دور يبحث عن بطل: بقلم - شفيق الحوت

بعد اقل من ثمانية أشهر, يكون قد مضى على توقيع اتفاقية اوسلو خمس سنوات, وهي المدة الزمنية المحددة لما سمي بالمرحلة الانتقالية, التي كان يفترض ان تشهد بعض الانجازات الكفيلة بتشجيع الطرفين, الفلسطيني والاسرائيلي, على المضي قدما في مسيرة التسوية وصولا الى اتفاق حول الحل النهائي لقضية فلسطين بكل ابعادها وفق شعار الارض مقابل السلام ومبادىء الشرعية الدولية . هذا ما تم الاتفاق عليه, او قيل لنا انه قد تم الاتفاق عليه عندما ابدينا ريبتنا وشكوكنا في الاتفاقية المذكورة.,وبغض النظر عن اي اعتبار, فان ما لا يختلف عليه فلسطينيان, ان الوقائع الميدانية لهذه الاتفاقية, بعد مضي خمس سنوات على توقيعها, تشير الى نقيض ما كان متوقعا, من الجانب الفلسطيني على الاقل. فعملية اعادة الانتشار المسماة زورا بالانسحاب لم تستكمل, والمعتقلون لا يزالون في السجون, والممر الآمن لم يتأمن, والمطار لم يعمل, والمرفأ لم ير البحر, والنازحون لم يعد منهم احد, بينما استمرت مصادرة الأراضي, وبناء المستوطنات, واغلاق المناطق بالحصار, وتصعيد لهجة الاستعلاء ولغة التهديد والوعيد.. فاذا كان مأزق هذه التسوية, وهي لا تزال في اطار مرحلتها الانتقالية واجندتها المتواضعة, قد وصل بياسر عرفات الى حدود التلميح بالاستقالة, فبالامكان ان نتصور كيف سيكون عليه الحال عند البحث في الحل النهائي لقضية, والحديث عن الدولة وحدودها بما في ذلك القدس, وعن الاستقلال الوطني والسيادة, وعن عودة اللاجئين الى ديارهم وممتلكاتهم! لا وقت للشماتة, ولا مجال للتنصل من المسؤولية العامة بالقائها على كاهل فرد او تنظيم, فالأزمة التي نواجه هي ازمة وطنية وقومية وتمس مصائرنا جميعا, افرادا وتنظيمات واقطارا, بغض النظر عن تباينات مواقعنا اللفظية. واذا اردنا التجرد عن الذات, فردية كانت ام جماعية, فانه يصعب علينا التمييز بين من وافق على اتفاقية اوسلو وأوقعنا في حفرتها, ومن عارضها دون ان يطرح البديل السياسي والتنظيمي الكفيل باخراجنا منها. بادىء ذي بدء, لا بد من الاعتراف بان هذه الاتفاقية المشؤومة لم تعد مشروعا مطروحا وانما حقيقة قسرية على الارض لها ما افرزته وما تفرزه يوميا من وقائع وتفرعات تعكس آثارها السلبية على ارضنا وانساننا ومجتمعنا. كما لا بد من الاعتراف بان هذه الاتفاقية المشؤومة جاءت محصلة لاوضاعنا السياسية والنضالية عربا وفلسطينيين, وكنتيجة حتمية لغياب استراتيجية متكاملة لمقاومة مشروع التحالف الصهيوني ـ الامبريالي. ان الحديث عن تفوق العدو, فكرا وتنظيما وأداة, على صحته, لا يجوز اعتماده كذريعة عن فشلنا في وضع الخطط الكفيلة بمجابهة هذا العدو رغم تفوقه. الجزائريون فعلوا ذلك ونجحوا, وكذلك الفيتناميون, ومن بعدهم شعب جنوب افريقيا. هؤلاء ايضا واجهوا أعداء متفوقين عليهم في كل المجالات, ولكنهم عرفوا كيف ينفذون لتحقيق انتصاراتهم. فهؤلاء, ومنذ البداية, حددوا اهدافهم ولم يحيدوا عنها, ثم عرفوا كيف يرتبون اولوياتهما لنضالية, ورفضوا اسقاط اي من خياراتهم قبل الوصول الى نهاية مطالبهم. ان مسؤولية التقصير في هذه البديهية النضالية لا يمكن حصرها في قطر عربي دون غيره, او في نوعية نظام ما دون غيره, كما لا يمكن حصرها في تنظيم فلسطيني دون اخر. ولذلك لم يكن من وحي الصدفة اننا صرنا نعتمد في كتاباتنا السياسية مصطلح (النظام العربي) غير مكترثين بخلافات الانظمة التي تتبعها الدول العربية, بعد ان تساوى (الرجعي) منها مع (التقدمي) , و(الملكي) مع (الجمهوري) , و(الثوري) مع (المحافظ) , في المسؤولية عما حصدناه من فشل وخيبة أمل. وما قلناه عن العرب عامة, يمكن تكراره عن الفلسطينيين خاصة, ولا سيما عن حركتهم الوطنية الاخيرة حيث كانت التعددية الفصائلية فيها شكلية, ولولا النزوع الفصيلي للسلطة لانصهرت كلها في المنظمة الام, منظمة التحرير الفلسطينية. لن أسهب اكثر, فهذا حديث يطول ويجب ان يستوفي حقه في اطار مراجعة نقدية شاملة لا بد منها, اذا اردنا استئناف النضال وتحقيق النصر. ولنبحث في الراهن والمستعجل من احوالنا, ولا سيما ما يتعلق بالاستحقاق الوافد سريعا مع الايام, كذلك المجهول المسمى (ما بعد اتفاقية اوسلو) . هذه الاتفاقية تم استنفادها, ولن تتحرك اسرائيل خطوة واحدة بعد انتهاء المرحلة الانتقالية, باعتبار ان ما (قدمته) حتى الان هو اخر (تنازلاتها) , ولاءات نتانياهو ثابتة وليس بوادره, ولا بوادر من سيخلفه المساس بها. ولن يضير اسرائيل ان تعلن ـ في الوقت الذي يناسبها ـ عن انتهاء المفاوضات حول المسار الفلسطيني, اذ ليس هناك من يمكن ان يضغط عليها او يؤثر على قرارها. ولكن اذا كان باستطاعة اسرائيل ان تحل ازمتها بالنكوص عن اتفاقية اوسلو وحتى اسقاطها بحكم موازين القوى, فهذا ما لا يستطيعه ياسر عرفات لا ذاتيا ولا موضوعيا. حتى تلويحه بالاستقالة ـ هذا اذا كان جادا ـ لن يغير من واقع الامر شيئا, بل وقد يكون لمثل هذا الفعل ان حدث, مردودا سلبيا قد يضاعف من هموم الشعب الفلسطيني ولكنه لن يؤثر لا على اسرائيل ولا على الولايات المتحدة. فالمسألة عند حدودها الحالية تجاوزت موضوعيا اهمية بقاء عرفات في رئاسة السلطة او عدم بقائه, بل وربما كان في ذهابه ما يريح الكثيرين في اسرائيل والولايات المتحدة من الشعور ببعض المسؤولية الادبية تجاه ما قدمه من تنازلات. وليس عسيرا على تحالف العدو ان يجد البديل الاكثر انصياعا لشروطه والمستولد من اجواء الهزيمة والخيبة والمقطوع الصلة مع اي ماض نضالي له تاريخ. ولا يمكننا اغفال الاسماء التي تطرح كل مرة يجري فيها الحديث عن خليفة لعرفات, ولا تجاهل ما يحكى عن تسابق هؤلاء المرشحين لرفع اسهمهم لدى الدوائر الاسرائيلية والامريكية. ولو كانت المسألة شخصية تمس عرفات وحده, او (فتح) وحدها لهان الأمر, ولكان باستطاعة الواحد منا ان يتفرج وهو يردد الاية الكريمة (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) . ولكن المسألة اكبر من ذلك بكثير,انها مسألة مصير بالنسبة لفلسطين والفلسطيني اينما كان. بل انه مصير الامة بأسرها. ومن هنا, فان التصدي لمرحلة (ما بعد الاتفاقية) تصبح مهمة وطنية, يفترض بما يسمى بالمعارضة الفلسطينية ان تكون السباقة في الاعداد لها, لان الخطر كل الخطر هو ان تسقط الاتفاقية من على الورق وتبقى آثارها على الارض, وهذا ما تسعى اليه اسرائيل الان. فهل باستطاعة المعارضة ككل, او فصيل منها, ان يبادر لاعلان برنامج سياسي متواضع لهذه المرحلة, ليخرجنا من المأزق الذي نحن فيه,معتمدا على المتاح من الوسائل والامكانيات, بانتظار توفير الشروط والمقومات الكفيلة بتحقيق كامل اهدافنا الوطنية ـ القومية. هل بين هذه الفصائل من تستطيع قيادته التفوق على ذاتها وحزبيتها بالاعلان عن خطاب وطني وشامل يتجاوزها وحزبها لتدارك ما يحيط بالوطن من مخاطر؟ وهل هناك في (فتح) من يستطيع الخروج من شهوة التفرد ووحدانية القيادة ويدعو لوحدة وطنية على اسس جديدة وبرنامج جديد؟ هنالك دور يبحث عمن له جرأة تأديته, لا يدعي تحرير كامل التراب ولا حتى جزء منه, وانما يضع القدم على الطريق الموصل الى ذلك. لطالما ادعى الفلسطينيون انهم كانوا باستمرار خيرا من قيادتهم, وهم اليوم على المحك لتثبيت هذه الحقيقة مرة اخرى.

تعليقات

تعليقات