أبجديات: بقلم - عائشة ابراهيم سلطان - البيان

أبجديات: بقلم - عائشة ابراهيم سلطان

ماذا يعني المكان لرواده؟ سؤال كبير, والاجابة عليه قد تكون أكبر من مساحة كل جرائد الدنيا! فلندع كل الامكنة التي نرتبط بها بروابط الشجن والاحلام والنسب احيانا, ولنيمم صوب المقاهي التي كثر الحديث عنها هذه الايام بسبب قرار منع الشيشة بعد منتصف الليل . وقد تستغربون اختياري, لكن لا عليكم, فما عاد شيء في هذه الدنيا يثير الاستغراب, لكن: لماذا وصل عدد المقاهي في مدينة صغيرة كدبي الى ثلاثمائة مقهى, تتفاوت في مستوياتها حسب درجة الاسم بين لغات الارض فهو درجة عاشرة اذا كان قهوة, ودرجة ثالثة اذا كان مقهى, ودرجة ثانية اذا كان كوفي شوب, ودرجة أولى اذا كان... كافيه! حتى وان كان الرواد من الدرجة ذاتها, فلا فرق فيها بين متسكع ووكيل وزارة طالما ان كليهما يملكان ثمن المعسل والشيشة وكوب الشاي. اتذكر انني سألت أحد الزملاء: هل توجد انشطة ووظائف اخرى للمقاهي عندنا, غير تقديم الشاي والشيشة, والعاب قتل الوقت؟ فأجاب: لا شيء غير ذلك. يقولون ان نبض القاهرة الشعري والفكري تأسس في المقاهي, وصراعات المذاهب الفكرية والفلسفية في فرنسا تمت تحت اسقف المقاهي, وندوات, ومناظرات, ومناقشة كتب, وقراءات شعرية, وتأليف اجمل الدواوين وروائع القصص كانت كلها تتم بين جنبات المقاهي على امتداد عواصم الدنيا من باريس الى لندن وصولا الى القاهرة, وبيروت وعمان... وغيرها. كان يمكنك ان تجس نبض العواصم العظمى من مقاهيها ذات زمان, وربما في هذا الزمان, فهل نجس اليوم نبض دبي في مقاهيها الثلاثمائة؟؟ رواد المقاهي ذات يوم, كانوا يحسنون الظن بأنفسهم وبالآخرين ممن يضمهم المقهى, وكان المقهى لبعضهم ملاذا حلوا يهربون اليه من اماكن ووجوه ظلوا يهربون منها الى الأبد وبلا فائدة! وكما يهرب طلاب المدارس اليوم الى الكافيتريا المجاور, يهرب الرجال من بيوتهم وعائلاتهم الى مقاهي الداخل والاحياء العتيقة, حيث نكهة الشاي أفضل من أي مكان آخر, وحيث رفاق الفرار يتحلقون حول الطاولات الخشبية, يتبارون في سرد التفاصيل العجيبة, ويدمنون الخداع في لعب الورق. عندما كتب أمجد ناصر, كتابه الشعري الاول (مديح لمقهى آخر) امتدح عالم المقهى وتجلياته, واعتبره عالم الحلم والتمرد, وفسحة الصداقة وراية الولوج الى عوالم الماضي والمقبل, وعلى طاولات هذا المقهى كتب أمجد ديوانه كله, معتبرا ان القصيدة المكتوبة في مقهى تمتلك فضاء اجمل من تلك المكتوبة بين جدران البيت, وهي ذات نسخ اخر تماما, كطعم الشاي, وانفاس الشيشة, وكل شيء غارق في المشاركة والعمومية, المشرعة لفضاء الشارع بكل ايقاعاته واحاديث اناسه وحركتهم اللا متناهية. لماذا تنتشر المقاهي بكثرة في مدينة حلوة صغيرة تعانق الابداع والاستثناء في كل لحظة؟ هكذا هو قدر دبي, ان تصحو كل يوم على قوافل القادمين من اصقاع الدنيا يبحثون عن دفء الامكنة وبريقها واستثناءاتها, ولأن الانسان يحتاج أزلا وأبدا لذاكرة ضعيفة لمكان حميم يلجه ويغادره دون ضجيج, كانت المقاهي هي الذاكرة الاضعف والاجمل من كل الامكنة, ولأن دبي تعرف ذائقة ساكنيها وضيوفها, لذلك تتكاثر مقاهيها اكثرمن أي شيء آخر.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات