أبجديات - بقلم: عائشة ابراهيم سلطان - البيان

أبجديات - بقلم: عائشة ابراهيم سلطان

ان تعمل باستمرار وبلا توقف, وتظل حاملا مكتبك فوق رأسك واوراقك وملفاتك في قلبك, وتمضي في الحياة شعارك (العمل هو الحياة) فهذا هو الانتحار البطيء الذي جاءت اخبار ضحاياه من اليابان, البلاد الوحيدة. ربما التي يموت أهلها.. عملا, كما يموت البعض عندنا كسلا. عندما ذهبت صديقتي الى الطبيب ذات يوم وهي في اشد حالات المرض نصحها بالراحة ووقع لها على ورقة تحويل شفائها ولا داعي للاجازة فهي ملزمة بمقرر يجب ان تنتهي منه وامتحانات و... و... الخ. نظر اليها الطبيب متعجبا وقال: ماذا تظنين, هل سيصنعون لك تمثالا من الذهب في فناء المدرسة؟! حينما ننجرف بشدة وراء رغبة العمل الجامحة نمتلىء احساسا بأننا انما ننحت لاسمائنا مكانا تحت الشمس سيظل يلمع تحت وهجها على مر الزمان. وننسى تماما انفسنا وقوانين الطبيعة التي تحكم كيمياء الجسد والعقل والقلب ايضا. والاسوأ اننا ننسى أناسا سكنوا الحياة في الخندق ذاته معنا, دون قصد منهم غير انهم احبونا بطريقتهم, واحببناهم بطريقتنا الشرسة. حين يتوقف الهدير من حولنا, سنعرف بأننا كنا بحاجة ذات يوم لحفر مجرى صغير في وسط هذا النهر الذي كان هادرا في داخلنا فربما خفف هذا المجرى من اندفاع النهر القاتل. احد الفلاسفة قال: ثلاثة اشياء لكي نتمتع بها حقا ينبغي الا تعرف الاستمرار: الغنى والنوم والصحة. واظن ان كل ما في الحياة لكي نشعر بمتعته يجب ان نكسر حدة استمراره, لان الاستمرار يعني ذوبان طعمه بعيدا عن أعماق حياتنا. انه في الوقت الذي تعكف فيه على عملك في ساعة ليست محسوبة من ساعاته, الا بقدر عشقك القاتل لهذا العمل, يهدر خلف جدران مكتبك نهر الحياة بلا توقف, يموج بمتع وضحكات ومناخات واصحاب طيبين, اخترت ــ بحماقة ــ ان تحرم نفسك منهم وبلا سبب. هل تصدق انك تحتاج للكسل احيانا؟ لنرى ماذا قال احد رموز الفن اللبناني (منصور الرحباني) عندما سئل عن رأيه في الكسل (لقد اجاب: أنا الكسول دائما (وهو المعروف بنتاجه الفني الجميل والغزير) ثم اكمل: الكسل هو الأب الشرعي للابداع, فقبل لحظات الابداع الذي ابهر به الفنانون والعباقرة العالم كانت هناك لحظات كسل, واسترخاء طويلة لازمت هؤلاء الفنانين والعباقرة, في لحظات الكسل تنسى كل شيء وتذهب في نزهة خلوية الى تخوم الكون الفسيح تتنزه في كل ارجائه وتكتشف علائقه وجمالياته, وفي لحظة سكون العالم تعود مملوءا بالابهار والدهشة فتفجر ابداعك ويشرق روح العالم. وهكذا عاش الرسام العبقري فانسنت فان جوخ الذي ابهر العالم بأعمال خالدة تعرض اليوم بملايين الدولارات. كلمة أخيرة: الكسل الذي نتحدث عنه ليس دعوة للنوم طوال النهار والسهر على التوافه طوال الليل, لانك بذلك لن تنتج سوى عمل ابداعي واحد هو أن تقضي على نفسك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات