المظلة الامريكية وأمن الخليج: بقلم - د. عبدالرحيم الشاهين

في ضوء الاحداث المتسارعة التي تشهدها منطقة الخليج العربي من خلال تزايد الوجود العسكري في المنطقة والتهديد باستخدام القوة العسكرية ضد العراق , علينا ان نقيم ما جرى ويجري في منطقتنا الخليجية بتعقل وأن نأخذ العبر والدروس, واضعين المصلحة الوطنية لدولة الامارات العربية المتحدة والامة العربية عل المدى البعيد نصب اعيننا لاننا المستهدفون اولا واخيرا. حينما وقع العدوان العراقي على الكويت وقف ابناء الخليج كافة حكومات وشعوب ضد الاحتلال العراقي وضد منطق القوة والغطرسة في حل المشكلات بين الدول حتى تم تحرير الكويت. والان وبعد مرور اكثر من سبع سنوات على حرب تحرير الكويت والشعب العراقي يعاني حصارا ظالما لم تشهد له البشرية مثيل. وقد جاءت الازمة الاخيرة بين العراق والولايات المتحدة التي وصلت الى حد قيام حرب مدمرة جديدة في المنطقة هدفها اكبر من ضرب العراق, بل انها تمس الامن القومي للوطن العربي بأسره. وبالرغم من الاتفاق الذي وقعه العراق مع كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة بخصوص تفتيش المواقع الرئاسية العراقية وبتفويض ومباركة المجتمع الدولي دون تحفظ لهذا الاتفاق, باستثناء الولايات المتحدة الامريكية وحليفتها بريطانيا والعدو الصهيوني. هذا الاتفاق الذي جاء نتيجة جهود خليجية مخلصة من خلال زيارة وزير الخارجية القطري للعراق, والمناشدات الصادقة لرئيس الدولة والقادة الخليجيين بتحكيم العقل في حل الازمة, ومن خلال جهود عربية متمثلة بالزيارة التاريخية للامين العام للجامعة العربية ومبادرات القادة العرب, اضافة الى الجهود الدولية وعلى رأسها روسيا وفرنسا والصين, من اجل تجنيب المنطقة والشعب العراقي اثار حرب لا يعرف احد الى ماذا ستنتهي. تقف الولايات المتحدة الامريكية وحيدة ازاء المجتمع الدولي مشككة في الاتفاق, وتصرح القيادة الامريكية على لسان الرئيس الامريكي ووزيرة الخارجية الامريكية وغيرهما من مسؤولي البيت الابيض ان الولايات المتحدة الامريكية سوف تدرس الاتفاق الذي وقعه كوفي عنان مع القيادة العراقية وستستوضح بعض النقاط التي تراها غامضة حتى تتأكد ان الاتفاق يحقق المصالح الاستراتيجية والقومية للامن القومي للولايات المتحدة الامريكية!! ان اي مراقب او محلل منصف للاحداث منذ بداية الازمة بين العراق والولايات المتحدة الامريكية يلاحظ ان الولايات المتحدة تضع مصالحها القومية على حساب المنطقة الخليجية والعربية, وتؤكد ذلك تصريحات المسؤولين الامريكان على ان الاتفاق الذي وقعه كوفي عنان هل يلبي المصالح الامريكية ام لا؟! ولم تضع الادارة الامريكية في اعتبارها مدى تحقيق ذلك الاتفاق لتنفيذ القرارات الدولية التي يجب على العراق الالتزام بتنفيذها!! وهنا نرى اذا كانت القيادة العراقية في توقيعها الاتفاق مع الامين العام خائفة من ضربة عسكرية امريكية حماية لشعبها ومكتسباتها فهو قرار سليم, وكم يتمنى المرء لو ان القيادة العراقية اتخذت مثل هذا القرار في 16/1/1991 وانسحبت من الكويت لجنبت شعبها والمنطقة هذه الاوضاع المتردية التي وصلت اليها اليوم. نحن في الخليج العربي معنيون قبل غيرنا بما يحدث في منطقتنا الخليجية وعلينا الا ننجر بعواطفنا دون النظر الى المتغيرات الدولية ومصالحنا الوطنية ونظل نردد بان ايران والعراق هما عدونا في الخليج العربي وان المظلة الامريكية هي صمام الامان لنا. بينما نتناسى العدو الصهيوني المحتل لاراضينا ومقدساتنا. ونخطىء في الخليج العربي وفي اي دولة عربية ان اعتقدنا ان لنا أمنا خاصا بنا تحت مظلة الحماية الامريكية, ينتهي هذا الامن عند حدودنا الاقليمية بمعزل عن أمن الوطن العربي. الذي لم ولن يكون الى ما لانهاية مجرد افكار مثالية واحلام وردية كما يردد البعض, رغم اعترافات بان هناك معوقات وصعوبات تواجهه. لاننا نؤمن بان مصيرنا مشترك وامالنا وطموحاتنا واحدة لن تظل تحت رحمة الاجنبي الى ما لا نهاية. وهل اصبح الداعون اوحتى الحالمون الى بعث هذه الامة او البحث عن صيغة امن عربية تحفظ لهذه الامة وجودها وكرامتها خبثاء او يضمرون شرا لتقويض الوضع والالتزام الامني المتمثل بقناعة البعض بالدور الدولي او المظلة الدولية عام 1991 هو تحالف 1998؟ الواقع يقول عكس ذلك, فرنسا وروسيا والصين الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن رفضت توجيه ضربة عسكرية للعراق وكل دول العالم كانت ايضا رافضة لمنطق القوة والغطرسة داعية الى حل الازمة بين العراق والولايات المتحدة بالطرق الدبلوماسية. علينا ان نسمي الاشياء باسمائها, فالقائمون بالدور الدولي او المظلة الدولية يعنون على استحياء الولايات المتحدة الامريكية التي وقفت طوال تاريخها ضد الحقوق العربية المشروعة, هل المظلة الدولية هي الولايات المتحدة الامريكية؟!! وهل لاي مراقب للاحداث ان يقتنع ان الجرم الذي ارتكبه العراق يستدعي ان تتحرك الاساطيل الامريكية وتلك الحشود التي لم تتوقف للان بزعم اجبار العراق على تنفيذ القرارات الدولية, برغم الاتفاق الذي وقعه معه كوفي عنان, هذا الاتفاق الذي يجزم البعض ان الولايات المتحدة الامريكية وضعت خطوطه. وهي تتأكد الان ان كان الامين العام تجاوز تلك الحدود ام لا؟!. والان وبعدا ن وقع العراق على الاتفاق اعلن عن التزامه بتنفيذ بنوده وتأكيد الامين العام بان العراق جاد بالالتزام, فما هو المبرر لاستمرار بقاء الحشود الامريكية بل وتزايدها في منطقة الخليج العربي؟ البعض يرى انه وجود احترازي ويرتبط باجابة افتراضية وهي ان العراق قد لا يلتزم بتطبيق القرارات الدولية؟! وفي نفس الوقت لو سئل اي مسؤول امريكي او بريطاني اذا نفذ العراق قرارات الامم المتحدة هل سيتم رفع الحصار عن العراق؟ دائما ما تكون الاجابة على هذا السؤال بانه سؤال افتراضي لا يمكن الاجابة عليه!! اننا نجزم ان هذا الحشد الامريكي في منطقة الخليج العربي اكبر من اجبار العراق على تنفيذ القرارات الدولية, واكبر من الديمقراطية في العراق,وحقوق الانسان وغيرها وان رفع الحصار عن العراق يرتبط بظروف غير تنفيذ القرارات الدولية . فالولايات المتحدة الامريكية تتبع سياسة المثل القائل (اضرب المربوط يخاف السايب) , انها تستخف بالدول العربية واستقلالها, تستخف بالرأي العربي وبالحكومات العربية, هذا الحشد ذريعة حتى تضع الولايات المتحدة يدها الغليظة على المنطقة لتخويف منطقة الخليج العربي, حتى تعيد ترتيب اوراق اخرى نحن في الخليج وفي الوطن العربي الخاسرون منها. مع ادراكنا ان الثمن الذي ندفعه في الخليج العربي باهظ جدا جدا. ولن يحقق لنا الامن والاستقرار. وهل الضريبة التي اجبرنا على دفعها عام 1991 ما زالت مبرراتها باقية ونحن في عام 1998. اذا قسنا نبض الشارع الخليجي والعالمي وحتى موقف حكومات الخليج والدول العربية الاخرى لوجدنا ان هناك فرقا بين عام 1991 حينما وقفنا ضد احتلال دولة الكويت, وعام 1998 حينما وقف الرأي العام العربي ضد ضرب العراق. فالعراق اليوم هو غير عراق 1991 بكل المقاييس, وهو يعلن على لسان مسؤوليه عن استعداده لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة مع كل جيرانه بما فيهم دولة الكويت, وها هو رئيس الدولة يعلن ان العراق لا يشكل خطرا على جيرانه, بل ويطالب من منطلق عروبي بعودة العلاقات مع العراق وتناسي الماضي. ونعتقد جازمين ان رئيس الدولة في دعوته تلك ينطلق من المصلحة الوطنية العليا لدولة الامارات والمصلحة القومية العربية. ان الواهمين بان الالتزامات الدولية تحت حماية المظلة الامريكية تحقق الامن والاستقرار لمنطقة الخليج العربي عليهم ان يعيدوا قراءة التاريخ في منطقة الخليج حينما كان الشاه دكتاتورا على ايران وكان شرطي الغرب في الخليج, كانت الولايات المتحدة الامريكية على رأس داعميه ومؤيديه وهي تعلم بدكتاتوريته وكره الشعب الايراني له ولنظامه. كما ان بريطانيا قبل انسحابها من امارات الخليج العربي بيوم واحد اعطت الضوء الاخضر لشاه ايران لاحتلال جزرنا العربية طنب الكبرى وطنب الصغرى وابو موسى ولم تسمع طوال فترة حكم الشاه ان تبنت الولايات المتحدة او بريطانيا مساندتنا في استرجاع حقوقنا المشروعة, وحينما انتصرت الثورة في ايران وجاء نظام حكم معاد للغرب وللصهاينة, ساند الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الامريكية نظام صدام حسين بالسلاح والمعدات والمعلومات لشن الحرب على ايران طوال ثمانية سنوات لم نسمع صوتا امريكيا واحدا يعارض تلك الحرب المجنونة والكل كان يعرف قساوة وجبروت النظام العراقي بل نحن في الخليج كنا عاطفيين في مساندة العراق وكلنا يعرف سياسات ومواقف دول الخليج, ولكنني اتوقف على سياسة دولة الامارات اثناء الحرب العراقية الايرانية فقد كانت سياسة متوازنة ولم تنجر بعواطفها كما فعل الاخرون وكانت دائما تسعى الى ايجاد حل سلمي ووقف الحرب. فالولايات المتحدة هي المسؤولة عن الاوضاع المتدهورة التي آلت اليها منطقة الخليج العربي, لان هناك مصالح دائمة بين الدول ولا توجد علاقات دائمة, علينا ان نعترف مجردين من العواطف بان عام 1998 ليس هو عام 1991 وان الحكومات والشعوب العربية التي وقفت الى جانب تحرير الكويت عام 1991 عليها ألاتظل اسيرة الماضي, وان المبررات التي استدعى التواجد الدولي عام 1991 ليس لها ما يبررها عام 1998, وهذا باعتراف صانعي القرار في البيت الابيض انفسهم, كما ان الرأي العام العربي الذي وقف مع الكويت ابان الاحتلال, يقف نفس الموقف اليوم مع ابناء الشعب العراقي الذي يعاني المرض والجوع والموت, علينا ان لا نكون اسرى الماضي وان لا نوقف عقارب الساعة او نرجعها للخلف دفاعا عن التواجد الامريكي في المنطقة, نعترف ان هناك ظروفا استدعت التواجد الغربي عام 1991 ولكن الايظل هذا المنطق سائدا الى اليوم, علينا ان نضع المصلحة الوطنية لدولة الامارات ولاجيالنا القادمة فوق اي اعتبار, وان نكون اكثر عقلانية في مناقشة الى اي مدى نحن بحاجة الى مظلة الحماية الامريكية, والا نعيش الوهم الامريكي بان العراق وايران هما العدو الرئيسي لنا الى مالا نهاية. ان مسؤولية امن الخليج ستظل مسؤولية دول المنطقة اولا ومسؤولية عربية ثانية رغم حالة التمزق العربي, فنحن ننحاز بعقلانية الى عروبتنا وانتمائنا العربي, لاننا نعتقد ان المنادين بان الالتزامات الدولية هي اساس امن الخليج يطلبون منا في الخليج العربي بشكل خاص والوطن العربي بشكل عام ان نظل على الدوام حكام وشعوب لاعبي طاولة الزهر, ونترك للتحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة الامريكية لعب الشطرنج!! قسم العلوم السياسية جامعة الامارات العربية المتحدة*

تعليقات

تعليقات