روسيا.. والخروج من عنق الزجاجة: بقلم- فاطمة غالم

بقدر ما يتصاعد التهديد الروسي بالتدخل ضد امريكا بقدر ما يجب علينا ان نضعه في خانة (البلف) الدبلوماسي, استنادا الى تاريخ الصراع بين موسكو وواشنطن , بدءا من الحرب الباردة الى نهايتها, سواء تعلق الامر بحرب السويس 56 ام بحرب 67 او بحرب 73 بالنسبة لنا نحن العرب, وسواء تعلق بأزمة الصواريخ الكوبية 62 ام بالحرب الفيتنامية الطويلة المدمرة فيما بعد, بل ان حذاء خرتشوف التاريخي فوق منابر المنظمة الاممية لم يخدم شيئا في نظرية المجابهة بين البلدين, فلماذا يجب ان نصدق بوريس يلتسين وهو الذي لم يتمكن من الحفاظ ولو على بعض الارث من الامبراطورية المنهارة, ولماذا لا يكون (مساوما) يتطلع الى تصفية حسابات قديمة ـ جديدة خاصة وان مسألة توسيع حلف شمال الاطلسي شرقا تبقى قائمة اضافة الى مسألة دول البلطيق الثلاث وقضية عضويتها في الحلف هي الاخرى؟! روسيا, مثل رئيسها مريضة, قد فقدت مصداقيتها في الداخل قبل ان تفقدها في الخارج, اما التململ الذي لوّح به يلتسين بشأن اندلاع حرب عالمية ثالثة اذا ما صممت امريكا على ضرب العراق فليس اكثر من خدعة دبلوماسية خاصة وان لم يحرك ساكنا في البيت الابيض.. اذا ما نحن استثنينا التعقيبات اللفظية! امريكا حتى الان قد رفضت مراعاة موسكو ـ كقوة عظمى ـ ومصالحها الامنية, بل انها غالبا ما ظهرت وكأنها تريد سد باب النقاش في أي موضوع يثار في هذا الصدد, فموسكو قد حجمت نفسها بنفسها وواشنطن ليست ملزمة بالتعويض, واذا ما تقبلت موسكو الالتزام بالسلبية تجاه قضايا العالم فانها قد تحافظ, ولو ظاهريا, على هيبتها الضائعة التي تبحث عن استعادتها. لموسكو مكانتها في الشرق الاوسط الا انها هي التي اختارت تجاوزها ان لم نقل التنازل عنها تدريجيا, فاذا ما استفاقت اليوم على الخطأ الذي ارتكبته واستغلته امريكا لمصلحتها فان عودتها للتنقيب عنه قد اصبحت متأخرة.. الا اذا حاولت اثبات مصداقيتها في الاحداث.. وما أكثرها في المنطقة, على الاقل فيما يتعلق بالعراق او بالعملية السلمية بين العرب واسرائيل. أمريكا في السنوات التي تلت السقوط قد تعاملت مع موسكو بشيء من الحساسية الى الدرجة التي صرح فيها بيل كلينتون بدعم بوريس يلتسين في الانتخابات الرئاسية الماضية ثم التدخل لدى صندوق النقد الدولي اذا وافق بالتالي على مد روسيا بقرض ضخم. بيد انها مع التالي قد اعربت عن تراجعها, وفعلا لا قول, فلا غرابة ان تعلن بأنها قد تلجأ الى ضرب العراق ـ مثلا ـ حتى من دون الرجوع الى مجلس الامن, لا الى روسيا مباشرة, بعد ان كانت قد وضحت تصميمها بشأن توسيع حلف شمال الاطلسي شرقا رغم المعارضة الروسية. عندما خلف بريماكوف لكوزيريف في وزارة الخارجية قيل بان هدف موسكو هو التقرب من العرب نظرا لاتجاهات بريماكوف الشخصية ضمن هذا الاطار, بيد ان الوقائع فيما بعد لم تثبت صحة هذا التفاؤل, وتفاؤلا من هذا القبيل قد يظل مستبعدا حتى لو تطوع جيرونفسكي شخصيا من اجل امداد العراق ببعض المساعدات الانسانية. الروس في الاونة الاخيرة غالبا ما وصفوا السياسة الامريكية بـ(الانانية) بل ان بعضهم لا يتورع عن اتهام امريكا بانها هي التي تقف وراء تحويلهم الى دولة فقيرة شبه متسولة, ماديا وسياسيا, فلا غرابة ان تعارض واشنطن اي اهداف لاعادة تنشيط الدور الروسي في المنطقة الشرق اوسطية, ومن باب اولى بالنسبة للعراق حتى وان كان للعراق روابطه الوثيقة بموسكو قبل فاجعة موسكو بالانهيار وفاجعة العراق بجنون صدام. والحقيقة ان روسيا (جورباتشوف) التي اعطت الضوء الاخضر لحرب الخليج الثانية قد خرجت من (الكعكة) خالية الوفاض فلماذا لا تحلم بالكثير من إعادة تعمير العراق فيما لو رفعت عنه العقوبات وخاصة فيما يتعلق بتجديد بنيته العسكرية المدمرة. الولايات المتحدة قد قالتها اكثر من مرة, انها ستستمر ما استمر صدام في السلطة, فلماذا لا يكون المستهدف موسكو بالذات على اساس ان النظام البديل كلما كان قريبا من واشنطن كلما كان بعيدا من موسكو. روسيا ليست لها طموحات معلنة في المنطقة وان كانت أكيدة في الصميم, لا تختلف في ذلك عن فرنسا او بريطانيا او حتى الصين واليابان ودول اوروبية اخرى, وهذا بالاحرى ما تحاول ان تشرح وتبرهن عليه من خلال بعض سلوكياتها التي لا تزال تتطلب دعما عمليا في حيزّ الواقع, حيث اذا ما ظل هذا الدعم العملي مفقودا فان الريبة والشكوك في قدرات روسيا, عربيا على الأقل, ستتفاقم مع الوقت رغم ان (العودة الى الثقة) تجتمع له مبررات شتى. في كل الاحوال فان روسيا لا تريدها حربا باردة اخرى, لا في المنطقة العربية ولا في مناطق غيرها من العالم.. انها تسعى للمجابهة ولكن على طريقة خطوة الى الامام وخطوتين الى الخلف لعل الظروف تساعدها يوما على تسجيل (طفرة) جدية لحسابها, حتى وان كانت امريكا قد افهمت حتى الان, حلفاءها وغير حلفائها, بأنها لن تتسامح مع من يعمل على استغفالها او المشي فوق اصابعها. الوسائل الامريكية في منهجية تعاملها مع قضايا العالم هي وسائل قوة وتهديد اكثر مما هي وسائل دبلوماسية او وسائل (شراكة) وبما انها وسائل تجردت من الاخلاقيات فان مختلف الحلول التي ترجحها في علاقاتها مع الاخرين, اصدقاء او اعداء, انما هي حلول (فوقية) قد تصل الى درجة الهمجية, ولهذا السبب فان الكثيرين يترددون في اعلان المواجهة المباشرة معها.. فالعصيان او اي تمرد مفضوحين لا بد وان يرد عليهما بالعنف, والامر ان لم يصل الى درجة المجابهة مع العراق الا ان امريكا قد اثبتت حتى اليوم بان عقوباتها تكاد تطال ما بين 40 ـ 50% من شعوب المجتمع الدولي المعاصر.. تتأرجح بين عقوبات مخففة وعقوبات متطرفة يمكن ان تستعمل فيها في القوة العسكرية. وروسيا على يقين من هذه الحقيقة, ولعل هذه الحقيقة هي التي تدفعها الى اختيار (دائرة السلبية) اذا ما رفعت الصوت بالاعتراض فان مصيرها الى الرضوخ في نهاية المطاف. امريكا من جهتها يبدو وكأنها لا تفكر باغلاق الباب او الطريق في وجه التململ الروسي بالنسبة للعراق الا ان هذا لا يعني قبولها لفتحه على مصراعيه ولان روسيا لا تفكر في الخروج عن خط التعامل حتى وان صعد بوريس يلتسين في تصريحاته فانها لا نية لديها في الذهاب ابعد مما ذهبت اليه في الماضي. ان موسكو لم تشأ ابدا الدخول في حرب ما مع واشنطن حتى عندما كانت في اوج عظمتها, فمن باب اولى وهي التي تصارع من اجل البقاء ان تعمل على تجنب ولو الاشارة الى مثل هذه الحرب, وهذا بالاحرى ما يمكن ان يفسر ويشرح عودة يلتسين الى التزام الصمت على اساس ان ما كان قد صرح به بشأن حرب عالمية ثالثة قد صرح به وهو في (غيبوبة) . وامريكا لا مانع لديها من ان تصدق تفسيرا كهذا وهي التي تعرف عن يلتسين اكثر مما يعرفه عن نفسه. ولعل ذهاب وليام كوهين الى موسكو انما هو للتذكير بضرورة التزام الحدود وعدم تجاوز الخط المسموح به! كاتبة جزائرية*

تعليقات

تعليقات