ابجديات: بقلم - عائشة إبراهيم سلطان

بين الابيض والأسود تحتل الرمادية مساحة لا بأس بها, وفي هذه المساحة تتوالد وجوه وشخوص ومواقف. وفي رحلتك اليومية من الابيض الى الاسود تضطر الى قطع تذاكرك احيانا من شخوص المساحات الرمادية, تلك ضرورة احيانا, لكن لا ضرورة تدفعك للركوب معهم في نفس القاطرة . في حياتي كلها كنت اعتقد ـ وما زلت ـ بان الرمادي هو اسوأ الالوان ولذلك فقد اتخذت موقفا نفسيا منه دون ان اشعر, واكتشفت بعد عمر طويل انني لم امتلك يوما قطعة ملابس رمادية, وعرفت السبب في مرحلة الوعي والتمييز. البعض يعتبر الرمادية او منطق اللاأبيض واللاأسود نوعا من الاتزان والوسطية, وأن الحياة لا يمكن احتمالها مع أشخاص لا يتقنون العيش الا في ظل الابيض او في قلب السواد. لا أدري مدى الحكمة في ذلك أو وجه المنطق, ولكنني اظن بان الصواعق والمصائب والاحباطات لا تنهمر علينا ـ يوميا ـ الا من منطقة الظلال أو من اصحاب اللالون. ما يمكن ان يضاعف من غيظك اكثر هم اولئك الذين يمارسون هواية القتال بسيف لا تدري كيف استلوه او عثروا عليه من بقايا فتن التاريخ والحروب القذرة, وما اكثرها. في الماضي, وفي الحاضر, وفي كل الازمان القادمة, وحيث السيف قديم جدا فهو لا يلمع, انه رمادي مثلهم تماما. في زمن اليوم الذي يصنعنا قبل ان نصنعه, فان السيوف كثيرة, والساحات لا حصر لها, والفرسان يرتدون نبل فرسان التاريخ تحت القمصان الراقية, وعند اللزوم يمكن ان يجعلوه ربطة عنق فاخرة. تتماشى مع الديكور العام لساحات القتال المخملية. كم وجها في زحام اليوم, تمقته وتود لو أطبقت بيديك على عنق صاحبه, وكم شخصا يرفع المصحف على سن الرمح يظن بأنه اعتقلك في الابهار والتقديس, دون ان يلتفت اليك ليعرف اي عبارة تردد خلفه, وليعرف اكثر بأن زمن الرماح قد انتهى وان معارك الباطل ودعاوى الكذب مستمرة. كم وجها وكم لسانا تخاطب في يومك, فتظن ان نهاية العالم قد قربت, وان الجمال قد رفع من القلوب فما عادت الارض تحمل منه شيئا, واذا لم تتدارك البقية الباقية من يقينك لقذفت بنفسك في اقرب هاوية واسترحت, يقينك تجده في اصحاب الأمل الذين يوقنون بأن طيور الظلام, لا تنعق في النور ابدا, وأن الفروسية الاصطناعية مثل العطور النفاذة سريعة التطاير, ما أسرع ما تظهر السؤات سريعا في زماننا رغم هذا التقدم الهائل في جراحة التجميل ومساحيق الجمال.

تعليقات

تعليقات