أبجديات: بقلم - عائشة إبراهيم سلطان - البيان

أبجديات: بقلم - عائشة إبراهيم سلطان

من كل ما درسناه في كتب السياسة ومحاضراتها, يوم كنا طلابا في هذا القسم, أتذكر قولين, أظن أن بقدر ما بينهما من تناقض فهما يرتبطان معا ليعوضا هذا الخلل , القول الأول هو تعريف السياسة المتداول دائما بأنها (فن الممكن) والثاني هو قول الفيلسوف القديم جدا شيشرون: (يظل الرجل صالحاً ونظيفا حتى يدخل السياسة, فإذا دخلها صار أشد الناس قذارة في هذا العالم!). وحين أفكر فيما قاله شيشرون, وفيما يقال دائما عن أن السياسة هي فن الممكن, أتساءل: ما هو الممكن في السياسة؟ وما هو اللا ممكن؟ أظن أن كل شيء ممكن في السياسة, بدءاً بفبركة مسرحيات السلام وانتهاء بملء فراغات الكرة الأرضية بكافة أنواع أسلحة الدمار والموت, ولذلك فإذا أراد اللاعب فيها أن يكون حاذقا فعليه أن يتخلى عن كل خاطر للوقوف عند حدود الانسانية والأخلاق وخرافة الضمير والحقوق .. إلخ, ولذلك لاتصلح السياسة للصالحين من الرجال, هذا إذا كانوا موجودين بالفعل! فقد حفظت ذاكرتي قولاً التقطته منذ زمن: بأن هناك رجلين صالحين في هذه الدنيا, أحدهما مات, والآخر لم يولد بعد! يومها ضحكت لمرارة السخرية من هذا القول, ولم أصل إلى عمق الحكمة فيه إلا بعد عمر طويل. اليوم, وفي السياسة تحديداً, يصبح القول أقرب إلى الحكمة الراسخة, ففي دنيا السياسة كل براق ملوث في أعماقه, وكل جميل هو قناع أو وجه أجريت له عمليات ترميم وتجميل لملايين المرات, ولهذا يكره البسطاء السياسة, وإن تورطوا فيها, فانما على حسب الضرورات وما يقتضيه واقع الحال كما يقولون, بينما يصر أساطين الإعلام وعمالقة السياسة على حقن هؤلاء البسطاء بهذا المخدر المعروف بالسياسة صباح مساء عبر الورق وموجات الأثير والأقمار الصناعية, فقط ليقنعوهم بأن التعايش مع فن السياسة ممكن جدا لأنها بحد ذاتها فن الممكن, بينما يصر البسطاء على أن ذلك غير ممكن أبداً. أكثر الناس - وأنا منهم - يتساءلون عن السر في أن أغلب صفحات الجرائد مخصصة للسياسة بكل تفصيلاتها وتفريعاتها وجهاتها الأصلية والفرعية, في حين أن آخر ما يقرؤه الناس في الجرائد هو السياسة! عن نفسي أحب قراءة الإعلانات أكثر من أخبار السياسة, وهكذا بقية الناس, تحب أن تقرأ عن السينما وآخر الأفلام, وأخبار الأسهم وآخر أخبار ديانا وعروض الأزياء, والمتفرقات الخفيفة, على أن تتخم عقلها, و(تغم) نفسها بأخبار السياسة, ولو حدث أن اقتنع أصحاب الصحف بتوجهات القراء, لتقلص ورق الجرائد إلى النصف ولارتاح الناس, ووحدهم السياسيون لن يرتاحوا طبعاً. السبب ان السياسيين والإعلاميين صاروا على قناعة تامة بأن المواطن البسيط يقتات السياسة, افطارا وغداء وعشاءً, وكأنه لاتكفيه القنوات الفضائية وخاصة الإخبارية منها على نمط تلفزيون الجزيرة, فهي ومن معها تنضح بالسياسة والسياسيين, فإذا قررت أن تغير القناة أو الصحيفة خريطة برامجها, قامت بزيادة مساحة اللقاءات والمناقشات والصفحات السياسية المتخصصة! لقد تحول السياسيون الى مجرد وجوه وأصوات مسافرة في آلامنا وجراحنا بإدمان متواصل, وبابتسامات مستفزة بلهاء, صاروا يعبثون بأعصابنا على مدار الساعة, ويخططون لاغتيال أحلامنا على امتداد الثواني, وأظن أن هذا هو الممكن الوحيد في السياسة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات