هاجس الأمن وإشكالية الدول العربية الصغيرة: بقلم- الدكتور محمد الرميحي

إشكالية الدول العربية الصغيرة ليست هينة او بسيطة, تتنازعها جاذبية علاقتها التراثية بالجسم العربي من جهة, وينفرها من جهة اخرى التهديد من الدولة المجاورة , خاصة ان كانت هذه الاخيرة ذات نزعة توسعية, يساهم في تعقيد هذه الاشكالية تراث من الفكر العربي الغامض في مقولات التوحد, ونفور من اهل الرأي في مناقشة ما تنطوي عليه المخاوف التي تهيمن على فكر هذه الدولة الصغيرة بالجدية المطلوبة, وفي هذا السياق لفت نظري تصريح الملك حسين الذي ادلى به في الاسبوع الماضي اثناء زيارته لأبوظبي. ولا اعتقد ان تصريحا مثل هذا يمكن ان يمر دون ان ينظر فيه بعمق من خلال منظور علاقة الصغير بالكبير في المحيط العربي, لقد نقل عنه قوله (ان سياسات العراق السلبية كسرت ظهورنا في العالم العربي) ولا اعتقد ان تعبيرا دقيقا يجمل السلبيات التي قادتنا اليها سياسات العراق في السنوات الاخيرة غير (كسر الظهور) واعني بها ظهور العرب اجمعين دون ان نستثني منها ظهور العراقيين, ولكن للتصريح وجها آخر ومهما في آن, هو ازمة الدول الصغرى العربية ــ والاردن واحدة منها ــ من جراء فوضى الاستبداد باسم (القومي) الذي تقول به بعض الدول العربية في علاقاتها البينية مختلفة عن مجاميع مماثلة لدول متقاربة جغرافيا في انحاء اخرى من العالم, فقد نشأ فيها تيار فكري عربي حديث يرى في هذا التقارب الجغرافي نوعا من الحتمية السياسية المستقبلية مسكونة ليس بالتعاون والتقارب وتحقيق المصالح المشتركة كما يجب ان تكون, بل بالوحدة دون نقض وابرام وبالقاء كيان الآخر في سبيل السيطرة, ولان هذا التعاون والتقارب غير محددين ولا واضحين, ولان الوحدة ذات مفاهيم ضبابية على اقل تقدير وملتبسة ايضا, فهي حتى ليست شعبا واحدا في نظامين كما اخذت به الصين, كما انها لا تميز في ادبياتها بين الاختلافات النوعية للأقطار المختلفة, فقد خلط البعض بين التعاون والمصالح المشتركة المبررة والمنطقية, وبين قبول انسحاق الدولة الصغيرة تحت اقدام الدولة العربية الكبيرة المجاورة, مهما كانت هذه الدولة ومهما كانت هناك مغالاة في شكل الممارسة السياسية القمعية فيها, ومن الملاحظ جغرافيا انه لا توجد دولة عربية صغيرة الا وتوجد بجانبها دولة اكبر منها, فاذا قبلنا الانسحاق وبررناه لأي دولة عربية فان هذا التبرير يمكن ان ينطبق على نفس الدولة الساحقة كي تصبح مسحوقة من الدولة المجاورة الاكبر, والانتلجنسيا العربية التي وقع الكثير منها في لجة الوعي الكاذب وهوس الفكر القومي المطلق, وتبرير المنكر كثيرا ما تصفق لهذا الابتلاع مادام ابتلاعا لا يمس بيوتها بالنار المباشرة, ولكنه مرفوض وملعون ان جاء قريبا من وريد الرقبة, لقد كان احد مبررات (القومي) هو الوقوف ضد الآخر, فتحول هذا المبرر حجة لمستند آخر هو فرض الوصاية والاستبداد على الوطن الاصغر المجاور, وفي تصريح الملك حسين اشارة واضحة لما يعانيه الاردن من احتمالات التذويب تارة بحجة الوطن البديل, وتارة اخرى بحجة عدم الحاجة لكيان صغير بين دول كبيرة محبطة وفي كل مرة تغلف هذه الحجة بغلاف (القومية) . لذلك فان تصريح الملك حسين هو تصريح لفت النظر لعلاقة الدول الصغرى العربية بالدول العربية الاكبر منها المجاورة وهي علاقة في حدها الادنى مشكلة حقيقية ولكنها مردومة تحت الكثير من كوم الشعارات, وهذه الاشكالية موجودة في الجانب المشرقي من الجناح العربي ولكنها تكاد ان تكون معدومة في الجانب المغربي ــ عدا بعض الاستثناء ــ لذا فان الدول العربية الصغيرة تحتاج الى ان تؤكد اليوم شكل ونظام العلاقات العربية العربية المقبلة, وهي احترام وسيادة الدولة حتى لا تتعرض لمحنة الاحتلال مثل ما حدث للكويت, او التدخل المبطن في الشأن الداخلي الممزوج قالبا بمفاهيم (الأخوة) الذي أثقل الكاهل العربي لدرجة كسر الظهر الذي اشار اليه الملك حسين, وهو ــ كما قلت ــ امر لابد من تنظيمه على قاعدة انه من المحرمات العربية استباحة الآخر. لقد اطيح بابن بللا في الجزائر بسبب وجهة نظره غير المقبولة ــ من بعض زملائه ــ في هموم الشرق وتخطيه لمصالح بلده, وقامت حرب اهلية في الاردن بسبب التدخلات المباشرة والخلط الذي حدث في مفاهيم الوطن والثورة, وما زال يضمد جراحه على الملح بصوت خفيض من جراء تدخلات اخوية, كما تعاني المجموعات السياسية السودانية صراعات طويلة من جراء علاقات الحب والكره مع جارتها مصر, ويطلب الفلسطينيون تدخل (الاخوة العرب) عندما يقعون في مأزق, ثم يسارعون بالمجاهرة بأنهم الوحيدون المنوط بهم الشأن الفلسطيني ان تدخل احد ضد رغباتهم؟ وهكذا يعاني العرب جميعا من علاقات بينية غير منظمة ومضطربة, ومن قرارات لا يشاركون فيها فعلا. وعلى سبيل المثال فما زال العرب يعانون حتى اليوم من قرارين منفردين هما قرار مصر السادات السلام مع اسرائيل في كامب ديفيد, وقرار عراق صدام حسين الحرب مع ايران في سبتمبر سنة ,1980 وكلاهما اتخذا بشكل منفرد (باسم العرب) ومعظم المشكلات التي تؤرق العرب اليوم نابعة بشكل مباشر او غير مباشر من هاتين القضيتين, وهما قضيتان قام بهما شخصان في دولتين عربيتين اعتقدا ذات لحظة انهما يمثلان العرب جميعا. الدولة العربية الصغيرة اليوم مطالبة بأن تنظر الى موضوع امنها نظرة جدية من داخل الجامعة العربية او من خارجها, وهذا التفكير لا يعني الانسلاخ عن العمل العربي ولكنه تأكيد لمصداقيته وجديته وصحته ومن اجل استدامته ايضا, وفي المقابل علينا ان ندرك انه ليس كل الدول العربية الكبيرة قائمة على حب التوسع والسيطرة, او انها سياسة ثابتة لها لا تتغير, ولنا في القرار المصري بعد حرب اليمن اسوة حسنة, فقد اتخذ المصريون قرارا استراتيجيا واقعيا بألا تحارب القوات المصرية خارج حدودها, لان الدولة العربية هي حقيقة قائمة والتدخل في شؤونها هو امر غير قانوني ولا اخلاقي وغير مبرر, وان حدث فانه الاستثناء القليل وليس الدائم الكثير, ولكن الحقيقة الاخرى التي مازلنا نعيشها وتستهلك طاقتنا وهي حقيقة ان هناك من الدول العربية التي تستمرىء التدخل في شؤون الدولة العربية المجاورة تحت شعارات شتى, وابرزها وأسوأها بالطبع ما يحدث في الخطاب السياسي والاعلام العراقي وهو القفز على صعوبة توحيد الوطن بادعاء (توحيد الخارج) وهذا خطاب ان لم يجتثه العمل العربي بأكثر ما يمكن من الوضوح من علاقاته فسيظل جرحا مفتوحا ينزف كل طاقات الاوطان والشعوب, ويصبح مدخلا شرعيا لقوى خارجية, هي اليوم بعيدة, وقد تكون غدا قريبة. المقدمة غير القصيرة هذه تقودنا الى الحالة غير المرضية التي سارت اليها العلاقة بين بعض دول مجلس التعاون تجاه الموقف من الامن الوطني لهذه الدول الصغيرة, على الاقل الحالة الظاهرة للناس والمتفشية في وسائل الاعلام المختلفة, من بين عوامل هذه العلاقة الظاهرة وغير المنسجمة, الموقف من كل من العراق والولايات المتحدة, فالاخيرة نالت سياستها من النقد الكثير في بعض وسائل الاعلام بما ينسجم مع مصالح دول اخرى ولكنه يتناقض مع مصالح مجلس التعاون, ولا تحتمل هذه الظاهرة الا سببين الأول ان هناك مسايرة غير محمودة لرأي العوام ومحاولة ارضائهم اللفظي والظاهري وهي سياسة خطرة بمعناها ومبناها, حيث ان رأي العوام هذا سوف يدفع ثمنه لاحقا من رأس المال السياسي المرفوع وهو استغلال الوطن, اما التفسير الثاني وهو ان الموقف من تلك الدولة صحيح وبالتالي فان وقوفها مع قضية الامن في الخليج غير صحيح, هذا اللبس في المواقف وتفسيراتها يؤثر تأثيرا مباشرا على قدرة الاصدقاء في اقناع شعوبهم بمد يد المساعدة في المستقبل. أما الموقف من العراق فقد أثار الارتباك في نظر الكثيرين لخلطه الشديد بين النظام العرقي وبين الشعب العراقي, وقد يعتقد البعض ان ما توصلت اليه الامم المتحدة في شكل الاتفاق الاخير بين كوفي عنان والحكومة العراقية هو جهد عربي او به من الجهد العربي القليل ان تواضع القائل, والحقيقة الموضوعية ان كل الجهد دولي قد شارك فيه الكبار فقط, وتجزئة الموقف الخليجي تجاه هذا الموضوع فيه اشارة ضارة بنا سوف يقرؤها النظام العراقي بطريقته الخاصة وقد تزيد من جرأته على محاولة انتهاك امن الجميع في المستقبل. من هنا فاننا لم نكن في حاجة للمصارحة في رابطة الخليج والدول الصغيرة فيه خاصة اكثر من حاجتنا الآن, والا فسيصبح بعضنا كحال لبنان في الازمة الاخيرة بين الامم المتحدة والعراق يقول سياسيوه بملء افواههم ما يتناقض جذريا ومصالح وطنهم خوفا او تزلفا لمصالح سياسية او اقتصادية تعود عليهم كأشخاص بالمنفعة المؤقتة وتعود على اوطانهم بالوبال وأول الضحايا هو الأمن الوطني.

تعليقات

تعليقات