المناورة الإسرائيلية في نسختها اللبنانية: بقلم- د. رياض أبوملحم

اكثر ما يثير الاستغراب في الطرح الاسرائيلي المتعلق بالانسحاب من جنوب لبنان, ليس اقترانه بالاعتراف بقرار مجلس الامن الدولي رقم 425 الذي ينص على انسحاب اسرائيلي فوري وغير مشروط ـ وهو امر يحيط به الكثير من الشكوك وعلامات الاستفهام ــ وانما الالحاح الشديد الذي يميزه ويسرع حركته الى حد توسل وساطة فرنسية عاجلة لدفعه الى الامام ! يمكن اعتبار الرغبة الاسرائيلية الاجماعية في الخروج من الآتون اللبناني, تحت تأثير الخسائر البشرية اليومية التي تصيب قوات الاحتلال بفعل الضربات الموجهة للمقاومة الوطنية اللبنانية, احد الدوافع الكامنة وراء توجه حكومة بنيامين نتانياهو وحركتها المرتبكة. لكن المبالغة في التركيز على هذا الاحتمال قد تؤدي الى عدم رؤية جوانب اخرى من الموضوع لا تقل اهمية عن العامل الاول في حساب المواقف السياسية, خصوصا وان السياسات التي تعتمدها حكومة نتانياهو تتكون من مجموعة من المناورات والالاعيب والتخبطات, الامر الذي يفقدها كل مصداقية, داخليا وخارجيا, وعلى جميع المستويات. لابد من التأكيد اولا على ان الحركة الاسرائيلية الراهنة تنطوي على عدد من التناقضات البارزة ما يجعلها عرضة للطعن من الاتجاهات والاطراف كافة. ولهذا ينظر اليها على انها مجرد مناورة سياسية ترمي الى تخريب ما تبقى من عملية التسوية السلمية عن طريق خلط الاوراق مجددا ثم اعادة ترتيبها وفقا لتصورات الحكومة الاسرائيلية وبما يطابق حساباتها. اول التناقضات التي يمكن تسجيلها يكمن في القاعدة التي بنت عليها حكومة نتانياهو مناورتها, او مبادرتها في اتجاه لبنان, وهو قرار مجلس الامن 425. فالقرار المذكور لا يتضمن اي شروط تتعلق بالانسحاب, بينما تطلب اسرائيل اجراء مفاوضات حول الانسحاب وتطرح مجموعة من الشروط والضمانات التي ترفضها الحكومة اللبنانية جملة وتفصيلا. وعلى ذلك يصبح الموقف على النحو التالي: اما ان اسرائيل تريد تنفيذ القرار ,425 بنصه المحدد الواضح, وهو امر يتعلق بها وحدها, واما انها تريد مفاوضات للوصول الى اتفاق جديد على غرار اتفاق مايوم 1983 المعروف الذي اسقطته القوى الوطنية اللبنانية, ولو في صيغة اخرى مختلفة, كما تشير مصادرها الرسمية. التناقض الرئيسي الثاني يبرز من خلال التركيز الاسرائيلي على العلاقة اللبنانية السورية وما تصفه اسرائيل بالنفوذ السوري في لبنان. وفي هذا الاطار تنصب معظم الاقتراحات الاسرائيلية المتعلقة بلبنان, على فك التلاحم القائم بين البلدين, سواء عبر شعارات جذابة مثل (لبنان اولا) , او عبر التوجه الى القيادة السورية مباشرة باعلان (التسليم الاسرائيلي بالنفوذ السوري في لبنان) , وابداء الاستعداد للدخول في مفاوضات مع دمشق على هذا الاساس ولهذه الغاية, وهو عرض يتسم بالرغبة الواضحة في المساومة, ولكن على امر آخر غير الانسحاب من مرتفعات الجولان السورية المحتلة. وفي حين يشير المسؤولون الاسرائيليون في تحليلاتهم الى ان سوريا اكثر المستفيدين من المأزق الاسرائيلي في جنوب لبنان وابرز الداعمين لاستمراره بهدف جر اسرائيل الى مفاوضات مبكرة حول الانسحاب من الجولان, فانهم لا يترددون في التلويح للحكومة السورية بافساح دور لها في اي ترتيبات امنية على الحدود اللبنانية اذا قررت الحكومة الاسرائيلية الانسحاب من الجنوب اللبناني. وفضلا عن ان المسؤولين السوريين يدركون حقيقة الفخ الذي تنصبه اسرائيل لكل من لبنان وسوريا في آن معا, فهم يتساءلون باستغراب عن (الاغراء) الذي تشكله العروض الاسرائيلية, واقل ما يمكن ان يقال فيها انها توكل الى سوريا مهمة حماية حدود اسرائيل الشمالية عبر جنوب لبنان, بالاضافة الى بقاء الاحتلال الاسرائيلي في مرتفعات الجولان؟! وردا على هذه المناورات يؤكد المسؤولون السوريون ان الطريق الوحيد الذي ينبغي على الحكومة الاسرائيلية ان تسلكه هو استئناف المفاوضات مع دمشق من النقطة التي انتهت عندها المفاوضات السورية ــ الاسرائيلية خلال عهد حكومة رابين ــ بيريز واستنادا الى مبادىء التسوية السلمية المنبثقة عن مؤتمر مدريد. ويرى السوريون ان كل محاولة اخرى تقوم بها الحكومة الاسرائيلية لن تحقق اي نتيجة, بل ستؤدي الى ابقاء المنطقة كلها على حافة الانفجار. النقطة الثالثة في سلسلة التناقضات الاسرائيلية تتمثل في محاولة ادخال فرنسا طرفا رئيسيا في الموضوع, وذلك من خلال اعتبارها وسيطا محايدا وقادرا على ان يلعب دورا توفيقيا بحكم علاقتها الجيدة بكل من لبنان وسوريا. ولأن هذا الموقف يتناقض تماما مع المحاولات الاسرائيلية الدائمة لعرقلة الوساطة الفرنسية ــ الاوروبية ولتقليص الدور السياسي الاوروبي في العملية السلمية في صورة عامة, يصبح التساؤل ضروريا حول الأهداف الاسرائيلية الجديدة, خصوصا وانها ترتدي طابعا رسميا بعد زيارة وزير الدفاع الاسرائيلي لباريس, فكيف ترفض اسرائيل الدور الفرنسي من جهة, بينما تتوسله لحل مشكلتها في لبنان من جهة ثانية؟! يرى بعض المراقبين ان الهدف من التوجه الاسرائيلي نحو فرنسا هو محاولة صرف الاهتمام الفرنسي عن أهدافه الاساسية باعتبار ان الحكومة الفرنسية تريد حلا شاملا للصراع العربي - الاسرائيلي وتعمل على تحريك جميع المسارات, كما تعتبر باريس ان كل محاولة لفصل موضوع الانسحاب من جنوب لبنان عن الانسحاب من مرتفعات الجولان السورية المحتلة تعقد المشكلة بدلاً من ان تساعد على حلها. وفيما يتعلق بتنفيذ قرار مجلس الأمن 425 ترى الحكومة الفرنسية ان الشروط الاسرائيلية التي ترافق الحديث عن القرار, وهي غير موجودة في النص, تجعل من الصعب توقع تنفيذه في امد قريب. أما بالنسبة للعرض الفرنسي السابق بالمشاركة في أي ترتيبات أمنية في جنوب لبنان اذا ما انسحبت القوات الاسرائيلية, فهو مرهون بتحقيق تسوية شاملة ترضى عنها الأطراف المعنية كافة, وفي هذه الحالة لن تقتصر المشاركة الفرنسية على جنوب لبنان انما ستشمل ايضا هضبة الجولان, ودائما في اطار حل شامل متفق عليه. وبناء على ذلك لاتبدي المصادر الفرنسية ارتياحا للتحرك الاسرائيلي في اتجاه باريس وتصنفه في باب المناورات السياسية. النقطة الرابعة في السياق نفسه تبرز من خلال المفارقة المتعلقة بتوقف العملية السلمية على المسار الفلسطيني نتيجة للعقبات التي تضعها اسرائيل بتعمد واضح, بينما تتحول الحكومة الاسرائيلية نحو لبنان, ويستنتج المراقبون من ذلك ان حكومة بنيامين نتانياهو لاتريد حلا على أي من المسارات, بل تريد بدلا من ذلك الإجهاز على العملية السلمية, أما إقحام فرنسا في هذه العملية فربما يكون القصد منه ازعاج الولايات المتحدة التي تفضل التركيز على المسار الفلسطيني في الوقت الحاضر, وهو ما يتعارض مع السياسة الاسرائيلية الرامية الى تكريس الأمر الواقع في المناطق الفلسطينية المحتلة, وبالتالي وضع نهاية لاتفاق أوسلو, كما هو الحال بالنسبة لمؤتمر مدريد ومبادئه وموجباته. بيد ان بعض المراقبين لايسقطون من حساباتهم ان يكون من بين اهداف المناورة الاسرائيلية الحالية الضغط على الموقف الفلسطيني للحصول على المزيد من التنازلات الفلسطينية, وهو ما تحاول الادارة الامريكية ان تفعله, ولكن في اسلوب آخر. وهكذا فان حكومة نتانياهو تحاول تهديم كل شيء دفعة واحدة, من خلال مناوراتها المتواصلة, وآخرها مناورة الانسحاب من جنوب لبنان, وهي تبني حساباتها على انها لن تخسر شيئًا من جراء ذلك, فاذا نجحت محاولتها (في اتجاه لبنان) تكون قد اوقفت نزيف الدم بين قواتها, وهو الذي يحرك المعارضة الاسرائيلية في الداخل, وان فشلت تضع المسؤولية على الحكومتين اللبنانية والسورية بذريعة رفضهما تسهيل انسحابها من المناطق اللبنانية المحتلة. وفي جميع الاحوال يظل زمام المبادرة في يدها. كاتب لبناني مقيم في باريس*

تعليقات

تعليقات