وداع العروبة... أم عروبة إلى الأبد؟ - بقلم: حازم صاغية

أكثر المطالب خطرا الدعوة الى الانخراط في (الحروب القومية) وكان غزو الكويت أوضح هذه الدعوات قادة الانفصال في سوريا سموا أنفسهم وحدويين والشيء ذاته يقوله جنوبيو اليمن فلسطينيو أراضي السلطة الفلسطينية يسمون رجال منظمة التحرير الفلسطينية الذين حكموهم بــ (التوانسة) لايكتمل موت الميت مالم يرفق بإعلانه وإشهاره! منذ سنوات لم يعد المرء يسمع بـ (الوحدة العربية) فمن مات مات ومن فات فات, بحسب الخطبة الجاهلية الشهيرة! هكذا اذن, غدا الشعار الذي لطالما تصدر اعمال الاحزاب ونشاطات الدعاة, وباسمه حدثت الانقلابات العسكرية, وخوفا منه تشكلت الاحلاف بين الدول, نسيا منسيا. هذا ليس صحيحا تماما فلأن الميت لم يودع ولم يؤبن فهذا مايوحي ان الموت لايزال ناقصا او ان اهل الفقيد ربما كانوا لايزالون ينتظرون انبعاثا ما فلا يتقبلون التعازي بفقيدهم وانهم من ثم لايطوون هذه الصفحة. ليتعاملوا تعاملا جديدا وواقعيا مع الواقع والدليل الاخر على عدم اكتمال الموت, ان الوحدة لاتزال تطل برأسها من خلال تعابير كاشفة كـ (الوطن العربي) و (الامة العربية) يتعاطى الجميع معها كأنها مسلمة وتحصيل حاصل. وكثيرا ما نسمع عن سياسيين يبنون بلدانا ومجتمعات او يفترض انهم يفعلون ثم يسمون بلدانهم (اقطارا) . وبهذا يلوح كأننا نهدم بيد ما نبنيه باليد الاخرى فننفق على التعليم والتنمية في البلد المذكور ثم نطور (ثقافة) ترى في المقابل اننا ننفق على (قطر) هو مجرد مرحلة زائلة على طريق (الامة) و (الوطن) العربيين! وعدم اكتمال الموت او عدم الاعتراف به يتجلي كذلك في مطالبات يرفعها المثقفون وقلة من السياسيين مرة بــ (الوحدة الثقافية) واخرى بــ (التعاون الاقتصادي وصولا الى الوحدة) وما الى ذلك من رغبات افلتت نزعتها الرغبوية من عقالها. واكثر هذه المطالب خطرا وابعدها كلفة, الدعوة الى الانخراط في (الحروب القومية) التي لاتراعي بتاتا واقع الدول والسيادات والحدود الدولية والاجماعات التي تستند اليها حياة الجامعات السياسية واستمرارها. وقد كان غزو الكويت افصح هذه الدعوات. ويتجسد من ناحية اخرى استمرار الظاهرة نفسها في ان الجميع متعاهدون على رفض تسميتهم خصوصا للوحدة, او مشككين بها, او انفصاليين عنها. فحين يوصف اي كان بأي من هذه النعوت يندرج الكلام لا في خانة التعيين الحيادي للناس والاشياء, بل في ادبيات الهجاء السياسي العربية. فـ (انفصاليو) سورية الذين كسبوا استقلال بلادهم ثانية بفك وحدتها مع مصر في ,1961 سماهم خصومهم انفصاليين لكنهم, هم انفسهم لم يكفوا عن التأكيد على وحدويتهم التي تغاير الطريقة الناصرية, كما قالوا, فتذهب بهم الى طلب الوحدة بمعناها الحقيقي والاصيل. والشيء ذاته يصح في ما قاله عن انفسهم جنوبيو اليمن الذين لم يجرأوا هم ايضا على تحدي ذلك المحظور, فجعلوا يتكلمون على تصور آخر للوحدة حتى الكويتيون الذين عانوا الامرين من محاولة الضم والتوسع الصدامية, حاولوا البرهنة على وحدوية اخرى يتمسكون بها تكون اعقل من تلك التي ارادها صدام بالقوة العارية. اذن هناك على الاقل تسليم بحب الوحدة وانجذاب اليه. وحب الوحدة رغبة اولوية وطفلية سابقة على التجربة والاجتماع. انه يشبه البقاء في ما قبل قطع حبل الصرة او يشبه في عمر اكبر, مكابدة ترك بيت الاهل الى البيت الزوجي. فاذا لاح الضعف على وجه الوحدة العربية, هرع البعض مصحوبا بيقينه الى الوحدة الاسلامية وفي مقابل ارتباط الطفلية والاهلية الخام بالوحدوية فان التجربة والاجتماع, هما ما يعلم التناقض ويكشف عن الحرية فيتلمس كل واحد من الافراد خصوصية فرديته بذاتها ولذاتها. بيد ان الامر نفعي ايضا: فبالسير في محاذاة العالم المقسوم دولا, يتحصل للمرء ان يصير مواطنا وصاحب جنسية, وهو ما نعرف معناه في معاناة شعب كالشعب الفلسطيني. وبدل المبالغة في توكيد (الواحدية) مصحوبة بالحروب الاهلية, والمحاذير العربية ــ العربية وما تستجره من مرارات تقارب العنصرية أحيانا, يقيض للعرب العيش في أوطان تعاقدوا عليها, مسكونة بالتعاون فيما بينها والتقارب الى اقصى الحدود الممكنة. واذا ما بدا حب الوحدة أقرب الى صورة خرافية عن التئام الشمل وتحقق النهايات السعيدة, فان حب الحرية هو ترك النفس تنساق مع التجربة, ومع الحياة, من دون قسرها مسبقا, ومن دون المبالغة في استباق خلاصاتها سلفا. والحال ان حب الوحدة جزء حميم من ثقافاتنا, ثقافة الجماعة والاجماع والخوف من وفادة كل وافد غريب الينا. فكيف وقد فاقمت هذا الحب التيارات التي تأثرنا بها في الثقافة الغربية؟ فالقومية, في صيغتيها الالمانية والايطالية للقرن التاسع عشر, علمتنا ان الكثرة افضل من القلة, والكبر افضل من الصغر, كذلك علمتنا ان الوحدة تؤخذ غلابا, ولهذا تلزمها بالضرورة بروسيا او بيادمونت, وهذا ما يستدعي, بالضرورة نفسها, جيشا قويا جرارا, وتأثرنا بالفاشية في القرن العشرين أكد لنا هو الاخر ما تعلمناه من وحدتي القرن التاسع عشر, فالفاشية قوة وتوحيد قبل كل شيء آخر, وهي استطرادا, جماهير مستعدة للموت في سبيل ان تحيا الامة, اما الماركسية, لا سيما في صيغتها الستالينية التي هبطت علينا, فقالت لنا ان المهم تشييد القاعدة المادية للانتاج الصناعي, وهذا يرادف التوق الى سوق ضخمة لليد العاملة, كما الى المواد الاولية وجمهرة المستهلكين. كذلك لم تبخل علينا الماركسية, ولو بسخاء اقل من سخاء القومية الاوروبية, بـ (جماهير) مستعدة للفناء في سبيل ان تحيا... الجماهير! وفي انسحارنا بفلسفة القوة والضخامة المتعددة المصادر, بدا من الصعب علينا الاكتراث بتجارب ليبرالية وتعاقدية صغرى, فلم تثر سويسرا وبلجيكا, مثلا, الا احتقارنا. ولم يكن يزعجنا انسحاق بولندا تحت سنابك النازية الالمانية والشيوعية الروسية, بقدر ماكانت تضحكنا دعابة ستالين عن قوة الفاتيكان المعنوية: (كم عدد فرق الدبابات التي يملكها البابا) ؟ والانسحار هذا بالقوة والضخامة, يغدو اليوم كارثيا, وبغض النظر عما يمكن ان تسفر عنه الازمة المالية الاخيرة لـ (نمور) آسيا الصغار, يبقى اننا شاهدنا تجربة تقلب المعادلة البسيطة لـ (الكبير) و(الصغير) . وفي المقابل نجد دولا ضخمة كمصر تعذبها أزمة (الدور) ومكابدة الحفاظ عليه في زمن متغير, اما الصين العملاقة فاحتار المعلقون لحظة استعادتها هونج كونج الصغيرة: ايهما جذبت الاخرى اليها؟ لكن حين يصل الامر الى السياسة, فان اخطر علامات التكتم على موت الميت تظهر في مكان آخر. ذلك ان هذه الوحدة انجبت سلوكا ذرائعيا لا يزال معمولا به في اللحظات الحرجة, او لنقل لحظات الانتهاز والمواربة, داهمة كانت ام مخططا لها. فالدول العربية الكبرى لا تزال تمكن نفوذها في (شقيقاتها) الصغرى, باسم رابطة عروبية تستبطن الوحدة, او ما يترتب عليها. وهناك دائما اطراف تحرج اطرافا باسم الوحدة, او باسم بناتها الصغرى كالتضامن والشراكة والمصير. استحالة الوحدات لقد ماتت الوحدة, وكان اجتياح صدام حسين الكويت آخر الانفاس التي لفظتها. وفي هذا المعنى فليست الكتابة عنها مشاركة في رد خطر غاشم يتهيأ للانتشار والسطوع, مع هذا فالامر ليس, في المقابل, طعنا في جثة, لأن المطلوب وداع الميت والاعتراف الصريح بموته. فهذه الوحدة لا تزال, على رغم كل شيء, تصلح ان تكون حجة لمستبد آخر يمد يده الى دولة مجاورة, او حجة لجماعة أهلية كي تحاصر جماعة اخرى وتفرض عليها استبدادها, ولو كلفت الدعوى حربا داخليا تطيح البلد المعني برمته. وانما بسبب ما بقي في النفس من هذه الوحدوية, الممزوجة غالبا بـ (الاخوة) , نجدنا امام ظاهرات بالغة البشاعة, فالمعارضة والمثقفون السوريون, مثلا, يغفلون كليا الاشارة الى وجود 40 الف جندي من جنودهم في لبنان لأن الامر من طبيعة الاشياء! وهذا الاغفال اذا كان يضعف صدقية كل نقد يهب من سورية لقوات الاحتلال الاسرائيلي فهو يضعف ايضا بشائر الرهان على مجتمعين سياسي ومدني سوريين يمكن ان يظهرا ذات يوم. وفوق كل شيء يحملنا استمرار الوهم الايديولوجي على ان نمضي في تأسيس علاقات غير سليمة, لا بل عنصرية احيانا, بين وطنيات عربية متجاورة كان في وسعها ان تتبادل ما هو انفع وارحب من الكراهية. ويبقى, في آخر الحساب, وفي الحد الايديولوجي الادنى, ان معضلة المعضلات تتمثل في ان الوحدات الالمانية والايطالية غدت مستحيلة علميا, لكن صلتنا العاطفية بها تعيق اندراجنا في الوجهة العالمية الغالبة بقدر ما تعقد علاقاتنا الداخلية, اكان بين جماعات الوطن الواحد او بين الدول القائمة. ففي 1870 لم يكن في العالم كله سوى 15 دولة سيدة, ومذاك والعدد يتزايد ليبلغ مع الحرب العالمية الاولى 25 دولة, ومع الحرب العالمية الثانية 51 ثم ليبلغ 200 في ,1995 185 منها اعضاء في الامم المتحدة. وسبب نزع الاستعمار الذي تلا الحرب الثانية ارتفع العدد بوتائر غير مسبوقة وقبل ذلك اي بعد الحرب الاولى كان انهيار الامبراطوريتين المتعددتي القوميات, العثمانية والهابسبورغية, قد خدم الغرض نفسه, مطلقا عملية استمرت حتى التسعينات مع انهيار الامبراطورية السوفييتية التي تناسلت دولا. وفي غضون ذلك انهارت دولة متعددة القوميات من غير ان تكون امبراطورية, هي الهند التي انفصلت عنها باكستان, لتنفصل عن الاخيرة بنجلاديش وتنشىء دولتها في وقت لاحق. وامكننا ان نرى في ذروة الحرب الباردة كيف كانت الدول المنشقة تتباري للحصول على شرعية الاعتراف بكل منها بصفتها هي الدولة. فهذا ما حصل في الصينين, البرية وتايوان, وفي الكوريتين والالمانيتين والفييتنامين. وغني عن القول ان محفل الدول المسمى (الامم المتحدة) هو الحكم في امر الاعتراف هذا. غير اننا شهدنا وجهة اخرى, عالمية وكونية في الحيز الذي يمكن تسميته قفا الدولة ان صح التعبير. فقد شرعت مبكرا حركات التحرر الوطني والمعارضة المسلحة تنفك وتعاود صوغ نفسها على ضوء واقع الدول الجديدة. فبعدما عاشت (شين فين) طويلا حركة وطنية للايرلنديين الكاثوليك الطامحين الى بلوغ ايرلندا واحدة, ما عاد في الوسع, بعد نشأة الدولة الجنوبية في عشرينات هذا القرن, الا اجراء اعادة نظر عميقة افضت الى انحصار الحركة في الشمال. ولئن عاند المتطرف ايمون دو فاليرا وانشق عن (شين فين) , فانه ما لبث ان عمل بموجب الصيغة الجديدة التي توصل اليها (الخائن) التسووي مايكل كولينز. والشيء نفسه يمكن قوله, في منطقة اخرى من العالم, عن الحركة الكردية التي انتبهت بعد تجربة (جمهورية مهاباد) الى استحالة العمل الكردي وكأن العراق وايران وتركيا بلد واحد, لمجرد وجود قضية كردية في البلدان الثالثة. وعلى رغم كل الضجيج الايديولوجي حول واحدية القضية الفلسطينية فان فلسطيني لبنان يتناقض كثيرا ما يجمعهم بفلسطيني الاردن, ولم يفت فلسطيني اراضي السلطة الوطنية تسمية رجال (منظمة التحرير الفلسطينية) الذين حكموهم بـ (التوانسة) وتعييرهم بالاشكال السلطوية التي اقاموها في مخيمات بيروت, ولكن ايضا بشروط اجتماعية خضعوا لها خارج نطاق تجربتهم في الضفة الغربية وقطاع غزة, وفي المشرق العربي ايضا, وفي وقت اسبق, كان الحزب الشيوعي السوري اللبناني قد انقسم حزبين لكل بلد حزبه, بمجرد استقلال الدولتين وانتهاجهما طريقين مستقلتين, بعدما شهدت الحركة الاستقلالية المغاربية التطور نفسه اذ تفرعت حركات ثلاثا كما سنرى لاحقا. اما في الاقصى الآسيوي, وفي فيتنام تحديدا فتحولت حركة فييتكونغ الجنوبية الى اداة في يد السلطة في هانوي, هي التي استندت الى تجربة تاريخية بعيدة الاختلاف ومديدته عن تلك التي عرفها الشطر الشمالي. وقبل ذلك كانت فشلت محاولات البناء التنظيمي والعسكري الجامعة لشيوعيي (جنوب شرق آسيا) ممن ارادوا التصدي للكولونيالية. لقد أضحت الدولة الشكل والقياس الكونيين للعلاقات السياسية الدولية, بيد ان ما يفرق يومنا هذا عن اواخر القرن التاسع عشر, يتعدى تزايد ارقام الدول وتحول تقليد الدولة الى سمة كونية. فهناك امور عدة استجدت بالايجابي منها والسلبي, في هذا الفاصل الزمني الكبير بحيث غدا القفز فوقها قفزا في العدم المحض: فلقد تم استدخال حركة الاستعمار في الدول ــ الكيانات الناشئة وكذلك استدخال الرأسمالية العالمية التي كانت لاتزال في بداية انظلاقتها العالمية اواخر القرن الماضي. وهذان الاستدخالان صنعا العالم, بعلاقاته الاقتصادية والسياسية والقانونية سواء بسواء, على هيئتهما ومثالهما. فلم يعد من الممكن مجرد التفكير في انشاء كيان كبير يصطدم بالقوى والمصالح الدولية اصطدامه في الوقت نفسه بمصالح الفئات الوطنية الوسيطة والمتعاظمة الحجم التي ترتبط بالنموذج الغربي اقتصادا واستهلاكا, تعليما وذوقا. ثم ان الدول ــ الكيانات الناشئة, وهذا اهم المستجدات, غدت ايضا اوعية لدورات اقتصادية ومناهج تعليمية تتشكل بموجبها المصالح والاذواق. كما اضحت اطارات لتوازنات سكانية هي في الغالب عصبية وحساسة, نظرا الى جدة مفهوم (الامة) بمعناها الغربي, في (العالم الثالث) . وهذه التوازنات في مجرد ان تتعرض لخطر الغلبة والاستقواء بالخارج يمارسها احد عناصرها, حتى تختل برمتها. وقد يتسبب بالاختلال المذكور انهيار الحدود الوطنية التي تنظم التوازن المعمول به داخل الكيان ــ الدولة. وفي الحالات جميعا, وكما تدل تجارب لا حصر لها, تكون النتيجة تفتيتا للدولة القائمة بدل تجميعها في كل اكبر. وقصارى القول ان العاقل والعقلاني لا يتكتم على موتاه. وما دام الوداع لا يكتمل, ولا يكون صحيا, من دون تفسير اسباب الموت واشهارها, غدت المهمة راهنة وملحة. فلماذا ماتت الوحدة العربية, وكيف كان ذلك؟

تعليقات

تعليقات