هل يفكر العرب؟ بقلم د. خليفة علي السويدي - البيان

هل يفكر العرب؟ بقلم د. خليفة علي السويدي

في مؤتمر التفكير السابع والذي عقد في سنغافورة, وأشرت اليه في المقالة السابقة, وكانت هناك محاضرة عامة مثيرة تحت عنوان (هل بامكان الاسيويين التفكير) ؟ القاها المفكر الفيلسوف كيشور محباني. عمل الفيلسوف في وزارة الخارجية من سنة 1971م , كما عمل في سفارات بلاده في كلومبيا وماليزيا وواشنطن, وسفيرا لسنغافورة في الامم المتحدة. درس د. محباني الفلسفة في جامعة سنغافورة وحصل على الماجستير والدكتوراه في القانون من جامعة دلهوسي في كندا, وكفيلسوف نجح في الاجابة على هذا التساؤل الخطير بثلاثة احتمالات الا وهي: (لا, ونعم, وربما) . وفي اثناء هذه المحاضرة الشائقة كان عقلي متفاعلا مع المحاضر,وحلقت روحي في سماء أمتنا العربية الاسلامية لاطرح نفس السؤال: (هل يفكر العرب؟) , وكانت هناك ثلاث اجابات وثلاثة احتمالات. ولكي لا يتهم القارىء العربي بسلبية عقله سأجتهد في تلخيص محاضرة د. محباني بتصرف على أمل ان تتبع ابصارنا الحروف وبصائرنا الواقع. (لا) لا يفكر الآسيويون في العام 1997م كانت الحضارات الشرقية سواء في الصين او الحضارة العربية الاسلامية هي التي تقود العالم في العلم والطب والفلك, بينما كانت اوروبا تعيش في ظلام حالك. ومع مرور الزمن تراجعت هذه الحضارات واصبحت اوروبا وامريكا هي الاولى على مستوى العالم في جوانب كثيرة كالعلم والاقتصاد والقوة العسكرية حتى دول اوروبا الصغيرة استطاعت ان تستعمر دول اسيا الكبيرة, كاستعمار الانجليز للهند مثلا, وكذلك فعل البرتغاليون والاسبان, فقط اليابان هي التي استطاعت ان تكسر هذا التعميم, لتصبح الدول الاسيوية هي التي تزاحم الغرب في مستوياتهم. ومن هنا نقول لو ان الاسيويين يفكرون لما وصلوا الى هذا المستوى. (نعم) يفكر الآسيويون وعند محاولة الاجابة عن هذا التساؤل بايجابية قال المحاضر: (هناك شواهد كثيرة تفيد قدرة الاسيويين على التفكير فالاقتصاد الياباني وفي بعض دول شرق اسيا الاخرى يتنامى بصورة سريعة ليصل الى المستويات العالمية) . وذكر مثالا على ذلك بقوله: (بينما احتاج الانجليز الى 58 سنة لمضاعفة انتاجهم الاقتصادي لم يتطلب الامر من الصينيين اكثر من 15سنة) . وتزامن هذا النمو الاقتصادي من تفوق الطلبة الاسيويين في التعليم في جامعاتهم وحتى في الجامعات الغربية. ولم تنجح دول اسيا في الوصول الى هذه المستويات خلال تقليدها الاعمى لدول الغرب بل استطاعت بعض هذه الدول في ايجاد اساليبها وطرقها الخاصة بها للتقدم. فلنا هويتنا وتاريخنا الذي نعتز به ولا بد من استثماره فنحن مهد الحضارات. (ربما) يفكر الآسيويون ذكر المحاضر ان تقدم اسيا مازال مربوطا ببعض العقبات التي لا بد من تجاوزها لكي تكون لنا تلك المكانة العلمية التي نستحقها, لقد اتيحت لنا من قبل فرص للتقدم لكننا لم نستثمرها كما ينبغي, ومن هنا كان القول بأهمية تجاوز بعض العقبات والتي من ابرزها: 1 ـ الاستقرار السياسي: قلم تصل العديد من دول اسيا الى تلك المنزلة المطلوبة في المؤسسة السياسية كما هو الحال في اوروبا والولايات المتحدة, فما هي نسبة تفكير الرئيس الامريكي كلينتون في احتمالية قيام انقلاب عسكري عليه؟ وان هناك مؤامرة تجرى في البنتاجون للاطاحة به, ان وجود الوضع السياسي القابل للانهيار في لحظة لن يمكننا من التفكير الصحيح ومن ثم التخطيط المناسب. 2 ـ الحروب: فقد نجحت دول اوروبا في تحويل نسبة قيام حرب بين فرنسا وبريطانيا مثلا, الى درجة الصفر, بينما دول اسيا لانكاد نجد دولة إلا ولها مع جيرانها بعض النزاعات على الحدود وهذا الامر يستهلك العقول والميزانيات ولو اضفنا الى ذلك الحروب الاهلية فان الصورة تصبح داكنة. 3 ـ الفرد: هو النواة الاولى في بناء المجتمع, وبمقدار استثمار الحكومات في الافراد يكون تقدم المجتمعات, لقد مكنت اوروبا وامريكا الفرد من النمو المستمر حسب قدراته دون النظر الى لونه او عائلته, وهذا سر من اسرار التقدم الغربي اليوم, فاحترام الانسان لانه انسان مطلب حضاري, وهذا الامر يؤدي بلا شك الى تفجير طاقات البشر الكامنة, ان مثل هذه الامور وغيرها اذا تجاوزتها اسيا تستطيع ان تستثمر الامكانيات الحضارية والبشرية والاقتصادية المتاحة وعندها نعود للصدارة من جديد ليس من اجل الصراع مع الغرب, بل نحو عالم يعيش فيه الانسان بسعادة, ان الامكانات موجودة ولكنها بحاجة الى استثمار. كان هذا تلخيصا لمحاضرة قيمة في ذلك المؤتمر العالمي للتفكير نقلتها بتصرف للقارىء العربي لكي يشارك في عملية التفكير من اجل مستقبل افضل لهذه الامة العريقة هوية وفكرا,والتي اتاح الله لها الامكانات البشرية والمادية التي هي في حاجة فقط لعملية اعادة تفكير وترتيب لاوراقنا الداخلية وعندها سنقول بان العرب يفكرون. من يقنع الدجاج! لكي لا يمل القارىء الكريم هذا الطرح الفلسفي الذي هو بحاجة الى عملية اجهاد المستويات الراقية من آلية التفكير لدينا أنقل لكم هذه القصة من الادب التربوي العربي: (يحكى ان شابا ابتلي بداء الوهم مما جعله حبيس داره ويخشى من الخروج, هذا الامر كلف اهله الكثير فجلبوا له الاطباء من كل مكان لحل هذه الازمة لديه, واقناعه بانه لن يصيبه مكروه لو خرج من داره, وفي يوم من الايام نجح احد الاطباء في اقناعه بالخروج بعد ان عرف مرضه, لقد كان هذا الشاب يعاني من ازمة نفسية وعقلية مردها قناعة لديه بانه حبة! نعم, لقد كان هذا الانسان يعتبر نفسه حبة قمح او شعير, ويخشى الخروج لكي لا يأكله الدجاج. وعندما نجح الطبيب بعد علاج طويل في اقناعه بانه ليس من الحبوب وانه بشر وافق على الخروج من حبسه الاختياري. فاقام له اهله حفلة في ذلك اليوم وفتحت الابواب وخرج هذا الشاب خارج المنزل وسط فرحة عارمة بين الاهل والاحبة, وما هي الا لحظات حتى عاد الشاب راكضا نحو داره واغلق الباب عليه, وعندما سأله الطبيب: (ألم تقتنع بانك لست من الحبوب؟) قال الشاب: (بلى, أنا لست حبة!) فقال له الطبيب: (اذن لم الخوف من الدجاج؟) فرد المريض: (لقد اقتنعت انا فمن يقنع الدجاج؟!!) وكيل كلية التربية ـ جامعة الامارات *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات