مع الناس: بقلم - عبد الحميد أحمد

طالب الفلسطينيون الولايات المتحدة تزويدهم بحاجتهم من أقنعة الغاز أسوة بالاسرائيليين الذين تدفقت عليهم هذه الأقنعة في صناديق محمولة جواً من أمريكا , تحسباً لتطورات الموقف في الأزمة الحالية بين العراق والأمم المتحدة, لأن الغاز المنبعث من السلاح الكيماوي العراقي الذي سوف يصل اسرائيل لن يميز قطعا بين اسرائيلي وفلسطيني. طبعا فات الفلسطينيين انهم يطالبون بالمساواة في الموت مع الاسرائيليين, فهذا أبسط حق من حقوقهم, لولا أن امريكا لا ترى لهم مثل هذا الحق في الحياة أو الموت معا, بدليل الاصطفاف الكامل مع أولاد الست الاسرائيليين وترك أولاد الشغالة يواجهون مصيرهم الذي يصنعه (أو بالاصح يتحكم فيه) نتانياهو. وبما أنه لن يكون هناك غاز ولا سلاح كيماوي سوف يصل الى اسرائيل ولا غير اسرائيل من العراق, فالأمر لا يتعدى التحريض والتصعيد والضغط لا أكثر, فان الامريكيين مطمئنون اكثر من غيرهم الى ذلك, لولا أن القصد كعادة كل أزمة, الى جانب تحقيق الاهداف السياسية, تحقيق المصالح الاقتصادية, وهذه على رأسها تشغيل مصانع السلاح وغير السلاح, فيستفيد تجار كل سلعة من المياه المعدنية الى أقنعة الغاز. العراق لا يملك اليوم مثل هذه الأسلحة, فمقابل ما نرى من حشود عسكرية أمريكية وبريطانية لا يزيد ما نراه من حشود عراقية عن مظاهرات وتدريبات على بنادق بالكاد تصلح لصيد الطيور, ولو كان العراق يملك أسلحة تصلح لحرب أكثر من ذلك لفضحته أمريكا ونشرت تقديرات وصورا لها, حتى من باب التحريض وتبرير الضربة, على النحو الذي عشناه أيام حرب تحرير الكويت. وقلنا سابقاً ان الضربة العسكرية مستبعدة للأسباب التي ذكرناها وتتأكد اليوم أكثر, وعلى رأسها رفض أغلب العرب لها خاصة دول الخليج من التي أوضحت مواقفها بصراحة كموقفي الامارات والسعودية مثلا, وعدم استعداد هذه لتحمل نفقات أي عمل عسكري هي لا تؤمن بضرورته, علاوة على الموقف الدولي الذي لا ينسجم مع ما تريد أمريكا, فاذا أضفنا لذلك الجهود الدبلوماسية التي تصب لمصلحة الحل السلمي فان الضربة يتأكد تماما انها مستبعدة. وبما ان الولايات المتحدة لا يمكن ان تكون من الحماقة الى الدرجة التي تخسر فيها العالم فتصر على موقفها منفردة, فانها في حال قامت بعمل عسكري لوحدها من دون رضا الآخرين, تكون قد عرضت مصداقية سياساتها الخارجية الى الخطر, وهذه يكفيها حاليا انها فقدت الاتزان, فلا تحتاج الا الى القشة التي تقصم ظهرها. طبعا الحماقة لها دور ولها وجود باستمرار في الحروب والازمات, فهذه ان لم تكن من القيادة العراقية التي تعودنا منها مثل هذه الحماقة, فانها هذه المرة متوقعة من الادارة الامريكية في حال أصرت على ما يرفضه العرب والعالم ولم تستطع أن ترى الأزمة الا من ثقب الضربة العسكرية, فتكون عدوى الحماقة السياسية انتقلت من بغداد الى واشنطن. هناك فرصة أخيرة توفرها بغداد نفسها لاستبعاد الضربة والتهديد الامريكي, فيما لو أحسنت استغلالها والتصرف ازاءها, تأتي من زيارة الامين العام للأمم المتحدة المرتقبة اليها, فتستقبله بتفهم وتعاون, وتقدم لنفسها مخرجا بقبول التفتيش, ولو كان من باب التقدير للجهد الدولي الذي يمثله الامين العام, فتنزع بذلك فتيل أزمة جانب الافتعال فيها أكثر, والأهم تنزع عن طريقها المبررات لضربها وهذه للاسف حتى الان من صنع عراقي, وهو ما نتوقع ان تسفر عنه الزيارة, فيتأكد أكثر استبعاد الضربة العسكرية, الا إذا تغلبت الحماقة إياها, فنعترف عندها بخطأ التقدير وعدم وضوح الرؤية.

تعليقات

تعليقات