الدول النامية وآثار النفايات الخطرة على البيئة:بقلم- د. تيسير الناشف

لقد ازدادت المشاكل البيئية العالمية الحاحا. وبتزايد الحاح هذه المشاكل أضحى تجاهل العلاقة بين البيئة العالمية والاقتصاد العالمي مستحيلا. ففي كل من البلدان المتقدمة النمو الصناعية والبلدان النامية والأقل تصنيعا كان في حالات كثيرة لتوخي النمو الاقتصادي دون توخي الحيطة لحماية البيئة أثر مدمر بيئيا. ان تردي البيئة ظاهرة عالمية. ولهذا التردي أسباب مختلفة في البلدان النامية والأقل تصنيعا فان الفقر والمديونية مرتبطان ارتباطا وثيقا بالتردي ولذلك سعت بلدان نامية وقليلة التصنيع الى أن تزيد بوسائل مختلفة حصائل صرف العملة الأجنبية. وما فتىء استيراد المنتجات الجانبية الصناعية والنفايات السامة الخطرة احدى هذه الوسائل. يتوخى هذا المقال تبيان ان التجارة الدولية بهذه المنتجات والنفايات مع البلدان النامية والأقل تصنيعا مثال صارخ على جانب هام للشؤون البيئية العالمية اليوم. وذلك الجانب هو العلاقة التي لا تنفصم بين حالة البيئة العالمية والاقتصاد العالمي. سنحاول في هذا المقال أن نبين ان الانتاج والعلاقات المالية والتجارة الدولية قررت اتجاه ومدى الاتجار بالمنتجات الجانبية والنفايات السامة مع بلدان أقل تصنيعا وبلدان نامية وان الاتجار بالنفايات بدوره يصيب بيئة كثير من هذه البلدان بالضرر وأن مستقبل الآفاق الاقتصادية لكثير من هذه البلدان يهددها الاتجار بالنفايات. لقد تكرر ذكر العلاقات بين البيئة والاقتصاد العالمي في محافل دولية مهمة مختلفة منها مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية الذي عقد سنة 1992. تنتج حفنة من الدول الصناعية 95 في المئة من النفايات الخطيرة في العالم. وخلال الاثنتي عشرة سنة الأخيرة أصبح تصدير النفايات والمنتجات الجانبية الى البلدان النامية والبلدان الأقل تصنيعا تجارة مزدهرة مدرة للدخول المالية الكبيرة على الذين يقومون بالاتجار بالنفايات. خلال العقدين الماضيين ارتفعت تكاليف التخلص من النفايات السامة ارتفاعا كبيرا في الدول الصناعية. وبالمقارنة بهذه التكاليف في المناطق الصناعية اعتبر تجار النفايات الغربيون تكاليف تفريغ هذه النفايات في البلدان النامية والقليلة التصنيع زهيدة, مما لفت انتباه تجار النفايات الى هذه البلدان. ومما زاد من حجم النفايات والمنتجات الجانبية الصناعية السامة والخطرة المصدرة الى تلك البلدان حاجتها الى الدخل المالي الذي يكتسب من قبول هذه النفايات والمنتجات من دول غربية. ومما يبعث على القلق الشديد ان البلدان النامية والقليلة التصنيع لم تكن في كل حالات التصدير تقريبا مؤهلة لأن تعالج هذه النفايات والمنتجات الجانبية معالجة تكفل حماية صحة شعوبها وبيئتها. وردا على تزايد تصدير النفايات والمنتجات الجانبية الخطرة من بلدان متقدمة النمو الى بلدان نامية وقليلة التصنيع خلال الاثنتي عشرة سنة المنصرمة رصت المنظمات غير الحكومية المعنية بالبيئة والبلدان النامية صفوفها بانهاء هذه التجارة. وبعد بذل جهود قوية دامت بضع سنوات نجحت هذه المنظمات والبلدان في مطلع سنة 1994 في فرض حظر على تجارة النفايات مع البلدان الأقل تصنيعا والنامية في سياق اتفاقية بازل. ومما سهل تجارة النفايات السامة بين دول صناعية ودول نامية وأقل تصنيعا وجود شبكات النقل والاتصالات الزهيدة التكلفة نسبيا. ومما شجع على تصدير هذه النفايات الى تلك البلدان الشواغل البيئية في الدول المنتجة للنفايات. اذ حينما تزايدت معارضة السكان في الدول المنتجة للنفايات لالقاء النفايات في الاراضي القريبة منهم ارتفعت تكاليف القاء النفايات ارتفاعا كبيرا وازداد عدد الأنظمة التي تتحكم بهذا الالقاء. وبسبب تزايد هذه المعارضة السكانية أصبح من الأصعب على الهيئات والشركات المنتجة للنفايات ان تجد أماكن يمكنها ان تلقي نفاياتها فيها مما أفضى الى زيادة تكاليف القاء النفايات. ومما زاد من معارضة السكان في الدول التي تنتج النفايات فيها حدوث حوادث سببها القاء النفايات مثل حادثة سفينة في اوروبا في اوائل سنوات الثمانين. لقد شجعت هذه التكاليف المرتفعة الشركات على التخلص من هذه النفايات في بلدان فيها تقل تكاليف الالقاء وتقل الانظمة التي تحكم عمليات الالقاء صرامة. كل ذلك ادى الى تزايد تجارة القاء النفايات بين بلدان متقدمة النمو صناعية وبلدان نامية وأقل تصنيعا. في آواخر سنوات الثمانين عبر حوالي ثلاثين الى خمسة واربعين مليون طن من النفايات السامة الحدود بين الدول. ومن هذه الكمية نقل حوالي عشرين في المئة الى بلدان في العالم الثالث. وللديون الواقعة على البلدان النامية والأقل تصنيعا أثر في توجيه نقل النفايات من الشمال الى الجنوب. فأشد البلدان فقرا وضعفا التي تعاني من الديون الخارجية في مسيس الحاجة الى العملات الأجنبية. وبالتالي اعتبر تجار النفايات ان من الاسهل والاقل تكلفة تفريغ الحمولات من النفايات في تلك البلدان. وبالنظر الى نشوب أزمة اقتصادية حادة في بلدان الجنوب في سنوات الثمانين فقد كان عدد بلدان العالم الثالث التي دخلتها نفايات في تلك الفترة بالذات كبيرا. ويعرف كثيرون اليوم عما سمي (سفن الموت) مثل (خيان سي) و(كارين بي) التي كانت تمخر عباب البحر بحثا عن بلد غير مرتاب يقبل الحمولة السامة. ومن شأن صفقة تجارية متعلقة بالقاء النفايات ان تنطوي على طرفين: جهة فاعلة او فرد, في معظم الأحيان, وشركة تتجر بالنفايات تعرض على الطرف المتلقي مبلغا مغريا من المال بالعملة الاجنبية لقاء قبول النفايات. وهذا المبلغ, الذي هو كبير بالنسبة الى البلدان التي تدخل فيها النفايات نظرا الى حاجتها الماسة الى العملات الأجنبية, صغير بالمقارنة بتكاليف التخلص من النفايات في البلدان المتقدمة النمو الصناعية. فعلى سبيل المثال بلغت تكاليف التخلص من طن من النفايات الخطرة في الولايات المتحدة في سنوات الثمانين ما يزيد عن 250 دولارا أمريكيا. وفي نفس تلك الفترة لم تبلغ تكاليف القاء النفايات الخطرة في افريقيا سوى 5.2 من الدولارات الامريكية. وبسبب حاجة القارة الافريقية الماسة الى العملات الاجنبية كان كثيرون من تجار النفايات يستهدفون تلك القارة في سنوات الثمانين بالنظر الي ان تكاليف الشحن بالسفن لم تكن شديدة الارتفاع ورسوم الالقاء كانت منخفضة على نحو خاص. وتفيد تقارير بأنه بحلول سنة 1990 تم الاتصال بما يزيد عن نصف بلدان تلك القارة بغية قبول النفايات الخطرة. واستهدفت مناطق اخرى لقبول النفايات في أواخر سنوات الثمانين ومنها جنوب المحيط الهادىء ومنطقة البحر الكاريبي وامريكا اللاتينية. ونظرا الى المعارضة من هذه المناطق لالقاء النفايات في أراضيها استهدف تجار النفايات على نحو متزايد بلدانا في آسيا وأوربا الوسطى والشرقية. لقد كان لاغلبية حوادث القاء النفايات في العالم النامي أثر ضار بالبيئة بالنظر الي ان الظروف التي ألقيت فيها أغلبية هذه النفايات لم تكن ملائمة بيئيا. لم تكن أغلبية أماكن الألقاء في البلدان النامية خاضعة لانظمة تحكم عمليات الالقاء. القي قسم كبير من النفايات التي نقلت الى البلدان النامية اما في صهاريج مثقوبة مسربة او لم يلق في صهاريج على الاطلاق. وفي بلدان استوائية عنى المناخ الحار الغزير المطر ان النفايات سهلة التغلغل في التربة والمياه. ومن الامثلة على ذلك رماد موقد احراق القمامة الذي ذر في اواخر الثمانينات في الهواء الطلق على شواطىء غينيا وهايتي. ومن الطرق المستعملة لنقل النفايات الى بلدان نامية أو بلدان اقل تصنيعا هي طريق اخفائها. ومن الامثلة على ذلك قيام شركة غربية بخلط الف طن من غبار فرن صهر النحاس في سماد. وبعد ذلك بيع السماد, لزارعين من بنغلاديش نشره بعضهم فعلا في حقولهم قبل الكشف عن حقيقة الخلط. ووسم بعض صادرات النفايات الى بلدان نامية او اقل تصنيعا بأنه معونة ومساعدة انسانية. فعلى سبيل المثال, أرسل حليب في سنة 1987 متضمن لمادة اشعاعية الى جامايكا. ان النفايات التي من المفترض ان تبين الرقعة الملصقة بها حقيقتها أصبحت مشكلة خطيرة بالنسبة الى البلدان النامية نظرا الى أن تلك البلدان تفتقر في كل الحالات تقريبا الى الوسائل اللازمة للتحقق من محتويات كل صهريج يدخل اراضيها او مياهها الاقليمية. وفضلا عن ذلك تزداد الصراحة التي تصدر بها النفايات الخطرة لـ (مزيد من الاستعمال) . في أوائل سنوات التسعين كان يقصد بحوالي تسعين في المئة من جميع صادرات النفايات الخطرة الى بلدان نامية وأقل تصنيعا مزيد من استعمال تلك النفايات. فعلى سبيل المثال, عرضت شركات كثيرة متاجرة بالنفايات على كثير من البلدان النامية مثل أنجولا اقامة مصانع لتوليد الطاقة اذا قبلت أنجولا مقابل ذلك النفايات الخطرة وقودا لتشغيل المصانع. غير أن حرق النفايات السامة يوجد أحيانا كثيرة مواد سامة أشد خطرا. من خطر النفايات في شكلها الأصلي. وأيضا أثبتت عمليات اعادة تدوير اخرى في بلدان نامية أنها تلحق الضرر بالصحة والبيئة. وكان لتجارة البلاستيك المستعمل اثر مدمر لصحة العمال في منشآت اعادة التدوير وللبيئة في بلدان نامية. لقد تلقت اندونيسيا على سبيل المثال حوالي 100 ــ 150 الف طن من نفايات البلاستيك من بعض الدول الغربية في السنوات الاولى من العقد الحالي. وفي الواقع لم يكن من الممكن الا اعادة تدوير ستين في المئة من هذه الكمية والبقية التي كان ربعها خطرا ألقيت في مدافن للقمامة. ان هذه الحالات المذكورة أعلاه, حالات الالقاء واعادة التدوير, غير السليمة بيئيا النفايات في بلدان نامية وبلدان قليلة التصنيع ليست حوادث قليلة. ليست هذه الحالات سوى عينات لخطط مختلفة كثيرة قام بها تجار النفايات للتخلص من المواد السامة. وتبين هذه الحوادث ان ما يبدو حلا (اقتصاديا) , يتمثل في القاء النفايات السامة او اعادة تدويرها في بلدان فقيرة حيث الانظمة التي تحكم الالقاء واعادة التدوير قليلة والتكاليف اقل, يمس بآفاق التنمية الاقتصادية على المدى الطويل, على الرغم من أنه مصدر دخل لبعض البلدان على المدى القصير. وان تكاليف (تنظيف) مواقع القاء النفايات وعمليات اعادة التدوير الوسخة شديدة الارتفاع بالنسبة الى البلدان الفقيرة, مما يجعل من المتعذر عليها ان تدفع هذه التكاليف. والضرر الناجم الذي يلحق بالبيئة من استيراد النفايات الخطرة واعادة تدويرها يؤذي اقتصاديات هذه البلدان النامية, اذ تبدأ آثار التلوث من النفايات في الظهور على الأمد الطويل. وتتجلى هذه الآثار في اعتلال الناس وانخفاض الانتاجية الزراعية للأرض وتلوث سلسلة الغذاء والمياه الجوفية والضرر بالحياة البرية والتنوع الاحيائي. من ذلك يتضح أن الاقتصاد العالمي وتجارة النفايات الدولية يتعلق بعضهما ببعض. وجعلت الروابط التجارية العالمية من الممكن نقل النفايات بتكلفة زهيدة وشجع الفقر وأنماط الديون الدولية نقلها الى بلدان نامية وأقل تصنيعا هي بحاجة ماسة الى العملات الاجنبية. ولا يمكن لهذه العملية سوى النيل من آفاق التنمية الاقتصادية في المستقبل, وبالتالي تؤدي الى دائرة مفرغة من الفقر والضرر الذي يلحق بالبيئة.

تعليقات

تعليقات