لماذا تهملون هذه الثروة البشرية؟ بقلم: يحيى المصري

مصر, وبعض البلاد العربية من الدول القلائل التي تهدر ثروة البشر لهؤلاء الذين تزيد اعمارهم عن الستين عاما, وهو سن المعاش للغالبية العظمى من ابناء هذه الدول, سواء اكانوا يعملون بالحكومة او القطاع العام او حتى بعض مؤسسات القطاع الخاص .. يعودون بعد هذه السن الى منازلهم ويلزمون الراحة في جحورهم, انتظارا للموت البطىء الذي يتخيلونه في كل يوم يمضي عليهم, حيث يبدأ العد التنازلي لحياتهم, اما ما يملكونه من خبرة وعلم ومعلومات حصلوا عليها نتيجة عمل في مواقع انتاجية مختلفة لما يزيد عن اربعين عاما من عمرهم, ذلك كله ينتهي مع بداية سن المعاش والبعد عن الحياة التي تعايشوها طوال حياتهم. هذه الثروة البشرية التي تهدرها مصر وغيرها من الدول العربية, هي التي ساعدت على التقدم العالمي, واوصلت اغلب دول العالم المتقدمة الى ما هي عليه الآن من حضارة وتقدم وازدهار, خاصة وان اغلب زعماء العالم, واغلب علماء العالم, واغلب الذين حكموا العالم وسجلوا فتوحات وانجازات تاريخية لبلادهم وللبشرية كلها, هؤلاء كانوا في سن تفوق الستين عاما, وهو ما يؤكد ان الانسان الذي يزيد عمره عن الستين يستطيع بخبرته وبحنكته العطاء اكثر والانتاج افضل من هذا الذي يقل عن هذه السن, وان كان الاثنان يكملان بعضهما, فالذي يقل عن الستين يستطيع العطاء بمجهوده وعمله ونشاطه, والذي يزيد عن الستين يستطيع العطاء بفكره ومن واقع خبرته الطويلة في مجالات متعددة. ان من يزيد عن الستين, الذي تطلب منه الدولة التقاعد والراحة داخل منزله او على المقاهي او في النوادي يستطيع ان يقول رأيا صائبا او يعرض اقتراحا مفيدا في مشكلة من المشاكل التي تواجهها الدولة في مجالات العمل التي شغلها, لأنه مارسها فعلا وواجه مثلها عملا وحفظها واقعا, لا من واقع قراءة في كتب او مطالعات في الصحف, ولكن من واقع عمل شغله سنوات طويلة وجعله خير من يبدي رأيا في العلاج المطلوب, وهو ما يساعد على التوصل الى افكار جديدة واساليب حديثة تساهم في تقدم البشرية داخل وخارج دولته. بمعاونة فكر هذا الانسان الذي جاوز الستين من عمره, يمكن الاصلاح الحياتي والمساهمة في تغيير المسيرة الحياتية للدول المتخلفة, ومهما كان هذا الانسان في اخلاقياته وفي سلوكه, فهو خير من يعرف كيفية الوصول الى الحلول الصحيحة التي تستفيد منها الدولة الاستفادة التي تعود عليه وعلى ابنائه وعلى احفاده وعلى الاجيال المقبلة من المواطنين, ومن هنا فهو يجتهد دون انتظار لاجر مادي او مرتب شهري, لان الخطوة الناجحة التي تتم من واقع رأي يبديه او فكر يعرضه وهو في هذه السن المتقدمة, ستحسب له داخل افراد اسرته وداخل مجتمعه وداخل وطنه كله, طالما كانت خطوة مفيدة تؤدي احيانا الى عمل قومي كبير واستفادة شعبية واسعة.. وهو في حد ذاته اجر كبير. ومن واقع خبرة هؤلاء الاشخاص, الذين لهم ملفات نظيفة طوال سنوات عملهم, يمكن ان نضع ايدينا على الخطأ كما نعرف اين الصواب, ويمكن ان نفرق بين الحلال والحرام, وان نصل الى الطريقة السليمة في محاربة الفساد والقضاء على الرشوة, وان نضع الحدود بين البيروقراطية المكتبية والفوضى الحكومية, وان نقضي على السلع المغشوشة والخدمات المدسوسة والاساليب الملتوية بخبرتهم وآرائهم السديدة يمكن ان نبني المجتمع النظيف الذي يعمل فيه القطاع الخاص المنتج والمعطي وان نقف خلف الحكومة في كل خطوة ناجحة ومفيدة, وان ننتقد كل خطوة تضر ولا تنفع, وبذلك تتحول هذه الشريحة من الناس الذين يزيد عمرهم عن الستين الى شريحة منتجة ومفيدة بدلا من التقاعد والكسل والنوم الذي تدفعهم اليه الدولة, مما يضرهم ويضر الدولة ويجعلهم شريحة غير نافعة لبلادهم. وفي الولايات المتحدة الامريكية على سبيل المثال يكرم الذين يحالون على التقاعد, كما تستفيد منهم الدولة, والتكريم يتم بمنحهم معاشا كبيرا يصل الى ثلاثة الاف دولار في الشهر وهو ما يكفيهم فعلا لمواجهة احتياجاتهم الضرورية وغير الضرورية للعيش في نفس المستوى الذي عاشوا فيه طوال حياتهم, هذا بالاضافة الى مكافآت كبيرة يحصلون عليها من الجهات التي عملوا بها قبل سن التقاعد وتسمى مكافآت نهاية الخدمة, وبعض هؤلاء الاشخاص يفضلون تمضية باقي حياتهم في زيارات متنوعة وسياحية بالخارج طالما يملكون رصيدا يسمح لهم بذلك وهو حقهم المشروع الذي توافر لهم نتيجة عمل وكفاح بدأ مع بداية حياتهم العملية واستمر حتى سن الستين, خاصة وان الجميع تقريبا يعملون في انشطة تبدأ يوميا في الصباح الباكر وتستمر حتى الخامسة مساء وان كانوا يحصلون على يومين اجازة اسبوعيا, يوم للمشتريات التي يعيشون عليها طوال الاسبوع ويوم للترفيه يقضونه في الغالب خارج المكان الذي يعيشون فيه. وهناك فئة اخرى من هؤلاء الذين يحالون على المعاش يفضلون الاستمرار في العمل ليس طبعا في الجهات التي عملوا بها قبل سن المعاش ولكن في جهات اخرى وبأشكال مختلفة, وتقوم الحكومة هناك بتشجيعهم على ذلك خاصة بارسالهم كخبراء الى الدول النامية التي يقدمون اليها معونات فنية, على ان تتحمل الدول المضيفة تكاليف الاقامة فقط التي تتمثل في الاقامة في الفنادق وتوفير وسيلة المواصلات والتنقلات مع استمرارهم في الحصول على معاشهم الشهري داخل بلادهم, وبهذا الشكل فانهم يحصلون على ما يريدون الحصول عليه في كبر سنهم, بالنسبة لمواصلة انشطتهم العملية في اعطاء خبرتهم للمتدربين في الدول النامية بما يساعد هذه الدول على معالجة مشاكلها, وبالنسبة ايضا لرغبتهم في التمتع بالعيش في اجواء تختلف عن الاجواء التي عاشوا فيها قبل سن المعاش. وفي البلاد العربية فانه يمكن تصنيف كبار السن الذين يبلغون سن التقاعد الى الفئات التالية: 1 ــ فئة تحتاط لهذا اليوم من واقع سلطاتهم في المناصب التي يشغلونها وذلك باستمرارهم في العمل بعد تغيير مسمى الوظيفة او المنصب الذي يشغلونه وحتى بنفس المسميات بالاتفاق مع السلطات العليا في الجهات التي يعملون بها, وبالرغم من وقف التكالب على هذا الوضع وصدور قرارات تمنعه الا ان طبيعة المجتمع الذي نعيش فيه تمنع هذا الوقف, وقد رأينا في اغلب المؤسسات ان نسبة كبيرة من الذين يبلغون سن التقاعد يستمرون في اعمالهم وبقرارات من رئيس الوزراء وذلك باستمرارهم في اعمالهم او بتعيينهم مستشارين في نفس الجهات التي يعملون بها وبمرتبات ومكافآت لا تقل عما كانوا يحصلون عليه قبل سن المعاش, وهو ما يؤكد الخلل بين التخطيط والتطبيق في المجتمع الذي نعيشه, وهو الخلل الذي سيستمر مالم يحدث تغيير جذري يقوم على طرق حديثة في معاملة اصحاب المعاشات والانتفاع منهم في اماكن ينتفعون هم ايضا منها كما يحدث في اغلب الدول المتقدمة. 2 ــ فئة تحتاط لهذا اليوم ايضا ولكن من واقع ارصدة مالية يدخرونها طوال حياتهم العملية, وهي الارصدة التي يستخدمونها في متنزهات وزيارات وسياحة بالداخل, او الخارج اذا كان الرصيد يسمح, وهذه الفئة هي التي عاشت تخشى يوم المعاش وتوفر كل قرش يخرج عن حاجتها لمواجهته, ويمكن القول انها عاشت محرومة لتستفيد بأموالها في العيش الكريم بعد سن المعاش, وهي فئة قليلة في مجتمعنا, لان احتياجات العامل واسرته واولاده حتى سن الزواج ثم الالتزام بزواج الاولاد وتوفير شقق لهم بالاضافة الى الغلو في المهور ولوازم الافراح, كل ذلك يستغرق اغلب الارصدة التي وفرها العامل بفرض انه عامل نظيف عاش حياة نظيفة بعيدا عن اية شبهات في التكسب غير المشروع. 3 ــ الفئة المتبقية وهي التي تمثل ما يقرب من ثمانين في المائة من اصحاب المعاشات وكبار السن, وهي الفئة التي لم تكن وصولية فلم تصل ولم تتبوأ مناصب كبيرة تؤمنها حياة ما بعد المعاش, ولم تستطع تكوين رصيد مالي يدر لها دخلا ينفعها في اوقات المعاش, فخرجت الى المعاش كما يخرج الانسان الى الموت! فلا عمل استطاعت الحصول عليه ولا مال يساعدها في زيادة قيمة المعاش الذي لا يزيد في الوقت الحاضر عن خمسمائة جنيه شهريا في المتوسط وهو مبلغ لا يكفي العيش لاسرة كاملة او حتى لزوج وزوجة فقط, فأصبح الموت لرب الاسرة افضل له من الحياة في حالة اكتئاب نفسي او مرض مزمن كأمراض الضغط والقلب والسكر التي تصيب عندنا اكثر من نصف السكان خاصة كبار السن منهم. هذه الفئة تستحق الرعاية فعلا, لأنها قضت حياتها في شقاء وعمل متواصل حتى وصلت سن المعاش فلم تجد تعويضا عن هذا الشقاء بل وجدت معاشا لا يساعدها على العيش في نفس المستوى الذي عاشت فيه لمدة لا تقل عن اربعين عاما, ولم تجد فرصا امامها لاستمرار كفاحها من اجل العيش في نفس هذا المستوى فلزمت بيوتها في حالة من الاكتئاب والمرض المزمن, حتى العلاج التي كانت تحصل عليه وقت العمل لم يعد يتوفر لاغلبها, وبهذا الشكل ووسط هذه الظروف فانها تعيش في انتظار الموت, وهو ما يدعو الى تشاؤم العاملين الذين لا تختلف ظروفهم عنها, علما بأن هذه الفئة تضم الرؤساء والمرؤسين وهم الذين يلزمون بيوتهم, الموظفين الصغار والموظفين الكبار الذين يجلسون على المقاهي او يقابلون بعضهم البعض في الشوارع يتسكعون ويعيشون في مستوى متدنٍ عن الحياة التي عاشوها اثناء العمل. اقول ان هذه الفئة من اصحاب المعاشات وكبار السن تستحق فعلا الرعاية من الدولة, ليس بزيادة قيمة المعاش الشهري فقط, ولكن بفتح مجالات للعمل وقضاء الوقت حتى لا يشعرون بالاكتئاب ولا تهاجمهم الامراض على حساب العمل وعلى حساب الانتاج وعلى حساب الوضع الاقتصادي باكمله.

تعليقات

تعليقات