علمانية الهند... ضمان استقرارها: بقلم - عمران سلمان - البيان

علمانية الهند... ضمان استقرارها: بقلم - عمران سلمان

من المفارقات العجيبة في الحياة السياسية الهندية ان الاقليات لا تجد طمأنينتها وراحة بالها الا في سيادة النظام العلماني . فهذا النظام دون غيره هو الذي يوفر للمسيحي والمسلم واتباع الاقليات الدينية الاخرى فرص الحياة الكريمة والحقوق المكفولة. كما يوفر للاغلبية الهندوسية ايضا الحرية الكاملة كي تمارس عباداتها وتقوم على شؤون دينها. وحتى الان ومنذ استقلالها عام 1947 عاشت الهند بفضل نظامها العلماني في استقرار لم تكدر صفوه الاحداث المتعاقبة. لكن هذا الاستقرار اخذ بالتبدد بعد ان اطلت برأسها الاصولية الهندوسية المتمثلة في شخص حزب الشعب الهندي. خاصة ان هؤلاء نجحوا في الفوز في الانتخابات الاخيرة بأكثرية المقاعد في البرلمان. وهم الان يسعون الى تشكيل حكومة من بين اولوياتها, اذا نجحت, تشكيل دولة دينية هندوسية, وربما اقامة المعبد الهندوسي على انقاض مسجد بابري. واول ضحايا هذا النزوع الاصولي سيكونون بالطبع المسلمين والمسيحيين وغيرهم من الاقليات في الهند. اذ سيتقلص هامش حرياتهم وربما يصبحون مواطنين من الدرجة الثانية. من المفارقات ان الكثير من العرب والمسلمين يؤيدون العلمانية في الهند, حين تكون في مصلحة الاقلية المسلمة هناك. لكنهم يعارضونها ويشنون عليها اعتى الحملات في بلد مثل تركيا او في البلدان العربية نفسها. فلماذا هذا التناقض ولماذا هذه الازدواجية والكيل بمكيالين؟ ان العلمانية في الهند مثلما حافظت على المسلمين من بطش المتطرفين الهندوس فهي كذلك حمت الاغلبية الهندوسية من الدخول في حروب دينية طاحنة. وهي كذلك من شأنها ان تحمي كل طائفة, واصحاب كل ديانة من بطش الطوائف واصحاب الديانات الاخرى, اقلية كانوا ام اكثرية. ان التطرف واحد سواء كان هندوسيا او اسلاميا او مسيحيا او يهوديا. ولا سبيل الى نزع فتيله ورد شروره سوى باتباع الطريق العلماني. والهند تعتبر اليوم بكل المقاييس اكبر ديمقراطية في العالم حيث يتعايش فيها كل هؤلاء البشر على اختلاف انتماءاتهم دون مشاكل او ازمات حقيقية. ولم يكن ذلك ممكنا لولا علمانيتها. وفي ظل النظام الهندي لم يتخل المسلمون عن اسلامهم, بل زاد عددهم وقويت شكوتهم كما لم يتخل المسيحي عن مسيحيته, وبالطبع لم يتخل الهندوسي كذلك عن دينه. الفائدة العظيمة التي حققها هؤلاء جميعا هي التعايش والتفاهم في ظل دولة واحدة وعلى ارض واحدة وفي ظل علم واحد. ولولا ضيق المقام لعرضنا للتجربة اللبنانية ونظامها العلماني. فهناك ايضا لم يكن ممكنا جمع كل هذه الطوائف في وطن واحد, والتعايش فيما بينها على قدم المساواة, لولا النظام العلماني. واليوم الذي سيتخلون فيه عن علمانية نظامهم سيعودون الى التناحر والقتال ومحاولة كل طرف ان يفرض نظامه وفهمه وتصوراته على الاخرين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات