مونيكا جيت وازدواجية الاعلام الامريكي: بقلم: الدكتور محمد قيراط - البيان

مونيكا جيت وازدواجية الاعلام الامريكي: بقلم: الدكتور محمد قيراط

يتربص الاعلام الامريكي هذه الايام بفرصة ذهبية وهي فضيحة الرئيس الامريكي بيل كلينتون وقصصه الجنسية مع النساء, وآخر حلقات في سلسلة الفضائح اللامتناهية لرئيس اقوى دولة في العالم مونيكا لوينسكي التي شاءت الاقدار ان تتدرب في البيت الابيض وان تكون لها حكايات وغراميات مع الرئيس بيل كلينتون. الاعلام الامريكي كعادته شمر عن ذراعيه ليبرز عضلاته وقوته وليبرهن للعالم انه اعلام قوي بامكانه ان يحقق في فضائح الرئيس ويزحزحه من البيت الابيض. تذكرنا قصة (مونيكا جيت) بمحاكمة اوجي سيمبسون حيث تفنن الاعلام الامريكي في متابعة القضية وحتى في متابعة مطاردة الشرطة لأوجي سيمبسون على الهواء, كما تذكرنا بعد مرور ربع قرن بووترجيت الذي دفع الرئيس الراحل نيكسون ثمنها غاليا وكان رئيس الولايات المتحدة الامريكية. ما يهمنا هنا هو ما هي الدوافع وما هي الخلفيات وما هي الاهداف من وراء كل هذه الفانتازيا وهذا الفولكلور الاعلامي؟ ولنقارن بين تغطية ممارسات السياسة الخارجية الامريكية, ودور الشرطي الذي تلعبه امريكا في العالم وبين تغطية القضايا والاخبار الشخصية التي تتعلق بكبار المسؤولين والرؤساء بالولايات المتحدة الامريكية, وهنا نلاحظ للوهلة الأولى ان الفرق شاسع وواضح للعيان. في حالة تغطية الشؤون الداخلية والقضايا العامة والخاصة في المجتمع الامريكي نلاحظ ان وسائل الاعلام بمختلف اشكالها والوانها تعمل على تجسيد التعديل الاول وحرية الصحافة والنقد والاختلاف في الرأي والهدف هنا بطبيعة الحال هو الدفاع على النظام وترسيخه والمحافظة عليه. والوسيلة الاعلامية هنا ما هي الا اداة للنظام الرأسمالي الامريكي بكل ما يحتويه من عيوب وتناقضات وتجاوزات. وهنا تحاول الوسيلة الاعلامية ان تتباهى بالحرية وبالموضوعية وبالاستقلالية. اما فيما يخص تغطية الممارسات الامريكية على الصعيد الدولي فالامر يختلف تماما حيث نلاحظ ان الوسيلة الاعلامية هنا تهدف الى التبرير والدفاع عن الآلة السياسية والاقتصادية والامريكية عالميا, وما هي الا جزءا من نظام يحاول ان يفرض سيطرته سياسيا واقتصاديا وثقافيا على الصعيد الدولي والنظام الدولي الجديد ما هو الا محاولة لفرض القوة والهيمنة الامريكية على العالم. ومن هنا نرى ان وسائل الاعلام الامريكية عندما تحاول ان تعرض وتحلل وتفسر مسألة مثل الحصار الامريكي على العراق او محاولة ضربه او الحصار على ليبيا او السودان او ايران فالامر في هذه الحالة يختلف تماما حيث ان اطروحات البيت الابيض والنظام الامريكي هي التي تفرض نفسها وتقدم بكل حماس ودفاع للرأي العام الامريكي. ونادرا ما نجد وسيلة من الوسائل تعارض او تختلف مع الرأي المطروح والسائد, واذا خرجت وسيلة اعلامية عن الخط او جاء صحافي ما بطرح لا يسير مع التيار السائد فانه يهمش ويوضع في قائمة الخارجين على النظام. وتجربة س.ن.ن مع البنتاجون في حرب الخليج وكذلك تغطية اجتياح القوات الامريكية لجزيرة جرنادا ما هي الا امثلة تاريخية على ازدواجية الاعلام الامريكي. فمن الصعب جدا على المواطن الامريكي البسيط ان يعرف لماذا تحول الدولارات التي يدفعها للضرائب لدولة مثل اسرائيل, ولماذا تتحصل هذه الاخيرة سنويا على اكثر من ثلاثة مليارات دولار في حين ان النظام الصحي ونظام المساعدات الاجتماعية لا يولي ادنى اهتمام للطبقات الاجتماعية المحرومة. نظرية المؤامرة: ذهب الكثير من الصحافيين والمحللين للقول ان (مونيكا جيت) هي فبركة يهودية صهيونية محضة, والمتمعن لتفاصيل القضية ولما قدمه كلينتون لليهود يتيقن ان الاسرائيليين لا يجدون احسن من الرئيس كلينتون لتنفيذ كل الطلبات وكل ما يريدونه. اضف الى ذلك ان كلينتون في فترته الثانية في البيت الابيض لا يخسر شيئا وهو يقوم بعمله بعيدا عن اي ضغط انتخابي مستقبلي حيث انه دستوريا لا يستطيع ان يحكم الولايات المتحدة لولاية ثالثة. ومن هنا نلاحظ ان نظرية المؤامرة لا تنسحب تماما وقد يخسر اليهود الكثير اذا ما ارغم كلينتون على مغادرة البيت الابيض. العملية كلها تتلخص في فلكلور اعلامي وفي ابراز الوجه الآخر للديمقراطية الامريكية وللصحافة التي تتباهى وتتفنن في محاكمة رئيس اقوى دولة في العالم. ومن الجانب الآخر يرى البعض ان العملية فبركة يهودية اسرائيلية من حيث التوقيت ومن حيث الانعكاسات حيث ان توقيت مونيكا جيت جاء في ظرف زمني مهم جدا لمسيرة السلام في الشرق الاوسط وفي وقت يجد الطرف الاسرائيلي نفسه فيه في موقف الضعف وبامكان كلينتون ان يفرض رأيه ويحقق اشياء ملموسة للطرف الفلسطيني فحادثة مونيكا جيت جاءت في هذا الوقت بالذات لتضعف الرئيس الامريكي وترهقه وجاءت لكي تؤدي احدى المهمتين: المهمة الاولى الاستقالة ومغادرة البيت الابيض مما يتيح المجال الى نائبه آل جور لاستخلافه وفي هذه الحالة سيفعل اللوبي الصهيوني فعلته ويتصرف مع رئيس جديد يفكر في ضمان الكرسي وكسب الانتخابات المقبلة وهذا لا يتأتى بطبيعة الحال الى بالرضوخ الكامل والشامل واللامشروط لطلبات الصهاينة. وهذا ما يريده اللوبي الصهيوني حقيقة لأن اوراق كلينتون نفدت وقد قدم ما عليه, وحان الوقت الآن لمغادرة الرئاسة. المهمة الثانية هي اضعاف الرئيس الامريكي معنويا والتأثير عليه سلبيا حتى تنخفض وتتدهور شعبيته وبذلك تقوض قوته ونفوذه وينتهي به الامر الى الرضوخ والاستسلام لمطالب واهداف اللوبي الصهيوني. ومن كل هذا نستنتج ان الآلة الاعلامية الامريكية ما هي الا جزء من الكل وما هي الا حلقة من حلقات النظام تخدمه وترسخه وتعمل على تسويقه وبيعه داخليا ودوليا. الازدواجية الاعلامية: المعايير والقيم ما يلفت الانتباه في قضية مونيكا جيت وغيرها هو ما هي المعايير والقيم التي تحكم المجتمع الامريكي؟ فاذا تكلمنا عن الخيانة الزوجية وانحلال قيم العائلة واهميتها ودورها في المجتمع نجد ان تصرفات بيل كلينتون ومن سبقوه في البيت الابيض ومن كانت لهم علاقات جنسية غير شرعية مثل كينيدي وايزنهاور وغيرهم كثيرون, شيء ليس بجديد في المجتمع الامريكي وفي الحياة اليومية الامريكية, واذا تكلمنا عن حق الشعب الامريكي في معرفة ما يدور في البيت الابيض وفي الكواليس فهذه الامور تعتبر قشورا وامورا ثانوية اذا قارناها بالامور المصيرية والهامة مثل السياسة الخارجية الامريكية واوضاع الزنوج الامريكيين والاقليات الاخرى ومشاكل البطالة والمخدرات والتهميش ومشاكل الرعاية الصحية والتعليم الى غير ذلك. فمن هنا نستنتج ان ما يطرح وما يناقش ما هو في حقيقة الامر الا استعراض لأمور قد لا تثري ولا تفقر الغالبية العظمى من الشعب الامريكي. فالمواطن الامريكي البسيط يريد ان يعرف الامور التي تؤثر في جيبه وفي لقمة عيشه اليومية اما التصرفات الجنسية واللاأخلاقية لرئيسه فإنها لا تثريه ولا تفقره حيث ان حتى تداول الجمهوريين او الديمقراطيين على الرئاسة لم يغير شيئا من اوضاع المحرومين والمهمشين. ومونيكا جيت ما هي الا انعكاس للاغتراب وللتهميش وللاقصاء الفكري والثقافي. فضرب العراق يعتبر قرارا اهم بكثير من التصرفات اللاأخلاقية للرئيس الامريكي, لكن قرار ضرب العراق هل يفسر ويشرح ويقدم للرأي العام الامريكي من مختلف زواياه وابعاده؟ هل يؤخذ رأي الشعب الامريكي في هذا القرار؟ وهنا نرى ان المسائل الرئيسية يقررها في كواليس الكونجرس والبيت الابيض اللوبي الصهيوني ومن لف لفة ويكون المواطن الامريكي العادي والبسيط هو اخر من يعلم بمثل هذه الامور. السؤال الاخر الذي يفرض نفسه في قضية مونيكا لوينسكي لماذا ظهرت على السطح في هذه الفترة بالذات؟ وهي القضية التي تعود الى سنة 1995م ومن قبلها فضائح جنسية اخرى للرئيس الامريكي مثل قضية باولا جونز وجنيفر فلاورز وليندا تريب والقائمة مازالت طويلة. فهذه الفضائح تصنعها جماعات ضغط ولوبيهات وقوى سياسية كبيرة تعمل في الخفاء وفي الكواليس تخزنها وتوثقها وتستعملها متى تشاء ومتى تريد وفق المصالح والاهداف. والعملية كلها فبركة وفلكلور لتمرير ما يراد تمريره وتحقيق الاهداف المرجوة. والملاحظ والغريب في كل هذا الفلكلور والفنتازيا الاعلامية الامريكية وصناعة الرأي العام الامريكي وتشكيله وفبركته هو ان سمعة الرئيس بيل كلينتون تدهورت وانخفضت بعشر درجات اثناء اثارة الحادثة من قبل وسائل الاعلام. والغريب في الامر ان هذه السمعة ارتفعت وزادت عما كانت عليه قبل ازمة مونيكا جيت وهذا بعد ان القى الرئيس خطاب الاتحاد. وهكذا وفي امريكا تحول الفضيحة الى نجاح والخطأ الى صواب, وهكذا اصبحت شعبية رئيس اقوى دولة في العالم تتصرف فيها وسائل الاعلام كما تشاء فتخفضها تارة وترفعها تارة اخرى وفق الظروف والمعطيات ووفق مصالح القوى التي تحركها وتسيرها. الذي لا يعرف المجتمع الامريكي يظن ان ما قام به كلينتون خروجا عن الاصول والتقاليد والاخلاق والعادات, الا ان مثل هذه الامور كثيرة الانتشار والتداول وتعتبر جزءا من الحياة الاجتماعية الامريكية وجزءا من القيم التي يتشبع بها المجتمع الغربي. وبالنسبة للاعلام الامريكي فان فضيحة مونيكا لوينسكي ما هي الا فرصة من الفرص النادرة للظهور وابراز ما تستطيع ان تفعله السلطة الرابعة في الديمقراطية الغربية. ومن الاسف فالسلطة هنا هي سلطة من يملك الوسيلة الاعلامية ويمولها ويتحكم في محتواها كما يشاء, والديمقراطية ما هي كذلك الا ديمقراطية الاغنى والاقوى والاكثر نفوذا. والضحية الحقيقية في فضيحة مونيكا جيت ليست مونيكا لونيسكي ــ حيث انها ستلعب الدور الرئيسي في الفيلم المقبل الذي سيحمل عنوان (مونيكا جيت) وهي الاجدر بهذا الدور وبذلك ستحصل على اموال طائلة وتدخل هوليوود من بابه الواسع ولا هو الرئيس الامريكي بيل كلينتون الذي ارتفعت شعبيته بعد الخطاب الذي وجهه للأمة. وانما الخاسر هو الرأي العام ومئات الملايين من الامريكيين الذين تقرر مصيرهم حفنة من اصحاب الجاه والمال والنفوذ في واشنطن. جامعة الامارات قسم الاتصالات الجماهيري*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات