لماذا لا نعلن عن قيام دولة فلسطين في الذكرى الخمسين للتقسيم؟ بقلم- شفيق الحوت - البيان

لماذا لا نعلن عن قيام دولة فلسطين في الذكرى الخمسين للتقسيم؟ بقلم- شفيق الحوت

الخامس عشر من مايو 1998 على مسافة اسابيع, وهو اليوم الذي ستحتفل به اسرائيل بالذكرى الخمسين لقيامها, استنادا لقرار الامم المتحدة رقم 181 الصادر في نوفمبر 1947, والقاضي بتقسم فلسطيني الى دولتين, واحدة عربية فلسطينية واخرى يهودية . الفلسطينيون مخيرون, بهذه المناسبة الخمسينية, بين الممارسة التقليدية في البكاء على الاطلال, واقامة مجالس العزاء ومهرجانات الشتم والتنديد بالقرارات الدولية الجائرة ونعي الضمير العالمي, والكيل بابلغ لسان ضد الصهيونية والاستعمارين القديم والجديد وصولا الى الامبريالية ونظام العولمة الجديد, ثم بالهروب الى الامام برفع شعارات مستحيلة التحقيق مقرونة بتمنيات غيبية وقراءات مغلوطة لحركة التاريخ وقوانين المسيرة الانسانية.. وبين ممارسة ثورية حقيقية لفكر عقلاني تلتمس تحركا عمليا مجديا, قد يكون متواضعا في شعاراته, ولكنها ممكنة التحقيق, وتضع القدم على الطريق لتحقيق مايبدو اليوم مستحيلات وهو فعلا مستحيل. في اطار تحرك من هذا النوع, نقترح على ياسر عرفات, بصفته رئىسا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية, ان يغتنم هذه المناسبة التاريخية, لتكريس القرار الذي اتخذه المجلس الوطني الفلسطيني في دورته التاسعة عشرة بالجزائر, في نوفمبر 1989 المعروف بــ (اعلان( الاستقلال) , واعتبار الخامس من مايو سنة 1998 يوم تطبيق هذا الاعلان وولادة الدولة الفلسطينية المستقلة فوق جميع الاراضي الفلسطينية التي تم احتلالها في حرب يونيو 1967. وليحدث, بعد ذلك ما يحدث! قد يبدو مثل هذا الاقتراح وكأنه صادر عن عاطفة اما مغالية في يأسها او مغالية في تفاؤلها دون اي استناد الى حسابات مدروسة! فلننظر, بعين العقل, اذا ما كان الامر كذلك, ولندرس حساب الربح والخسارة في الاقدام على مثل هذه الخطوة. لنفترض ان نتانياهو مارس تهديده, كما ورد على لسانه اكثر من مرة, واقدم على الغاء اتفاقية اوسلو من جانب واحد, فماذا سيترتب على ذلك؟ وأبادر للقول: يا ليته يفعل. لانه بذلك يقدم لنا هديتين دفعة واحدة. الاولى هي اعفاؤنا من مهمة نضالية لم نستطع انجازها حتى الان, اي الغاء هذه الاتفاقية والتخلص من شروطها المملاة علينا من دون ان يعتب علينا او يحاسبنا اي طرف ثالث, اما الثانية فهي اعادة القضية الفلسطينية الى وضعها القانوني الذي كانت عليه قبل التوقيع, واخضاع العلاقات الفلسطينية الاسرائىلية الى الاحكام والمواثيق الدولية التي تضبط العلاقات بين سلطات الاحتلال والشعوب المحتلة اراضيها, وهو مالم يعد عليه الحال بعد توقيع الاتفاقية, ولابد من التنويه بان الغاء الاتفاقية ــ الام من شأنه الغاء ما ترتب عليها من اتفاقيات جانبية مثل تلك التي تم التوقيع عليها في القاهرة وباريس وطابا والخليل وغيرها. وهي كلها اتفاقيات مجحفة ومرفوضة. ومما لاشك فيه ان من شأن هذا الالغاء ان يلغي معه مسيرة التطبيع العربي ــ الاسرائىلي التي شهدناها اثر التوقيع على الاتفاقية وكشفت من ضمن ماكشفت, بعض المواقف الحقيقية لبعض الانظمة العربية التي هرولت صوب تل ابيب دبلوماسيا واقتصاديا وامنيا وثقافيا. وهذا بحد ذاته نصر كبير لانه يطيح بواحد من اهم الانجازات الايجابية التي حصدتها تل ابيب من اتفاقية اوسلو. ان اقدام اسرائيل على الغاء اتفاقية اوسلو, كرد فعل على اعلان قيام الدولة الفلسطينية فوق الاراضي المحتلة سنة 1967, قد يضعنا امام احتمالين, سيقرر الموقف الدولي ايهما اكثر رجحانا. الاول, العودة مرة اخرى الى مائدة المفاوضات وفق شروط جديدة لنا حق رفضها ان لم تكن ملبية للمبادىء والاسس التي تقر بحقوقنا المشروعة كما سبق للمجتمع الدولي ان اقرب بها, واما.. الثاني, العودة الى ميدان الصراع المفتوح على كل الوسائل المشروعة لمقاومة الاحتلال, بما في ذلك الكفاح المسلح, وايضا وفق ما اقر به المجتمع الدولي لنا ولغيرنا من الشعوب المقهورة. ويكون ذلك بمثابة اعلان عن بداية خمسين سنة جديدة من مكافحة الصهيونية ومحاربة الاحتلال. وبغض النظر عن رجحان اي من الاحتمالين, فان القيادة الفلسطينية ستلقى دعما شاملا من شعب فلسطين وجماهير امته العربية, وسينعكس ذلك ايجابيا على مجمل العلاقات بين الدول والحركات العربية المناهضة للتبعية والاستسلام وسينهض بالأجواء القومية من حفرة الاحباط الى شواطىء الامل بتحقيق اهدافنا القومية بالحرية والتقدم. قد يتهم هذا السيناريو والصورة التي يعكسها بانه من وحي التمنيات او الرؤية المتفائلة, فماذا يرى المتشائمون ومن استسلموا (لحتمية) الهزيمة ونظرية ليس بالامكان ابدع مما كان؟ اكاد ارى صرخات البعض قبل ان اسمع محتواها, تتهم هذا الاقتراح بانه استدراج لعودة الاحتلال كما كان عليه قبل الاتفاقية. وأسأل بكل الهدوء: ــ وهل تم اي انسحاب, اصلا, لجيش الاحتلال حتى يعود؟ ان الاحتلال الاسرائىلي لكل شبر من التراب الفلسطيني كان ولايزال كما هو قبل توقيع الاتفاقية, وهو مرشح للبقاء الى الابد. ان كل ما حدث لم يكن سوى خديعة كبرى اسمها اعادة انتشار وليس انسحابا, فحتى المواقع ذات الكثافة السكانية والمسماة بالمناطق (أ) هي مشرعة الابواب باستمرار لقوات الاحتلال في مهلة زمنية لاتتجاوز الدقائق, وبغطاء قانوني تم التوقيع عليه. هذا دون ان ننسى ان هذه المناطق كانت مستعصية باستمرار على القوات المحتلة وكلفة السيطرة عليها مكلفة وباهظة الثمن. نحن لم ننس ما سبق لرابين, وما اعرب عنه مرارا عن رغبتة بالانسحاب الاحادي من قطاع غزة تجنبا لما كان عليه ان يدفعه يوميا. ثم جاءت هذه الاتفاقية لا لتعفي جيش الاحتلال من هذه المهمة البشعة وحسب, وانما لتحمل السلطة الفلسطينية القيام بها ودفع كلفتها من الدم الفلسطيني على طرفي الخندق. صحيح ان هناك نفراً من المستفيدين من الوضع الجديد, لا يتجاوز عددهم الخمسين شخصا ممن يسرحون ويمرحون دون عائق بين الحواجز او على الحدود, وممن باتوا مع الزمن يظنون ان كل الفلسطينيين مثلهم, سوف يخسرون في حالة الغاء الاتفاقية, ولكن ما قيمة هذه الخسارة غير كشف الحقيقة المرة لواقع الاحتلال لجموع ابناء الشعب! لقد آن الاوان لتمزيق هذا الوهب بان حرية الشعوب من حرية قادتها, وطالما ان القادة بخير, فالكل بخير, بل ان التجارب الثورية تكاد تجمع على عكس ذلك. فقادة الثورة الجزائرية التاريخيون كانوا في السجون عندما كانت الثورة مستعرة, وكذلك على مانديلا في جنوب افريقيا. ولم يعد جائزا لشعبنا ان يستمر في وهم الظن وهو يراقب تنقلات قادته واستقبالهم الرسمية على شاشات التلفزيون بانه قد تحرر وليس له سوى المضي في تأييد هذا الوهم. ان المسؤولين في السلطة الفلسطينية يعرفون اكثر من غيرهم انهم ليسوا احرارا, وانهم مقيدون بسلاسل الاتفاقية الى حدود حرمانهم من النطق ببعض ما اصبح من المصطلحات المحرمة. وان اقصى ما هو مسموح لهم, به, عندما يجابهون اعتداءات اسرائىل المتكررة والمتعاظمة يوميا, بانهم يدون في ذلك (ما يهدد مسيرة السلام او ما ينافي بنود الاتفاقية) . هذا في الوقت الذي ارتفعت فيه وتيرة العدوان الصهيوني ــ لفظا وممارسة ــ الى حدود لا سباق عهد لنا بها. فالحديث عن (ارض اسرائىل) والقدس والمقدسات اليهودية وأمن الاسرائىلي والمستوطنات وغير ذلك, كلها من مستجدات ما بعد الاتفافية اي ما بعد احساس الاسرائىليين بانهم قد حققوا ما ارادو ولم يبق للجانب الفلسطيني الا ان يعتذر وينسحب لا من المفاوضات بل من فلسطين. ليعيد انتشارة في المنافي وديار الشتات. وباختصار, ليس لدى من يخشون اقدام نتانياهو على الغاء اتفاقية اوسلو ان يخسروا أكثر مما هم خاسرون. ويبقى السؤال حول موقف واشنطن فيما لو اعلنا عن قيام الدولة؟ والرد بسيط, فهي لن تكون راضية, بل هي اعلنت ذلك سلفا, كعادتها في استباق الاحداث لمصلحة اسرائيل, ولكن ماذا باستطاعة الولايات المتحدة ان تفعل اكثر مما فعلته انحيازا لاسرائىل وظلما لشعب فلسطين؟ من المؤكد انها تستطيع الضغط على القيادة, اما بتذكير بعضهم بايامهم الصعبة عندما كانوا (ارهابيين) او بتنبيه البعض الآخر الى ما يمكن ان يخسروه من مكاسب شخصية تجسدت ارصدة في البنوك أو وكالات تجارية او وجاهة عابرة, ولكنها لن تستطيع المزيد من الضغط على شعب فلسطين, لا داخل الارض المحتلة ولا خارجها. وهنا يكمن السر.. سر معادن الرجال الذين يتصدون لمواقع القيادة وينكشف من هو من فولاذ ومن هو من تنك. ولا نريد ان نستبق الاقدار, وان نحكم على احد, ومازلنا نصر على ان مقاومة شعبنا المستمرة منذ قرن لن تذهب هدرا وان ارواح شهدائنا لن تذهب هباء, وانه لايزال امامنا فسحة لتصحيح مسارنا ومسيرتنا. فليعلن ابو عمار عن قيام الدولة, وليكن ما يكون. انها وقفة عز تستحق وهي وقفة في سبيل الحق ومن أجل الحق امام عدو لا يكل عن الافتراء والعدوان والسعي للمزيد من الافتراء والعدوان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات