قضايا تصنع المستقبل: انها قضية أمة وليست قضية رجل: بقلم- رجاء جارودي

مهما كان اضطهاد الفكر الحر والرأي المستقل اضطهادا مخزيا للذين يمارسونه فان الاهم منه والآقسى اضطهاد شعب والجور على امة, فانا لست في النهاية الا مفكرا تمتع بحقه المشروع في اجراء بحث تاريخي علمي مصحوب بدراسة لسياسة اسرائيل العدوانية وناله ما ناله من العسف واسكات الصوت ومحاولة الخنق, لكن الأهم هو انني اصبحت رمزا لتناقض الغرب المتشدق. بالحرية التناقض بين المبادىء المعلنة والممارسات الحقيقية, ورمزا كذلك لازدواحية معايير الديمقراطية فان كل مواطن في فرنسا واوروبا يمكنه ان يشك في وجود الله سبحانه او في الرسالات السماوية الاخرى لكن الويل كل الويل لمن يشكك في اساطير السياسة الاسرائيلية التي تروج لها منذ خمسين عاما لتبرر عدوانها على شعب فلسطين. ان صدور الحكم يوم 27 فبراير الماضي امام الدائرة السابعة عشرة في محكمة باريس يؤكد ان القضية ليست فقط قضية رجاء جارودي, انها قضية شعب فلسطين والامة الاسلامية, ولذلك تعاطف معها العرب والمسلمون في شبه اجماع انطلق من دول الخليج الكريمة الحرة المناصرة لكل مضطهد وبفضل حماس ووفاء صديق عربي مفكر وحوله زمرة من المثقفين المتميزين, ثم وصل التضامن الى اوساط شعبية مثل مظاهرة غزة والى اوساط رسمية مثل تصريحات وزير الاوقاف ووزير الثقافة في مصر والى اوساط مهنية مثل اتحادات المحامين والحقوقيين والكتاب في العالم العربي بأسره والى اوساط علمية اسلامية مثل تدخلات فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي وفضيلة المفتي العام لسوريا الشيخ احمد كفتارو والى اوساط جائزة نوبل مثل الصديق الكريم نجيب محفوظ ثم ومسك الختام الرئيس الايراني محمد خاتمي الذي اعتز كثيرا بما صرح به نحوي من عواطف التضامن الصادق. حقيقة انها قضية شعب وقضية امة, وهكذا اشارت احدى كبريات الصحف الفرنسية انه لاول مرة في تاريخ العرب الحديث تلتف كل شرائح الشعب العربي حول قضية رجل تصدى للطاغوت الاسرائيلي والصفاقة الامريكية بكتاب وموقف, وبدأ الشارع الاوروبي والغربي يشعر من خلال هذا المد التضامني العربي ان الفتور العربي مضى وانقضى وجاء اوان العمل طويل النفس حتى نحقق حضورنا في معابر الرأي العام الغربي ولدى اصحاب القرار وصناع المستقبل, فالغرب ليس كله عدواني او عنصري او مناهض للعرب او متنكر لقضايانا العادلة انما نحن الذين لم نعرف مخاطبته ولم نثبت اقدامنا في اعلامه ومؤسسات نشره وقنواته الفضائية في حين ان قوانين الدول الغربية الديمقراطية تسمح بتواجد ادبيات عربية واسلامية معتدلة ومحترمة لدساتير تلك البلدان تتولى الدفاع عن حضارة العرب والاسلام والذود عن مصالح العرب والمسلمين وترد هجمات الهمجية الصهيونية والعنصرية و(الكزينوفوبية) اي الخائفة من الاجنبي بدون حجة او سبب هذه هي المعركة الحقيقية وطويلة النفس التي يجب على التضامن العربي والاسلامي حول محاكمتي ان يستمر في خوضها غدا وبعد غد وبعد ما تهدأ قضيتي او محنتي الشخصية التي تعتبر محدودة وظرفية فالاهم من مسألتي الذاتية هو ان نواصل الحضور المكثف في الاعلام الاوروبي والامريكي وان نبعث جمعيات لحقوق البحث العلمي وحرياته الاسلامية وان ننشر كتبنا المنوعة التي تصدح بالحق وان نبث عبر قنواتنا الفضائية بلسان الغرب ونخاطب رأيه العام ونجادله بالتي هي احسن كما امرنا القرآن الكريم. ان ما يثلج الصدر هو ان يتداعى الجسد العربي المسلم بالسهر والحمى عندما اشتكى منه عضو وان يتجاوب العالم العربي والامة الاسلامية بهذه القوة وهذا الصمود فقد شعر الرأي العام الاوروبي لاول مرة ان هناك عملاقا كان نائما او كان موثوقا واعلمني صديقي د.القديدي ان صفحات الانترنت التي وضعتها لجنة مناصرتي القطرية في هذه الشبكة تلقت 1481 رسالة تأييد من كل ارجاء العالم في ظرف ثلاثة ايام ومؤشر على ان قضيتنا عادلة وانه يوجد من بين المساندين يهود احرار يرفضون التطرف الاسرائىلي ويرفضون ـ مثل العرب والمسيحيين ــ ان يقع تكميم الافواه في بلد الحريات. ثم ان ماوقع يوم صدور الحكم 27 فبراير 98 من ممارسات همجية عنيفة ضد الاعلاميين العرب والمسلمين ارتكبها اعضاء ميليشيات (البيطار) تلك المنظمة شبه العسكرية التابعة للصهيونية ما وقع اكد للراى العام الفرنسي والاوروبي ان الارهاب هو في الجانب الصهيوني وان الاعتدال والانضباط والتعقل في الجانب العربي والمسلم, ذلك يعد انقلابا في المفاهيم وقد ربحناه وظفناه لصالح قضايانا وشرعنا في رفع دعاوينا العدلية امام القضاء الفرنسي ليأخذ حقنا من هذه العصابات المتهورة المسعورة وجاء تصريح وكيل وزارة الخارجية الفرنسية في هذا الصدد واضحا جليا معتذرا للحكومات العربية وحكومة ايران عما حدث واعدا بتعقب المجرمين. جريدة (لوفيجحارو) في عددها الصادر يوم الجمعة 6 فبراير 1998*

تعليقات

تعليقات