ثمانية دروس مستفادة خير من ترديد المعلقات - بقلم: محمد الخولي - البيان

ثمانية دروس مستفادة خير من ترديد المعلقات - بقلم: محمد الخولي

الان, وبعد ان انقشع الغبار وهدأت قعقعة السلاح وخفت ــ هل نقول تأجلت ــ حدة المواجهة العسكرية بين العراق والولايات المتحدة, وبعد ان عاش الوطن العربي الاسابيع الاخيرة على اعصابه, نستطيع ان نتوقف عند اكثر من منعطف من التأمل الهادىء لكي نستخرج عددا من العبر والدروس المستفادة التي يمكن ان نوجز اهمها على النحو التالي: أولا: ان القوم لم يتوصلوا في التحليل الاخير, والامني ايضا, إلى حل للازمة التي شغلت العالم طيلة ايام فبراير الماضي, بل ان الامر لا يعدو تسوية يطول أو يقصر امدها أو فلنقل امد صلاحيتها للاستخدام والتطبيق رهنا بنوايا الاطراف. ثانيا: ان هذه التسوية ــ المرحلية كما قد نسميها تجسدت في اتفاق عنان ــ عزيز الموقع في بغداد, وقد تحقق في اطار من الدبلوماسية الهادئة التي اتبعها الامين العام للامم المتحدة, حيث كان وجوده واسلوبه في التعامل مع كافة اطراف الازمة سواء بصورة مباشرة (الاجتماعات) أو غير مباشرة الاتصالات الهاتفية والرسائل الدبلوماسية, عاملا ساعد من جهة على ترطيب الاجواء وتخفيف التوتر مما ادى إلى اشعار كل طرف (بالحقيقة أو بالوهم) بأنه خرج من ربقة الازمة بغير اراقة ماء الوجه أو هوان التسليم. ثالثا:ان العنصر الجوهري فيما آلت اليه الامور كان بالدرجة الاولى هو الجماهير.. الناس: ملايين البشر في طول العالم وعرضه وليس في شوارع وأزقة العالم العربي وحدة (وربما ادرك هذه الحقيقة بالذات الرئيس المصري مبارك الذي ظل يميل إلى رأى (رجل الشارع) على حد تعبيره في آخر احاديثه بالانجليزية إلى مراسل محطة سي. ان. ان الامريكية ونظن ان هذه الجماهير على اختلاف طبقاتها الاجتماعية بل واختلاف هوياتها القومية كانت تقرأ كتاب الازمة بين بغداد وواشنطن قراءة صحيحة وقراءة شاملة في آن واحد, وهذه الصحة هي التي دفعتها للتعبير عن آرائها في مظاهرات الشوارع وفي بيانات النقابات العمالية والمهنية وفي الحركات العلنية التي شاركت فيها المثقفون والفنانون, وكلها كانت تقف بالتحديد بل بمنطق الفرز أو التخصيص, إلى جانب نظيرتها من جماهير العراق الناس ـ البسطاء, العزل, في مدن العراق واريافه وبراريه واهواره, لا يغيبها في ذلك قومية فلان ولا زعامة علان ثم ان منطق الشمول في الرؤية وفي النظرة هو الذي نقل هذه القراءة الصحيحة إلى مجلس العموم البريطاني أو إلى شوارع اسلام اباد وإلى جنبات الارض الفلسطينية المحتلة, ناهيك عن ساحة كرة السلة في جامعة أوهايو, واذا كان البرلمان الانجليزي قد سجل المعارضة بين نوابه ضد انحياز بريطانيا إلى واشنطن, واذا كانت جماهير باكستان قد سجلت سخطها على تصرفات الهيمنة وغرور القوة الامريكية, فما كان افصح الشاب الامريكي الذي ارتفع صوته في ختام اجتماع اوهايو, وقد اصبح اسمه في ادبيات السياسة الامريكية الراهنة هو (الاجتماع الشائن) فقال: اذا كان الرئيس كلينتون يريد ان يبعث رسالة إلى صدام حسين, فلا ينبغي ان تخوض الرسالة في دماء مواطني العراق من نساء واطفال. وبهذا المعنى يمكن ان نفهم العبارة الصادرة عن الدبلوماسي العراقي المخضرم رياض القبيسي (ونقلتها بنيويورك تايمز) وترجمتها ان العراق جزء من العالم (بمعنى انه لم يعد معزولا أو منبوذا عما يجري في العالم) . رابعا: مع ذلك فالامانة مع النفس والصدق في تحليل الامور يقتضينا ان ننبه إلى اننا ــ الجانب العربي ــ قد بدأنا نسير على الطريق الخطأ في معاملة أو معالجة ما آلت اليه الامور. لقد احسن الجانب العربي (بغداد بالذات) صنعا حين هيأ الظروف لنجاح مبادرة الامين العام للامم المتحدة ومن ثم إلى نزع فتيل ازمة كادت تحول المنطقة بأكملها إلى مستودع بارود متفجر الحمم والبراكين, مع ذلك يبقى ان ندرك نحن العرب لم نحقق نجاحا ماديا ملموسا أو يمكن ترجمته على ارض الواقع بمعنى انه يدفع الامور إلى الامام ويقيم بالتالي جسرا متينا يعبر عليه شعبنا في العراق من ضائقة العقوبات الخانقة والجائرة إلى حيث يواصل مسيرته التنموية ويمارس علاقاته الدولية متحررا ومقتدرا ومشاركا بكفاءته المعهودة في امور العصر وقضاياه على الصعيدين الاقليمي (القوي) أو العالمي كل هذا لم يحدث, والذي حدث ان عدنا موضوعيا وبصراحة الى المربع رقم واحد وهو القبول, بمنطق التفتيش واجراءاته حسب قرارات مجلس الامن الصادرة من سبع سنوات وبنفس فرق التفتيش برئاسة السيد بتلر ( اياه) الذي اعلن في صباح الاحد الماضي ان الترتيب الجديد ـ التسوية التي توصل اليها الامين العام ـ من شأنه او شأنها تحسين اعمال واجراءات المفتشين الدوليين. هذا يعني اننا لم نحقق نصرا مؤزرا ولافتحنا عكا ولا يغرننا ان حاولوا ارضاءنا باضافة مراقبين دبلوماسيين فتلك لمسات تجميلية لزوم نجاح عمليات التفاوض والخروج دبلوماسيا من الطرق المسدودة فضلا عن ان تفسير دور هؤلاء الدبلوماسيين مرهون في مثل هذه الحالات بموازين القوة ــ او الضعف طبعا ــ معنى التي تصدر عنها الاطراف المعنية. * ما معنى اذن ان يستخفنا الطرب ونعلن العطلات ونبادر الى اقامة الاحتفالات ونصب الافراح على انتصارات لم تتحقق ثم نتحدث عن بطولات لم يشهد بها احد بل ولا يطلبها احد؟ اللهم الا اذا كنا لانزال نعيش عصر المعلقات التي يقول فيها شاعرنا العتيد عمرو بن كلثوم. اذا بلغ الرضيع لنا فطاما تخر له الجبابر ساجدينا خامسا: ثم تعال الى السلوك الامريكي السياسي.. مابين حشد الارمادا ـ العمارة البحرية الرهيبة الامريكية في شرق الوطن العربي, او بث صورها التلفزيونية لزوم الترويع عبر الاقمار الصناعية ومن خلال الخبث المهني الاعلامي المألوف دموع الزوجات في وداع الجنود او تصريحات الشباب على متن حاملات الطائرات بان لديهم واجبا وسوف يؤدونه الى لقطات نزولهم مع امتعهم على ارض ومياه الحواف الشرقية من العالم العربي, فضلا عن تحليقات احدث الطائرات كل هذا اعاد الى ذهن المحلل السياسي المعنى الذي ذهب اليه حكيم السياسة الخارجية الامريكية السيناتور الراحل ويليام فولبرات وقد لخصة في عبارته الشهيرة (غطرسة القوة) . وكم تناول مفكرون ودارسون هذه العبارة خاصة في ضوء نتائج حرب فيتنام ليؤكدوا ان للقوة الرهيبة غرورها بقدر مالها ايضا قصورها ومحدوديتها بل ان من هؤلاء المفكرين من ذهب الى ان لتلك القوة اغراءاتها وهو ما قال به مؤخرا البروفيسور رونالد ستيل استاذ العلوم السياسية في احدث كتاب اصدره في هذا الموضوع بعنوان: اغراءات القوة العظمى) والمعنى الآن ببساطة هو انك تستطيع ان تحشد من اسباب القوة العسكرية الشيء الكثير والمخيف ايضا.. وتستطيع من ثم ان تشعل بها حربا شاملة رهيبة لكنك لا تستطيع ايقاف هذه الحرب الضروس حتى ولو اردت ولن نستطيع استباق النتائج التي تسفر عنها مثل هذه المواجهات الدامية المسلحة مهما احسنت الحساب او دققت التنبؤ. وامعنت في التقديرات ورسم السيناريوهات هنالك يكمن دور العامل البشري وهو ينبو في اغلب الاحيان عن الحسابات المسبقة وتستعصي على التصورات الموضوعة. وقد كانت فيتنام نموذجا على محدودية عنجهية القوة في الماضي بقدر ما جاءت (موقعة) اوهايو جاءت بالامس القريب نموذجا ما اروع بلاغته على ان تقديرات دهاقنة العلاقات العامة يمكن ان تخيب وتتكسر موجاتها على صخرة آراء الناس وافكار الجماهير. لقد حسبوا مسبقا ان وجود اكبر ثلاثة مسؤولين في الادارة الامريكية كفيل بابلاغ الشعب الامريكي رسالة البيت الابيض وحشد تأييده وراء قيادته. لكن الذي حدث ان خابت الحسابات وطاشت التوقعات وارتد سهم الرسالة المتوقعة الى نحر مرسليها بل تحولت, عبر الزخم الجماهيري الذي شاهده العالم على الهواء الى رسالة من نوع آخر.. وضعها في جيبه رجل افريقي هادئ الطبع, خفيض الصوت واستغلها ببراعة هادئة بدورها ـ لكي يعطي اطراف الازمة (جزرة) او فلتقل مكسبا مرحليا اتاح له تهدئة الموقف ونزع فتيل الاشتعال ــ وكانت الجزرة بالنسبة لامريكا هي مساحة للتراجع, وكانت بالنسبة لبغداد هي فرصة مجددة لالتقاط الانفاس وحقن الدماء وصيانة مقدرات الوطن وكانت بالنسبة للامم المتحدة والرجل الافريقي المثقف هو امينها العام هي مزيد من الموثوقية والمصداقية ثم كانت بالنسبة لنا نحن جماهير البسطاء ممن يأكلون الطعام ويمشون في اسواق الحواري العربية وفي الساحات الدولية ــ فرصة نلناها عن جدارة واستحقاق لكي ندرك, بل لكي لنحقق ان للقوة مهما بلغ عنفوانها حدودا ليس بوسعها ان تتعداها والا تحولت الى حماقة مدمرة.. بل قد نتوصل الى صياغة في هذا المضمار نلخصها في عبارة تقول: ... عجز القوة.. أو عقم القوة. بمعنى أن ديالكتيك جدليات القوة بحد ذاتها, او قوانين حركتها الذاتية تحمل في طياتها عجزها الكامن.. ومرة اخرى فمن شأن القوة المطلقة الجبارة او المروعة ان تسفر عن اشتعال حرب عالمية.. أو فلنقل حرب اقليمية شاملة ولكن هل تستطيع نفس هذه القوة الجبارة ان تطفئها؟ او تستطيع اساطيلها وجيوشها الجرارة ان تواجه بشرا يستترون في مستنقعات آسيا او يستخفون في شعاب جبال امريكا اللاتينية.. ناهيك عن شباب المقاومة الوطنية الفلسطينية وقد صمموا على الاستشهاد ثم خرجوا لمواجهة آلة حربية صهيونية من اعتى ما يكون.؟ ذلك درس مستفاد عربيا, ولعلنا نسيناه في غمار الوهن القومي او فتور العزم الذي أصيبت به أمتنا في العقدين من الاخيرين من الزمن درس عبد العاطي, والف عبد العاطي الذي وقف يوما في صحراء سيناء وعلى كتفه سلاح صاروخي محمول يصطاد به دبابات العدو الصهيوني الشديد الصلف والمحتمي ببروج الفولاذ. سادسا: وهنا يصح طرح السؤال المشروع: هذه الجماهير ــ العربية بالذات ــ التي بعثت للدولة العظمى الأوحد في عصرنا رسالة موجزة وبليغة اول سطورها يقول: لا.. لضرب العراق.. الناس والمقدرات والوطن والتاريخ والمستقبل ــ هو الجماهير الم يأن الأوان لكي تجازى على صنيعها هذا بأكثر من صنيع؟ وبان تنال نصيبها وهو أصلا مشروع, من عملية الممارسة الديمقراطية, ان احترام آدمية البشر, ومن المشاركة الشعبية الواعية في هندسة قرارات المصير وفي التمتع ــ المشروع حتى لا ننسى ــ بحقوق الانسان وفي مقدمتها حقوق التنمية وحق المشاركة وحق العدل وحق التنمية المتكافئة وحق التعبير؟ لقد احتاج الطرف الامريكي الى مساندة جماهيرة فكان ان اتجه الى اقناع, او محاولة اقناع, هذه الجماهير بقراره في الحشد وفي الاستعداد لضرب وطننا العربي في العراق. وكانت اولى ضغوط هذا الاقتناع هي اجتماع اوهايو الشهير. وأيا كانت مرارات المسؤولين الكبار بشأن ملابسات ونتائج هذا الاجتماع فقد خرجوا بتصريحات تذرعوا فيها بما نسميه في بلاغة العربية باسم (حسن التعليل) حين قال قائلهم (بيرجر) مستشار الرئيس الامريكي ومن بعده وزيرة الخارجية (أولبرايت): تلك هي الديمقراطية الامريكية وسواء كان انصياعهم لقوانين هذه الممارسة الديقراطية اقتناعا بها او خوفا من عواقب مخالفتها فالنتيجة في رأينا واحدة, وهي ان رأي الناس كان احد الابعاد السياسية, في حزمة اتخاذ القرار الاستراتيجي في اكبر وأقوى دول العالم. سابعا: وبمناسبة القراءة الصحيحة لملابسات الازمة الاخيرة.. فقد استلفت انظار المراقبين ذلك الاقتران البالغ الوعي من جانب الجماهير بين امريكا واسرائيل. ورغم أن تل ابيب التزمت زاوية الظل بعيدا عن الاستفزاز او عمدت الى ذلك, فإن الناس كانوا يبادرون الى حرق العلم الامريكي في الشوارع ومعه في نفس المناسبة حرق العلم الاسرائيلي. بل ان الناس في أوهايو ما لبثوا ان نددوا بذلك السكوت ــ الاغضاء الامريكي عن اسرائيل وهي تسوم عرب فلسطين سوء العذاب. ولقد تنبه الى هذه النقطة بالذات الكاتب الامريكي (ستيفن ايرلانجر) في مقال مهم كتبه عن عزلة واشنطن في اطار الازمة الأخيرة واختار له عنوان: (امريكا.. الذئب الوحيد المعزول) (ويك ان ريفيو ــ الملحق السياسي ــ نيويورك تايمز ــ اول مارس 1998). وفيه يوضح ايرلانجر ان عزلة امريكا في ازمة 98 الراهنة جاءت على خلاف قيادتها تحالف 1991 السابق. ويرجع هذا الى اسباب جذرية اشمل من المواجهة مع العراق وفي مقدمتها ان امريكا فشلت في ان تفي بما وعد به رئيسها آنذاك ــ جورج بوش ووزير خارجيته بيكر من ان المناخ العام في الشرق الاوسط سوف يتغير (بعد تحرير الكويت) لا في بغداد فحسب ولكن ايضا على صعيد النزاع الفلسطيني ــ الاسرائيلي. (ولقد كانت تلك هي الصفقة الكافية على حد تعبير الكاتب الامريكي التي اجتذبت العرب الى التحالف الامريكي ضد صدام حسين ثم جاء عجز امريكا عن تأمين (التوصل الى) سلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين ليشكل مصدرا من مصادر الاحباط وخيبة الأمل العميقة) . أخيرا اذا كانت جماهيرنا العربية ترنوا الى اصلاحات على طريق المشاركة الديمقراطية في اطار من المشروعية السياسية, فلاشك انها تريد ايضا مصالحات داخل الصف العربي تحقق المزيد من أرضية توافق ــ لا تطابق ــ الآراء بين الصف العربي الواحد.. لقد ظهر الطرف العربي في الأزمة الأخيرة بصورة اكثر ايجابية واشد مدعاة للاحترام عن ظروف اخرى تكيف بقوة هذا الصف اذا ما تماسك بنيانه واذا ما توصل الفرقاء الى تنقية الاجواء مثلا بين قطر وشقيقاتها وبين اليمن وجيرانه وبين السودان ومصر وبين سوريا والعراق و.. القائمة كبيرة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات