قراءة في أحداث العالم: الجزائر: دين ودولة: يكتبها- ميشال جوبير

في حين تتواصل مأساة الجزائر الطويلة تتحدى كل التوقعات والحسابات فان الرغبة في فهم ما يجري تتجاوز حيرة العواطف, وقد رأينا المؤرخين , وهم الذين تعودوا على تحليل تعاقب الاحقاب اكثر مما تعودوا على تعداد الفواجع, رأيناهم امام الأنموذج الجزائري يبحثون عن تفسير للمأساة في نسيج المجتمعات البشرية كلها. فحينما يتأملون الدين الاسلامي يجدون بسهولة اسرار شيوع الاتجاهات الاسلامية كاحدى المكونات الرئيسة للدول العربية, حيث تستلهم الانظمة الحاكمة بعض قواعد تنظيم الحياة دينيا أو قانونيا, فمقولة (دين ودولة) تجعل هذين العنصرين رفيقين متلازمين في طريق الشعوب, بل ويتداولان صنع القوانين في غياب توازن منشود بين الوحي القرآني والممارسة السياسية, وتشهد القرون على عدم التناسق, بل ان الدول العربية الراهنة عايشت هذه الظاهرة ولم ترفضها علانية. فقد اضطر الاصوليون والمعتدلون للتعايش في سبيل الله حتى ولو فسروا الشريعة كل من منظوره وكل حسب توجهاته. وقد كان الاسلام منتشرا في كثير من اصقاع الارض, اما اليوم فالشعور السائد هو انه محاصر من كل الجهات, وبظواهر تقدم امم اخرى, وتأتي ردود افعاله احيانا بالالتفات إلى ماضيه المجيد, بعهوده الزاهرة وينابيعه الصافية, ولكن الاسلام يبدو منقسما في كل عاصمة عربية بين السلطة ومعارضيها, كأنما لا السلطة ولا المعارضة يمكنهما ان توجدا بدون تحديد الموقف من الدين. ففي الجزائر والقاهرة والرباط وعمان والرياض وبغداد تستلهم الدولة شرعيتها من الاسلام, ويظل الاسلاميون ـ الذين يناصرون السلطة والذين يعارضونها ــ منقسمين أو متفقين حسب سيناريوهات بعيدة كل البعد عن اناشيد الديمقراطية الحديثة, مما يوحي بأن اسلاميين السلطة المعتدلين يحتلون مواقع في الدولة, ان كانوا لا يراقبونها تماما, في حين يبقى الاسلاميون الرافضون خارج الدولة, يحاولون الامساك بالدولة بدورهم, اما الجماهير العريضة ــ في المدن والارياف ــ فهي إلى جانب الطبقات الوسطى الشعبية تمد الحاكم بدعمها حينا وتهدده بمظاهراتها حينا ثانيا حسب تفسير ما للدين وحسب الوضع السياسي والاقتصادي القائم. ويبدو ان الجزائر لا تقبل ان نشفق عليها ولا حتى ان تكون مصدر انشغال حثيث, وهذا ضرب من ضروب (الكبرياء) , الغامضة التي يتقاسمها الفرقاء المتخاصمون بشراسة من اجل الحفاظ على الحكم أو الحصول على الحكم, ولهذا السبب فان الحرب الاهلية مرشحة للتواصل وجهود المصالحة مرشحة للضياع, تلك الجهود المرفوضة اساسا من الجانبين كتحكيم ممكن ولذلك تحولت الجهود إلى نوع من انواع الدعاية لهذا الجانب أو ذاك. فأوروبا التي احتكت بالشأن الجزائري على الصعيد الوزاري ثم على الصعيد البرلماني لم تجن الا الخيبات المتكررة أو توظيفها لخدمة اهداف النظام الجزائري, فالوفد البرلماني اعتمد (اخراجا مسرحيا) مبالغا فيه وتوخى انحيازا واضحا لطروحات الحكومة الجزائرية بصفة مكشوفة إلى درجة ان زيارته استعملت كاعلان اشهاري رخيص, وماذا يمكن ان نقول في شأن اولئك المثقفين المحترمين, سجناء تحاليلهم المبسطة المختصرة وهم يوزعون عبارات التعاطف أو يخفون وجوههم, متجاهلين التاريخ وتفاقم الحرمان وشراسة المصالح التي عصفت بثروات البلاد مما جعل الفضيلة معدودة في خانة القيم الغائبة. ولعلنا ننسى احيانا ان الشعب الجزائري, لم يدخل التاريخ الا وهو متشبث بأرضه ومتمسك بحباله الاطلسية وبصحاريه وبسواحله دون ان تكون له دولة بمعناها (الدولة ــ الامة) بما فيها من تقاليد راسخة على مدى القرون, وقد قرأت تعبيرا عن هذه الحقيقة الرئيسة في آخر عدد من اعداد مجلة (جون افريك) الفرنسية تحت عنوان (الجزائر والبربرية) حيث عقد احد المؤرخين التونسيين مقارنة بين هذين العنصرية, وقبل ذلك لم يهتم احد بالبحث في خبايا التاريخ عن ملابسات الحاضر وفوضى الزمن الراهن ولم يهتم مؤرخ كذلك بتحليل ظاهرة التاريخ الرسمي للجزائر الذي كتب حسب الظروف والمصالح, وقد كتبت في كتابي عن تاريخ (الفندال) عام 1990 قائلا: ان كل مأساة بلاد المغرب الشمال افريقي بدأت في القرن الخامس مسيحي حيث كان المستعمر رومانيا والديانة مسيحية والمحتل قبائل (الفندال) لمدة قرن كامل قبل مجيء البيزنطيين. في الجزائر, يبقى الامل الغامض معلقا في قدرة الاسلام بين دين ودنيا على بناء دولة تجد شرعيتها في الوحي القرآني وممارسة السلطة, وما ابعدنا اليوم عن مشروع يترجم تعاليم الاسلام على الصعيد الثقافي والاجتماعي, وما ابعدنا كذلك عن الشخصيات الزعيمة التي تجمع بين سلطة الأمير وتعفف المؤمن. وزير خارجية فرنسا الأسبق *

تعليقات

تعليقات