مع الناس: بقلم -عبدالحميد أحمد

لا يتصور سمو الشيخ عبدالله بن زايد وزير الاعلام والثقافة ان الجهات المسؤولة عن الثقافة والمعلومات تتحول الى جهات بوليسية تمنع الحصول على المعلومات بحرية , وهو محق طبعا لأنه يعيش عصر ثورة الاتصالات والقنوات الفضائية, لذلك فمن الصعب القيام بمنع الكتب ومنع الحصول على المعلومات المتاحة بكل سهولة. ذلك خلاصة من تصريحات الوزير فيما يتعلق بالرقابة لدى افتتاحه اول امس معرض الكتاب في ابوظبي, وهي خلاصة تعكس اولا رؤية المسؤول الاول عن الاعلام والثقافة في بلدنا وتكشف الانفتاح الذي يكرسه في التعامل مع الثقافة والاعلام معا, وتعكس ثالثا روح العصر الذي نعيش فيه ويتطلب منا قدرا كبيرا من التغيير في الافكار والممارسات القديمة, مع حس في الوقت نفسه بالمسؤولية الذاتية مما سنعود اليه. اما الذي لا يتصوره وزير الاعلام سمو الشيخ عبدالله اليوم, بحكم انتمائه الى جيل شاب من المسؤولين والى عصر الفضاء وثورة المعلومات, فقد كان موجودا لدى أغلب وزارات الاعلام العربية, ان لم نقل كلها, التي كانت تضيق الخناق على الكتاب وتحاصر المعرفة وتجفف منابع المعلومات (لا مجرد خنقها), فكانت النتيجة شحا في الثقافة وقلة في الوعي, على ازمات ثقافية من ازمة النشر والكتاب الى ازمة الثقة بين المثقفين والمفكرين والسلطة وما بينهما من خيبات ثقافية. لذلك كانت ادارات الرقابة في هذه الوزارات هي الأكثر عددا في الموظفين والأكثر عملا ونشاطا, فتحولت معها أغلب الوزارات من جهات مسؤولة عن تنمية الوعي ونشر الثقافة ودعم خطط التنمية والنهضة الى جهات تبتسر الوعي وتحد من انتشار الثقافة وتقلل من اندفاع خطط التنمية, لأنها تحولت الى عمل من اعمال الحراسات الليلية والنهارية معا. فنشرات الاخبار عليها رقابة, والمسرح عليه رقابة, والكتاب لا يمر عبر الحدود من دون ختم الرقابة, والمجلة موضوعة تحت المجهر, والأفكار تخضع للتحليل والتشخيص, والصحف لا تصدر الا بعد ان تمر على الرقيب, وبما ان مهام الرقيب كثرت فقد كبر معها المقص فصار يطال ما يستحق القطع وما لا يستحق معا. غير ان تلك مرحلة لها ظروفها السياسية والاجتماعية مرت بخيرها وشرها لولا ان بعض وزارات الاعلام العربية لم تع بعد ان الزمن تغير وان الرقابة لم تعد ممكنة عمليا, فتحتاج مثل هذه الوزارات الى مسؤولين عليها من عصرنا, كالشيخ عبدالله بن زايد, الذي يفهم ان الرقابة مستحيلة اليوم, كما ان الحصول على المعلومات والثقافة هو حق للمواطن لا يمكن حجبهما عنه, وفي الوقت نفسه حدودنا من هذا الحق الذي ينبغي ألا يؤدي الى قطيعة مع ديننا وتراثنا وعاداتنا, اي مع هويتنا وثقافتنا وخصوصيات شخصيتنا, مما يدخل في المسؤولية الذاتية التي نختم بها. هذه المسؤولية لا تلغي دور الرقابة تماما, وانما ترشده وتطور اساليبه نسبة لتطور وسائل وقنوات الاتصال, وتنقل مسؤولية الرقابة من كاهل جهات رسمية كوزارة الاعلام الى الافراد والمواطنين انفسهم, الذين عليهم اختيار ما يفيدهم وينفعهم ويخدم مجتمعهم ورفض ما هو بخلاف ذلك, لانه لا احد منا يرضى بثقافات ضارة وبحقها في الانتشار, فيتطلب ذلك الوعي اولا ونشر المزيد من الثقافات المفيدة والجادة والترفيه البريء ثانيا, مقابل الكم الهائل من الثقافات الرديئة والتسلية الضارة, وهو دور يقع مرة اخرى على الجهات الاعلامية العربية بصفتها جهات توعية وتثقيف هذه المرة, لا بصفتها الرقيب كما كانت سابقا.

تعليقات

تعليقات