حوار الطرشان: بقلم- رياض أبوملحم

من الملاحظ ان الجدل الدائر حول مهمة المفتشين الدوليين في العراق تحول في الايام الاخير ة إلى نوع من (حوار الطرشان) بين الاطراف المعنية بالأزمة الراهنة, ففضلا عن العناصر الفنية التي ينطوي عليها هذا الموضوع, كذلك الاعتبارات الشكلية المرتبطة بتشكيل فرق التفتيش ثم دخول بعض المواقع (السيادية) وتفتيشها بصورة آلية ومستمرة, يبرز عامل رئيسي يتعذر تجاهله وهو يتعلق بانعدام الثقة على طرفي المعادلة التي تتشكل منها الازمة: الادارة الامريكية من جهة, والحكومة العراقية من الجهة الاخرى. ففي الجهة الاولى, وانطلاقا من السياسات التي تطبقها الولايات المتحدة بصفة دائمة تجاه الدول العربية, خصوصا ما يتعلق بالصراع العربي ـ الاسرائيلي وبالحقوق العربية في صورة عامة, ليست هناك ما يمكن ان يحمل على الاعتقاد بأن الادارة الامريكية صادقة في ادعائها بان ما تريده فعلا هو تطبيق القرارات الدولية وحمل الحكومة العراقية على التقيد بنصوصها وموجباتها, حتى اذا نفذ العراق هذا الالتزام هل تتوقف العقوبات التي تستهدفه ويرفع الحصار عنه؟ ان مثل هذه القناعة غير موجودة لا لدى العراق, ولا لدى الدول العربية, ولا لدى معظم دول العالم المهتمة بالازمة, وليس ادل على ذلك من وجود عشرات القرارات الدولية المتعلقة بهذه الدول أو تلك, لاسيما اسرائيل, لم يتم تنفيذها حتى الان, لا كليا ولا جزئيا, لا بالحسنى ولا بالقوة, ومن هنا يصبح الكلام على تطبيق قرارات مجلس الامن الدولي الصادرة في عام 1991, كهدف وحيد للحملة الامريكية الحالية, امرا مشكوكا فيه إلى حد اعتباره مجرد ذريعة لتحقيق اهداف اخرى تختلف الآراء والتقديرات حول ماهيتها بالتحديد, وان يكن من المتفق عليه انها تدخل ضمن الاستراتيجية الامريكية الرامية إلى تأكيد وحدانية المرجعية التي تمثلها الولايات المتحدة بالنسبة لجميع الاطراف على السواء, البعيدة منها والقريبة, وما يستتبع ذلك من احتكار للمصالح على مختلف اشكالها ومستوياتها. وفي الجهة الاخرى تتحول قضية تفتيش بعض المواقع العراقية داخل العراق, بحثا عما يعتقد انه اسلحة محظورة لم يجر التصريح عنها حتى الآن, إلى ما يسميه البعض (ورقة مساومة) تلعبها الحكومة العراقية بهدف انتزاع قرار دولي ـ وامريكي خصوصا ـ برفع العقوبات عن بغداد, ونظرا لافتقاد المعلومات الدقيقة حول حقيقة ما يمتلكه العراق من اسلحة محظورة, تقليدية أو غير تقليدية, بعد سبع سنوات على عمل فرق التفتيش الدولية, يتحول هذا الجانب من الموضوع إلى لغز محير, اذ بينما تنشر المصادر الامريكية والبريطانية والاسرائيلية, ومعها فرق التفتيش الدولية, روايات كثيرة عنها ترفعها إلى مستوى التهديد بالابادة الشاملة للبشرية كلها (حسب تعبير وزير الدفاع الامريكي وليم كوهين) تنكر المصادر الرسمية العراقية وجودها كليا وتؤكد ان كل ما كان العراق يمتلكه من اسلحة غير تقليدية جرى تدميره بالكامل خلال السنوات الماضية, كما انه لم يعد يملك صواريخ بعيدة المدى, وبالتالي فانه ما عاد يشكل اي تهديد لا لجيرانه ولا لأية دولة اخرى. ووسط هذا التضارب في المعلومات والآراء والتقديرات والمواقف يتولد سؤال جوهري حول ما اذا كان (الظن) بوجود اسلحة محظورة لم تشملها عملية التدمير المبرمجة حتى الان, يستحق الحملة العسكرية الواسعة التي تعدها واشنطن حاليا بالتعاون مع بعض حلافائها, لاسيما بريطانيا؟ وماذا سيحدث في حال وجود مخازن فعلية لاسلحة غير تقليدية, كما تدعي واشنطن, اذا جرى تفجيرها بواسطة الاسلحة المتطورة التي سيجري استخدامها في الضربة العسكرية المرتقبة؟. وايا يكن الجواب على هذه التساؤلات المحورية فان الدول العربية, ازاء تفاقم الازمة الراهنة واحتمال تطورها إلى مواجهة عسكرية مدمرة سيكون الشعب العراقي ضحيتها, مطالبة بان لا تتخلى عن دورها الاساسي والطبيعي في البحث عن حل جذري للمشكلة العراقية, فضلا عن السعي الحثيث لمنع وقوع الحرب المحتملة. لقد بدا من خلال بعض ردود الفعل العربية الرسمية ان ثمة اتجاها للتخلي عن المحاولات التي كانت تبذلها لايجاد حل دبلوماسي للازمة, وذلك تحت تأثير الاستياء من مطالبة الحكومة العراقية بادخال تعديلات على شروط عمل فرق التفتيش الدولية, بما يجعل الحكم العراقي مسؤولا عن النتائج المحتملة للضربة العسكرية. وإلى جانب ان موقفها هذا يعتبر تخليا عن مسؤولياتها التاريخية, فهو سيشجع الادارة الامريكية على التمسك بخيارها العسكري واخفاء نوع من الشرعية عليه, في حين ينبغي مواصلة التأكيد على رفض المعايير الامريكية المزدوجة في التعامل مع المشكلات العالمية, لاسيما فيما يتعلق بتطبيق القرارات الدولية. ويزيد من خطورة هذا التراجع المبكر اتخاذ امين عام الامم المتحدة كوفي عنان خطوة مماثلة حيث الغى خططه الرامية لزيارة المنطقة وبذل مساع جدية لنزع فتيل الازمة وتجنيب المنطقة حربا جديدة, ويتفق المراقبون على ان موقف عنان يعتبر تخليا عن مسؤوليات المنظمة الدولية, كما سيؤدي الى تمكين الولايات المتحدة من الانفراد بالساحة الدولية, وهو ما كانت واشنطن تسعى اليه في حقيقة الامر لتصبح اللاعب الوحيد على المستوى العالمي وصاحبة القرار الاول والاخير. لقد ادركت الادارة الامريكية انها غير قادرة على استصدار قرار من مجلس الامن يفوض اليها امر توجيه ضربة عسكرية إلى العراق بسبب تهديد موسكو باستخدام حق النقض (الفيتو) ضد هذا القرار, ولذلك فان تراجع امين عام الامم المتحدة عن القيام بدور رئيسي في معالجة الازمة يخدم واشنطن ويترك لها حرية التصرف بعيدا عن اي رقابة دولية, وهو ما ينبغي التوقف عنده مليا واعادة تقييمه في اطار المعطيات الخاصة بالحدث الخطير الذي تواجهه المنطقة اليوم. وعلى ذلك فان الدول العربية تصبح مطالبة, ليس فقط بعدم التنازل عن دورها في معالجة المشكلة وانما ايضا بدعوة امين عام الامم المتحدة إلى اتخاذ موقف مماثل, فالولايات المتحدة تتصرف وكأن الحرب هي الخيار الوحيد المتاح امامها, في حين ان من واجب الامم المتحدة ومعها الدول العربية, اثبات العكس, عن طريق جهود عينية مبذولة. فالعملية العسكرية الامريكية لا تهدد نظام الحكم القادم في العراق فقط, بل هي تعرض وحدة هذا البلد العربي لخطر حقيقي, فضلا عن المعاناة المستمرة لشعبه في ظل الحصار المضروب عليه منذ سبع سنوات, ولعل مهمة انقاذ العراق, شعبا ومصيرا, تستحق من الجهد والصبر والمساعدة اكثر بكثير مما بذل حتى الان.

تعليقات

تعليقات