مستقبل الإعلام السياسي من خلال (إنترنت) في المنطقة العربية 1-2 بقلم- د. مصطفى المصمودي

لقد كتب الكثير منذ ربع قرن حول التأثير المتنامي للاعلام, اذ تعددت وسائل الاتصال الجماهيري واكتسحت فضاء واسعا في مختلف المستويات حتى اصبحت أقوى فاعل في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والانسانية على العموم. ولعل أكبر مستفيد من هذا التوسع هو الاعلام السياسي في مختلف اشكاله وعناوينه حتى أصبح هذا الموضوع محل تنظير وبحوث . وقد اختلف منذ البداية رواد علوم الاعلام السياسي في تحديد نوعية العلاقة بين السياسة والاعلام, فرأى بعضهم ان العمل السياسي والعمل الاعلامي يشكلان مجالين متميزين, ورأى البعض الاخر انه لا يمكن الفصل بين هذين النشاطين باعتبار أهمية الوظيفة الاعلامية في التبليغ وفي اشراك المواطنين في الحياة السياسية وفي ربط قنوات الاتصال بين التشكيلات المتآلفة او المتعارضة وفي تعبئة الجماهير قبل الحسم في كل اختيار. فأضحى الجمهور مرتبطا بما يقرأه في الصحافة ويشاهده على الشاشة او يسمعه في الاذاعة, لذلك فانه لا تكتمل الحياة السياسية في الدولة العصرية الا بالاعلام الغزير والحوار الدائم بين المواطنين ومختلف اجهزة الحكم. وهذا العمل الاعلامي الذي يطلق عليه صفة الاعلام السياسي يتصل خاصة باهتماماته الدولة ونشاط الحكومة والبرلمان والادارة المركزية او المحلية والاحزاب السياسية والجمعيات. وللاعلام السياسي في النظام التعددي أهداف كثيرة, منها دعم الديمقراطية وخدمة التنمية السياسية وتكريس الحقوق الانسانية, ولئن كان هذا الاعلام يتصل بنشاط مشترك فهو يختلف في مستوى الممارسة, ومن قطاع الى آخر, ذلك انه بالامكان التمييز بين الاعلام الحكومي والاعلامي النيابي والاعلام الحزبي. فلكل من هذه الانشطة خصائصها ومناهج معينة لممارستها. كما ان وسائل الاتصال السياسي تتفرع الى أربعة اصناف وهي العلاقات الشخصية والقنوات المؤسساتية والقنوات الحزبية والاجهزة الصحفية بمختلف الانواع. وقد تقدم البحث العلمي في مجالات الاتصال السياسي وظهرت آليات جديدة لقياس مدى تأثير الرسائل الاعلامية والاعلانية في الاذهان وتأكدت صحة نتائج التحقيقات واستطلاعات الرأي. فأفضى كل ذلك الى برامج متكاملة ومتلائمة مع حاجة المجموعات في معالجة مختلف الاشكاليات الاجتماعية المتأصلة التي عجزت اجهزة الادارة عن معالجتها بالوسائل التقليدية التي عرفها الانسان. وتدل كل المؤشرات ان العمل الاعلامي في المجال السياسي سوف يزداد أهمية على مر الايام وسوف يكون المستفيد الاول من قنوات الاتصال التفاعلية العريضة التي ستجسم في مجتمع المعلومات, وفي هذا المجتمع ستكون شبكات الاتصال هي جهاز الوصل مع المواطن واداة التفاعل والتحاور والحافز على الخلق والابتكار. وسنحاول فيما يلي استجلاء الترابط والتكامل بين مختلف هذه الاعتبارات وذلك بتناول الموضوع من الزوايا التالية: - الاعلام السياسي في القرن العشرين - النشاط السياسي في المجتمع الاعلامي - دور القطاع العمومي في مجالات الاعلام 1 ـ الاعلام السياسي في القرن العشرين لقد ورد في دراسة لرئيس مجلس الوزراء الفرنسي الراحل ادجار فور, قبيل انهيار النظام الشيوعي, ان الاحزاب السياسية الكبرى سوف تتخلى شيئا فشيئا عن ميزاتها الايديولوجية لتتشابه اكثر فأكثر مع بعضها من حيث البرامج والاختيارات السياسية, الى درجة انها لن تختلف مستقبلا عن الفرق الرياضية من حيث التصور والتنظيم, وبقدر ما يقل التزامها بالمبادىء التي كانت منشأ وجودها وتحركها سيتضاعف تفاعلها مع اجهزة الاعلام لضمان التجاوب مع جمهورها وكسب مساندته لها في الحملات الانتخابية الانتخابية ومختلف الاستشارات. وفعلا فقد شاهدنا سطوع نجم بعض الرياضيين او رجال الاعمال الذين احتلوا الصدارة السياسية بالاعتماد المطلق على وسائل الاعلام والاتصال, غير ان ذلك لم يدم طويلا لانعدام توفر بقية مقومات العمل السياسي ومن اهمها التشكيلات الجمعياتية المدعمة لهذه النشاط. وقد سعى عدد من المنظرين الى التعمق في بحث هذه الظاهرة فحلل الفان تفلر في كتابه (تحول القوة) مفهوم النفوذ والسلطان فبين ان القوة تستمد من القدرة على الردع او بامتلاك الثروة او من اكتساب المعرفة, وتكون القوة في اقصاها والسلطان في عنفوانه عند اقتران هذه العناصر الثلاثة. فالردع في نظر تفلر يتمثل في آليات العقاب اللازمة لفرض احترام القانون والثروة هي المصدر الثاني للقوة وهي اكثر تأثيرا من الردع لأنها تكتسي مظاهر ايجابية تتمثل في المكافأة والجزاء, اما المعرفة المتأتية من الاعلام والمعلومات فهي المصدر الثالث للقوة وهي اداة حاسمة لمضاعفة القوتين الاولى والثانية وتجعل الفرد قادرا على بلوغ المقصود ببذل اقل ما يمكن من الجهد. وهذا التصور يبرز مدى اتساع مكانة الاعلام في تصريف شؤون الدولة وترسيخ بناء المجتمع المدني كما هو يؤكد صحة نظرية الباحث النرويجي جالتون الذي قارن وضع الاعلام بالامس مع وضعه اليوم فاستنتج ان الاعلام الذي كان بمثابة السلطة الرابعة بعد السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية, احتل مكانة اوسع الى جانب القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهو في توسع متواصل لا نهاية له. وبطبيعة الحال فان اهمية الاعلام السياسي لا تزال في تصاعد بقدر تطور وسائل الاتصال وانتشار اصدائها وستصبح هذه القوة اكثر تأثيرا في العلاقات الدولية بفضل الاختراعات الحديثة والابتكارات التكنولوجية الضخمة التي تمكن من بث المعلومات وابلاغها بصورة مباشرة وسريعة الى مختلف المناطق والقارات. وفي كل عملية اعلام وفي كافة مستويات وانواع الاتصال توجد خمسة عناصر وهي المصدر والمرسل والموزع والمستقبل والمستهلك. وبصورة عامة فانه يتعين على مصدر الخطاب إن هو اراد ضمان القبول والفاعلية لما يرسله الا يكتفي بابلاغه الى الجمهور العريض عن طريق مختلف وسائل الاعلام, بل عليه ايضا ان يستند في سعيه على قادة الرأي المتآلفين حوله والمدعمين لنشاطه وان يخصهم بمجهود اتصالي اضافي حتى يساعدوا بدورهم في ترويج الخطاب داخل المجموعات التي ينتمون اليها او يتحركون في اطارها. ذلك ان تبنى الافكار والالتزام بها والعمل من اجل تغيير السلوك المطلوب يمر بخمس مراحل على الاقل وهذه المراحل هي: ـ الوعي والالمام بالخبر. ـ الاهتمام بالمضمون. ـ التقدير والتقييم لصحة المعلومة. ــ التعرف على تجارب قادة الرأي. ـ التبني الجماعي للرسالة والعمل بمقتضاها على اوسع نطاق. ولذلك فان الاعلام السياسي الناجع هو الاتصال الذي تم تصميمه وتحديد برامجه حسب ما يلائمه من متطلبات الوضع والتوقيت والمناخ والمكان واعتبارا الخصوصيات الجمهورية المقصود ولابد من التأكيد في هذا المجال على اهمية الاستمرارية في العملية الاتصالية مع استعمال تقنيات متجاوبة مع الحاجة ووسائل مختلفة ومتكاملة حتى تبلغ الرسالة الى مختلف الشرائح المعنية ويكون التأثير المطلوب والاقتناع بتغيير التوجه الفكري والسلوك, وقد تعددت هذه الوسائل واصبحت التقنيات الحديثة تساعد في تحقيق هذه الاهداف الى ابعد الحدود ولعل شبكة انترنت وماشابهها من شبكات تفاعلية وعريضة هي التي تتوفر فيها كل الشروط المطلوبة.

تعليقات

تعليقات