الحصار حول نوعين من الحدود: بقلم- شفيق الحوت

الكثير الذي قيل في تفسير وتبرير الحصار الامريكي للعراق, وبعضه منطقي وبعضه الآخر مفتعل, بقي عاجزا عن النفاذ إلى لب الحقيقة في فهم الهدف الامريكي . وليس الحصار بدعة جديدة في السياسة الامريكية, فهي صاحبة تاريخ حافل باتخاذ مثل هذا الاجراء ضد الدول والشعوب. لكن البدعة المستحدثة هي في لجوء الولايات المتحدة الى غطاء دولي لتمرير مثل هذه السياسة وتحميل المجتمع الدولي, ممثلا بمجلس الامن الدولي مسؤوليتها. وما كان للادارة الامريكية ان تنجح في ذلك لولا انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان دائم التأهب لاستعمال حق النقض, لعدم توفير مثل هذا الغطاء, والذي كان يملك القدرة الميدانية على مجابهة اي تفرد امريكي, بشكل مباشر او عبر احد حلفائه من الدول أو من حركات التحرر الوطنية المنتشرة آنذاك في القارات الثلاث, افريقيا وآسيا وامريكا اللاتينية. وقد استطاعت موسكو أيام عزها, عندما كانت عاصمة الدولة الاعظم الثانية, ان تخفف من آثار أي حصار فرضته الادارة الامريكية على العديد من الدول بتمكينها من الصمود عقودا من الزمن دون ان تنصاع للمطالب الامريكية, وبمساعدتها على فرض وجودها وفق خياراتها الايديولوجية والسياسية. فمثل هذا حدث في الصين والفيتنام وفي كوريا وفي كوبا وفي الشرق الاوسط وفي القارة الافريقية. الآن: بعد زوال المعسكر الاشتراكي وتحول الاتحاد السوفييتي الى دول مستقلة, فان روسيا الاتحادية لم تعد بالطبع قادرة على ممارسة دورها السابق وهي بالكاد تحاول الاحتفاظ بمكانتها كدولة عظمى او استعادة هذه المكانة. ولذلك, استردت سياسة الحصار الامريكية فاعليتها وخطورتها, باغتصاب الغطاء الدولي لها, وتغييب القوة القادرة على مناهضتها ميدانيا. وهذا ما اسبغ على الرئيس كلينتون شجاعة لم يسبقه اليها اي رئيس امريكي من قبله, عندما قال ان (لا) روسيا لم تعد بوزن لائها السابقة, تعقيبا على تصريحات الرئيس بوريس يلتسين. وليس في الأفق ما يشير الى اي استعداد امريكي للتراجع عن هذه السياسة الحضارية التي تعتبر ذروة الارهاب الدولية, واتضح ذلك جليا في ردود فعل واشنطن على دعوة البابا لرفع الحصار عن كوبا خلال زيارته للجزيرة المحاصرة منذ اثنين وثلاثين سنة. ولعل ما شاهدناه في الايام الماضية من مغالاة امريكية بالنسبة لازمة العراق, جاء في قسمه اكبر موجها الى الدول الاوروبية وروسيا والصين وحتى الفاتيكان, اكثر مما هو موجه الى بغداد بالذات. واشنطن في سياستها الدولية الراهنة, شأن تل ابيب في سياستها الاقليمية, لا تسمح لاحد مناقشة قراراتها او مجابهة سياساتها, وعلى الدنيا, دولا وحكومات وشعوبا أن تعلم بأنه ليس امامها من سبيل غير التأقلم على هذه الحقيقة. قلنا في بداية هذا الحديث ان الكثير قد قيل في تفسير او تبرير الموقف الامريكي من العراق, وان بعضه منطقي, بمعنى انه قابل للمرور في السياق السياسي الذي نجم عن حرب الخليج الثانية وضرورة تنفيذ قرار مجلس الامن. ولم نجد دولة عربية واحدة, بل اية دولة على الاطلاق, لم تقر بهذا التبرير وان حاول البعض ان يقرن ذلك بالاشارة الى الكيل الامريكي بمكيالين, خصوصا عندما يتعلق الامر بقرارات دولية تمس مصلحة اسرائيل. اما غير المنطقي والمفتعل فيما قيل لتبرير السياسة الامريكية بالنسبة للعراق هو ذاك التهويل حول قدرات بغداد لتدمير تل ابيب ولاقتنائها لاسلحة الابادة الشاملة وغير ذلك مما يؤكد العديد من الخبراء العسكريين في العالم انه حديث نفاق والوقائع تؤكد كذبه. اذن, ماهو لب الحقيقة في الموقف الامريكي, غير ذلك الذي سبقت الاشارة اليه, اي لفت كل الدول الى ضرورة معرفة مكانتها في ظل النظام الامريكي الجديد بمن فيها اوروبا أو غيرها من الدول! اعتقد ان سياسة الحصار الراهنة بالنسبة للعراق, وليبيا, والسودان, و.. من يدري من سيكون غدا من دول العرب, ليست سوى جزئية من استراتيجية الامبريالية التقليدية والقديمة, التي تقول بعدم السماح للعرب بان يتمكنوا في أية مرحلة مستقبلية من القدرة على الدفاع عن وجودهم وفق خيارات حرة لسياساتهم او عقائدهم. ولو استذكرنا مسيرة هذه الامة منذ بداية هذا القرن, ومحاولاتها المستمرة لتحقيق شعارها التاريخي بالحرية والوحدة والتقدم, نجد ان التحالف الاستعماري الصهيوني كان باستمرار يحارب هذا التوجه متلمسا كل الاعذار والذرائع, مستعملا كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة. وكلنا يستذكر ان العرب, نشدوا الوحدة فيما بينهم, ايمانا منهم أنها السبيل الاكثر ضمانة لتحقيق حريتهم وللنهوض بتنمية مواردهم وتطوير مجتمعاتهم. لذلك والى ان كانت نكسة ,19967 كانت السياسة الاستعمارية المتعاقبة تقف حائلا دون تمكن النضال العربي من التحرك افقيا, أي في اتجاه الحدود التي رسمها سايكس وبيكو, وتمكنت ــ للأسف ــ من تدمير كل المحاولات الثورية وحتى التقليدية لاي مشروع وحدوي, حتى جامعة الدول العربية, والتي كانت اختراعا بريطانيا كبديل لاي مشروع وحدوي, باتت اليوم, بعد خمسين سنة على نشأتها اضعف مما كانت عليه يوم كانت منحصرة بسبعة اعضاء لا أكثر. بعد نكسة 1967 وربما بسبب الاحساس بصعوبة تحقيق المشروع الوحدوي افقيا, اي عن طريق (الكم) استشعرت بعض الدول العربية ضرورة البحث عن ضمانات لبقاء وجودها وتحقيق ازدهارها عن طريق (النوع) فكان البديل في محاولة اختراق الحدود ــ عموما ــ اي داخل القطر الواحد, وربما كان العراق خير مثال على اتباع هذا النهج وان لم يكن الاوحد, فلقد استطاع العراق في العقدين الاخيرين ان ينشىء بنى تحتية في غاية الاهمية من اجل نهضة تقنية وعلمية, كان من الممكن لها لولا عاهة النظام بتفرد رئيسه, ان تبشر بنتائج تؤهل هذا القطر الشقيق لدخول العصر والانسلاخ عن العالم الثالث والاقتراب من مصاف الدول المتقدمة, ومن المؤكد ان للعراق من الامكانيات والموارد الطبيعية ما كان يؤهله للوصول بمشروعه النهضوي الى المستوى المنشود. ولذلك لا يجوز لنا في غمرة الاحباط الذي نحياه والممارسات الخاطئة التي ارتكبها النظام العراقي ولا سيما في اعتدائه على الكويت, ان ننسى ان الغرب واسرائيل بالطبع كانوا قد بدأوا حملة تعبئة هائلة ضد العراق لتبرير ضربه وتدمير مشروعه نهائيا قبل غزو الكويت بأكثر من سنة, ومن سوء الحظ ان بغداد قدمت لأعدائها الذريعة التي كانوا يبحثون عنها على طبق من ذهب بسبب الرعونة بغزو الكويت. اذن فلب الحقيقة في الموقف الامريكي ــ الاسرائيلي الراهن من العراق يستهدف منعه من المضي في مشروعه العمودي لتحقيق نهضته وضمان بقائه, كما يستهدف افهام بقية الدول العربية ان تتنبه سلفا للعبرة وان تدرك بان لتقدمها العمودي ارتفاعا لا يجوز تجاوزه. نوعان من الحدود ممنوع على العرب اجتيازهما, الحدود الجغرافية الفاصلة بين دولة واخرى, وتلك التي تفصل بين ابناء المجتمع في القطر الواحد وتحقيق طفرة علمية تصله بحضارة العصر, هذا ما يجب ان تدركه مصر وسوريا والعربية السعودية وكل دول العرب. واذا استطاع التحالف الامبريالي ــ الصهيوني ان ينجح حتى الآن وربما لأمد بعيد, في ان يحول دون تجاوزنا لحدود سايكس وبيكو, حيث اصبح بقاء هذه الحدود مطلبا وطنيا وقوميا في هذه الايام خشية المزيد من التجزئة والتقسيم كما تنذر الغيوم السوداء في العراق وسوريا ومصر والجزائر والسودان. فهل يستطيع هذا التحالف ان ينجح ايضا في الحيلولة دون الانطلاقة العلمية داخل القطر الواحد؟ اننا لو نظرنا حولنا في كل اقطار العرب ورصدنا ما اصاب حياتنا الثقافية والعلمية وبخاصة هذه الهجرة الكبيرة لخيرة الادمغة العربية (واين؟ الى الغرب بالذات) وراقبنا الخلل الذي سيصيب مجتمعاتنا نتيجة الكثافة في العدد, ندرك ان التحالف الصهيوني ــ الامبريالي قد قطع نصف الطريق الى تحقيق اهدافه, وتصوير تخلفنا وعجزنا عن تطوير حياتنا وكأنه حقيقة قسرية, اي قضاء وقدر لا مرد لهما. الصورة حالكة السواد, ويكاد المواطن العربي ان يسلم بأنه لا فائدة من اي محاولة لرد هذا المصير, هذا صحيح ولكنه يبقى واقعا طارئا وعابرا مهما طال, لانه ضد قوانين الحياة الموضوعية وسنن السلوك الانساني عبر التاريخ والتسليم بهذا الواقع هو نوع من الكفر بكلمات الله التي وضعت هذه القوانين وفرضت هذه السنن ولا مبدل لكلمات الله. والمطلوب ليس معجزة سماوية لان عهد المعجزات قد انتهى, وانما معجزة ارضية هي في حقيقتها ليست معجزة وانما من فطرة الانسان الطبيعية. المطلوب وقفة الانسان العربي مع ذاته, كما يجب ان تكون وقفة الانسان, اي انسان, يجد نفسه مهددا بالانقراض. المطلوب وقفة دفاع عن النفس بدايتها احترام هذه النفس. فلينظر كل مسؤول عربي الى المرآة وليسأل نفسه بصراحة: هل انا حر؟ فان صدق مع نفسه فانه عندئذ يعرف ما يفرضه عليه الواجب... اما جماهيره فهي دوما على استعداد, وتاريخها يشهد على ذلك.

تعليقات

تعليقات