قضيتهم لانهم وقد ركبت هذه الازدواجية في صميم ثقافتهم برمجوها وفلسفوها واصبحت جزءا من مباهاتهم وهي ان نسبت الى النفاقية ــ وانها لكذلك ــ فهي نوع خاص من النفاق يمكن ان يسمى النفاق المركب, وهو نفاق المرء مع ذاته وليس ــ فحسب ــ مع الآخرين, انه النفاق الذاتي المتأصل في التركيبة العقلية والنفسية والسلوكية الذي نسميه نحن بحق ازدواجية المعايير والذي لا يكادون هم يفهمون من خطابنا عنه شيئا, لانهم برروه سابقا متفاخرين بما يسمى العقلية التركيبية. والقضية ايضا ليست قضيتهم انها قضية الشعب العربي الاسلامي الذي تتلخص قضيته في تخلصه من تبعيته للآخرين ومن ثم استرداد مفقوداته التي فقدها: ذاتا ثقافية, وارادة سياسية, والله اعلم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات