أمريكا واسرائيل.. علاقة مشبوهة.. ولكن: بقلم - د. حسن ملحم

روّاد الثورة الامريكية الاوائل كانوا قد اعجبوا بأفكار الدكتور (لوك العظيم) حول العقد الاجتماعي, بيد انه لو كان حيا يرزق في الوقت الحاضر لاعاد للورثة شهادة تقدير مفرغة من كل محتوى.. ومن دون تردد أيضا.. ولو كان جورج واشنطن او ماديسون او هاملتون او جي او لنكولن.. مازالوا على قيد الحياة لسارعوا الى ركوب اول سفينة عائدة الى الشاطىء الشرقي للاطلسي.. ندما. ولو كانت الظروف قد قدرت لامريكا ان تصبح (ملكية) على غرار الملكية الام في بريطانيا.. لسقط النظام ان لم نقل بأن الام تحاول التنصل والتبرؤ من ابن ضال يدعى اليوم (امريكا) على الاقل لخيبة أملها في (حقوق انسان) لم يعد فيه من الانسانية شيء.. حتى لو ابدت استعدادها لشن حروب تأديبية او فرض عقوبات جائرة ضد دول تتهما بأنها دول منتهكة لها. ان امريكا اليوم, في قضايا حقوق الانسان وكأنها تناطح (طواحين هواء) صنعتها لنفسها بنفسها, نصبتها في شكل أفخاخ.. فكانت أول من وقع فهيا, الى جانب مجموعة من (السذج) بلا أصل, ولا هوية ولا تاريخ.. سام لويس, سفير امريكا في تل ابيب بين اعوام 1967 ـ 1985 وانطلاقا من انه قد قضى فيها عمرا, يؤكد تطابق المصالح المصيرية بين بلاده واسرائيل, وباعتباره وفيا لـ(العشرة) فهو في مطلع سبتمبر 1997 يتساءل.. وبكل خيلاء: كيف يمكن لاكبر دولتين يهوديتين في العالم, وهو يعني بذلك اسرائيل وامريكا طبعا, ان ترعيا الحلف غير المكتوب بينهما؟ اسرائيل قد لا تبتئس من التميز بنجمة اضافية فوق العلم الامريكي الا انها في الحقيقة اكبر من هذا (الشرف) خاصة وانها تستلم مساعدات مجانية سنوية, تزيد على 10% من مجموع الدخل القومي للولايات المتحدة الامريكية.. أي ما يتجاوز بكثير أي مساعدات تستلمها.. لا ولاية امريكية واحدة بل حفنة من الولايات في آن واحد. فلماذا يجب ان نصف تساؤلات سام لويس بالمبالغة.. أو حتى الغباء خاصة وان معظم الامريكيين يطرحون التساؤل ذاته؟! في أواخر عام 1994 قيل بأن رونالد ريجان قد اصيب بمرض (الزهايمر) او مرض الشيخوخة المؤدي الى فقدان الذاكرة.. بيد أن ورثته لم ينسوا فلسفته بشأن المنافسة الحرة التي يجب ان تقرر كل شيء.. وبموجبها فان الاقدر الذي يلحق هزيمة بمنافسيه في الاسواق هو الاجدر بالبقاء.. ليجني ثمار مخاطراته بلا حدود. هذه الحقيقة التي تطبقها امريكا حتى في السياسة, ولانها الاقوى عسكريا فأنها تلحق الهزائم بمنافسيها.. بحرب او من دون حرب ـ ولقد جرب الهزيمة في هذا الصدد بعض منافسيها من الحلفاء والاعداء معا, وعلى مستوى الشرق الاوسط عامة والعالم العربي خاصة اذ ان امركيا ما زالت تجني ثمار حرب الخليج. فلسفة بلا سند ولا منطق, تشجع على تطبيق قانون الغابة, في سباق جهنمي نحو الهيمنة. وكأن العظمة (أبدية) وكأن البشر لن تصدعهم فاجعة الموت! فلسفة فردية متفردة.. مطلقة, تنطلق من معايير متناقضة لتصب في مستنقعات من الهوس الاستراتيجي, تحركها آليات (نزعية) لا تعترف بغير المصلحة المهيمنة.. تفصّل لذاتها عوالم اذعانية الى الدرجة التي انقلب فيها المجتمع الدولي المعاصر الى بؤرة من الافساد.. المستندة الى (شرعية الاقوى) , الذي لم يعد يتردد بالافصاح عن توجهاته العدوانية ضد المتمردين.. حتى لو كانت شعوب الارض بأسرها. مجريات الاحداث قد باتت تؤكد بأن بين امريكا واسرائيل ما هو غير موجود بين امريكا او احد آخر من حلفائها.. تقليديين كانوا أم من الجدد. فعلى سبيل المثال فقط ان امريكا قد اثبتت بفعل التجربة العملية ايضا لا النظرية بأنها على استعداد لان تبيع الشرق الاوسط بكل ما فيه.. من اجل اسرائيل, او حتى ارضاء لنتانياهو على اساس ان اسرائيل هي نتانياهو ونتانياهو هو اسرائيل, وكل من يحاول التفريق بينه وبين اخرين من المسؤولين في تل ابيب, من عمل او ليكود.. انما هو كمن يحاول القفز بين امريكا واسرائيل. هنري كيسنجر كان اول امريكي غير امريكي المولد يتولى منصب وزارة الخارجية, الا ان ادارة الرئيس كلينتون تبقى الاكثر يهودية مقارنة مع كل ادارة سبقتها, ولعل هذا السبب هو الذي جعل منها ادارة غير قادرة على الوفاء بكافة التزاماتها.. وتجاه مسيرة السلام على الاخص, ربما أو ربما لان اسرائيل هي التي تمثل الطرف الاخر. بعد الحرب العالمية الثانية سقطت نظرية روزفلت في الامن الجماعي, الا ان الحرب الباردة قد دفعت بأمريكا الى اختراع مبدأ الاحتواء الذي قد تكرس اصلا لاحباط توسعات الشيوعية, وحيث ان الامبراطورية الماركسية قد انهارت فان المبدأ قد انتقل (رسميا) الى الشرق الاوسط.. لاحتواء البلدان العربية الاشد عدوانية لاسرائيل, او بالاحرى لاحتواء كل بلد في المنطقة لم تنخدع بلعبة السلام. جورج بوش كان قد اشرف بكل مهارة على عملية تفسخ امبراطورية الشر, ليبدأ في التنسيق لعملية الانهيار القومي في العالم العربي, بيد ان شعبه الامريكي قد خذل له بطولاته التعويضية في حرب الخليج عن نكسات حرب فيتنام.. وجاء بيل كلينتون فتعهد بعدم فضح آمال اسرائيل في المبتغى, ولقد وفي بالعهد حتى الان الى ان استعصى علينا التفريق احيانا بين صن^اع القرار في واشنطن وصنّاع القرار في تل أبيب. وهكذا فان نجاحات ادارة بيل كلينتون ليست في اوروبا ولا في امريكا اللاتينية ولا حتى في جنوب شرق اسيا او افريقيا.. ان نجاحات كلينتون تقاس بمدى الخدمات التي قدمتها ادارته لاسرائيل. والحكم هو الكونجرس.. ولم لا يكون نتانياهو شخصيا؟ آل جور عندما يقول بان امريكا مع اسرائيل قلبا وقالبا فإنه يقصد ما يقول.. والامر قد لا يرتبط بأهداف انتخابية. ومارتن انديك عندما يتساءل عن السبب الذي دفع باسرائيل الى التوقيع على اتفاقيات اوسلو.. واصفا اياها بأنها تشكل عملية انتحارية بالنسبة لامنها فانه ايضا يقصد ما يقول.. والامر لا يرتبط لا بتصرحيات دبلوماسية بوصفه سفيرا سابقا لامريكا في تل ابيب, ولا ردا على اساس ان بلاده لم تشارك في مفاوضات اوسلو رغم ان التوقيع على الاتفاقيات قد تم برعاية بيل كلينتون, وفي حفل بهيج شهدته حديقة البيت الابيض والعالم أجمع. مارتن انديك الذي اصبح مسؤولا عن الشرق الاوسط وشمال افريقيا في خارجية امريكا, أي مسؤولا عن العرب, يعتبر بلاده خط الدفاع الثاني للجيش الاسرائيلي الذي يمثل حسب زعمه خط الدفاع الاول رغم ان التجربة قد اثببت لنا العكس مرارا. وبما ان حلم اوسلو قد تحوّل الى كابوس, نقلا عن مارتن انديك دائما, فان هذا التفسير قد يشرح (عثرة) امريكا مع العرب, فامريكا تفي بكل التزاماتها لاسرائيل ولا تفي بشيء منها للعرب.. هذا ان نحن قبلنا بأنها قد التزمت بشيء ما تجاههم. لماذا كل هذا النزق الامريكي تجاه اسرائيل, تساؤل قد لا يجب الرد عليه سياسيا ولا استراتيجيا بقدر ما يجب الرد عليه (لاهوتيا) على اساس ان (التزاوج) بين الطرفين قد لا يكون بروتستنتيا بقدر ما هو توراتي, اي ان اليهودي لا يرتبط بغير يهوديته وبالعكس, تزاوج ممنوع فيه الطلاق ومحرم فيه حتى التفريق بين الاجساد. حيث بناء على هذه الحقيقة وانطلاقا منها ايضا يجب ان لا يأمل العرب بـ(ادارة) رأس الدولة العظمى التي يبدو من سلوكياتها انها قد (باعت) نفسها لاسرائيل, بلا ثمن.. ومن دون مقابل, ولم لا وهي التي درجت على استلام المقابل من العرب أنفسهم. حتى اليوم فقد تحمل العرب مصاعب ونكبات.. وانتقادات لا حصر لها من الداخل والخارج في سبيل اقامة علاقات (أفضل) مع الولايات المتحدة الامريكية, في الوقت الذي تظل فيه هذه الاخيرة مستمرة في التفاتتها نحو اسرائيل التي لا تتورع في هذا السياق عن اظهار كل اساليب التحدي والعنجهية.. بل وحتى الاهانة تجاه شعب امريكا وتجاه ادارتها معا وخاصة عندما تتأخر هذه الاخيرة في تلبية طلبات الابتزاز.. علاقة مشبوهة ومع ذلك تبقى قائمة.. ولن يتمكن العرب من التشكيك فيها, ومن باب السخرية القول بفضحها لانها مفضوحة اصلا ولم تعد تحتاج الى شروحات اكثر. تلك هي امريكا وتلك هي اسرائيل, وتلك هي امريكا مع اسرائيل, وتلك هي امريكا مع العرب.. لوحة بوجهين متناقضين لا نظن ان مجرد (التفاؤل) باضاءتها سينجح يوما في التعديل بطبيعة العلاقة المشبوهة. كاتب سوري *

تعليقات

تعليقات