الانعكاسات غير الاقتصادية لأزمة الأسواق المالية الآسيوية :بقلم: الدكتور الحسان بوقنطار - البيان

الانعكاسات غير الاقتصادية لأزمة الأسواق المالية الآسيوية :بقلم: الدكتور الحسان بوقنطار

منذ شهور والعالم يعيش تحت ايقاع الازمة الاقتصادية التي اجتاحت الدول الآسيوية مخلفة سقوط تلك الدول الواحدة تلو الاخرى, بفعل العدوى الناتجة عن تداخل الاقتصاديات العالمية, وتعمق ظاهرة العولمة. واذا كان العالم قد اعتاد على الهزات التي تضرب بشكل دوري اقتصاديات دول العالم الثالث نتيجة المشكلات المزمنة التي تتخبط فيها, والتي باتت تهدد مستقبلها, فان لا احد كان يشك في عافية وصحة النمور الآسيوية, وخاصة منها ما يتموقع في موقع اقتصادي مشرف, كما هو الامر بالنسبة لكوريا الجنوبية التي تحتل المرتبة الحادية عشرة عالميا بل اكثر من ذلك, فان اغلب المسؤولين الاقتصاديين العالميين المتمكنين من خبايا الاقتصاد العالمي بفعل تقارير مؤسساتهم المالية لم يترددوا اياما قبل بداية العاصفة في الاشادة بالنموذج الآسيوي, وانجازاته الكبيرة, ومن بينهم مدير صندوق النقد الدولي نفسه الفرنسي ميشال كامدوسي, لذلك فان هذه العاصفة التي تهز هذه الدول لا تستنطق فقط الملاحظ حول تداعياتها الاقتصادية بمختلف ابعادها, بل تعيد كذلك الى الواجهة طرح قضايا مرتبطة بالبعد الاجتماعي وكذلك الارتباط الجدلي بين النمو الاقتصادي والاصلاح السياسي, وعلاوة على ذلك فهي تعيد مجددا طرح اشكالية السيادة على ضوء تدخلات صندوق النقد الدولي في ايجاد مخرج للاختناقات التي باتت تواجهها هذه الدول وهي النقطة التي سنبدأ بها. أولا: صندوق النقد الدولي واعادة الهيكلة اذا كان صندوق النقد الدولي قد تأسس في سنة 1944 من طرف مؤتمر برتون وودز كمنظمة عالمية متخصصة هدفها ضبط التفاعلات النقدية والمالية, فانه لم يبدأ في التدخل بشكل نشيط في الاقتصاد العالمي, الا في بداية السبعينات نتيجة اقدام الرئيس نيكسون, في خضم حرب الفيتنام على التخلي عن النظام النقدي الذي كان سائدا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, والذي كان قائما على القيمة الثابتة للدولار والذهب ولا ريب في ان تعويم العملات الذي بدأ يسود العالم قد جرد هذا الصندوق من احدى وظائفه الاساسية النقدية, وفي الوقت الذي تطورت وظيفته المالية حيث بات مطلوبا من هذه المؤسسة ان تقدم مساعدتها للدول التي تعيش صعوبات مالية لا تقدر على مواجهتها لوحدها. لقد تصاعد دور هذا الصندوق بشكل كبير في بداية الثمانينات مع انفجار أزمة مديونية دول العالم الثالث والتي انطلقت مع اعلان المكسيك عن عجزه عن الالتزام باداء اقساط الديون التي حان أجلها, مما فتح الباب على احتمال افلاس الكثير من الدول ومن ثم بات ضروريا تدخل صندوق النقد الدولي لضمان اعادة جدولة ديون تلك الدول, هذا التدخل الذي لم يكن يستهدف فقط ضمان قروض هذه الدول بل فرض عليها اصلاحات واسعة انصبت على اعادة التقويم الهيكلي, اي اعادة النظر في كثير من الاختيارات السائدة وتحت ضغط الريغانية والنيوكلاسيكية فان الوصفات التي اقترحها صندوق النقد الدولي توخت تفكيك الدور الاساسي الذي كانت تقوم به الدولة, خاصة في المجالين الاجتماعي والاقتصادي واذا كانت هذه البرامج التقشفية قد سمحت باعادة التوازنات المالية والنقدية فان ثمنها على المستوى الاجتماعي كان باهظا تجلى في مزيد من التهميش والتفقير لفئات واسعة مما خلف ردود فعل عنيفة في مجموعة الدول, وهو الامر الذي فرض على هذا الصندوق مراجعة سياسته من خلال الاهتمام اكثر بالبعد الاجتماعي اعتبارا للعلاقة الجدلية بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية وقد تجلى ذلك واضحا من خلال خلق ما سمي بلجنة التنمية داخل الصندوق. في هذا السياق فان التجاء هذه الدول الآسيوية الى هذه المؤسسة المالية يعني فداحة الازمة التي ضربت اقتصاديات هذه الاقطار, وفي نفس الوقت فشل الحلول الداخلية المقترحة ولكن تساوقا مع ذلك فانه يعني القبول بمقترحات هذا الصندوق الذي من خلال ضمان القروض الهائلة لهذه الدول فانه استهدف في نفس الوقت تفكيك النموذج الذي سارت عليه لحد الساعة, والذي ارتكز على قاعدة اساسية مضمنها, حماية المنتجين الوطنيين في مواجهة الواردات الاجنبية التي لم تكن تستطيع الدخول بسهولة لمنافسة المنتجات المحلية وفي نفس الوقت سد الابواب امام ولوج الشركات المتعددة الاجنبية الى السوق الوطني وهو الامر الذي ترك الباب مفتوحا امام المؤسسات المحلية فهذا النموذج المقتبس من التجربة اليابانية والذي تمكن من اغراق الاسواق العالمية بفعل كلفته الانتاجية القليلة مقارنة مع بضائع الدول الغربية, يبدو انه انتهى. ذلك ان الالتزامات التي قبلت بها هذه الدول وخاصة كوريا تنبع اساسا من فتح فضائها الاقتصادي امام المستثمرين الاجانب ولا سيما في المجال المالي, وهذا يعني انه على شاكلة كثير من دول العالم الثالث فان الاقطار الآسيوية المعنية قد تخلت مرغمة عن جزء من سيادتها في المجال الاقتصادي. وبالتالي فان اختياراتها الاقتصادية باتت محددة من الخارج, واساسا بواسطة خبراء الصندوق وقد تتعمق هذه التبعية في حالة عجز هذه الادوية عن تقديم العلاج الشافي للمشكلات المطروحة وفي الواقع فان هذه الصدمة الكهربائية التي يراد بها انعاش اقتصاديات الدول المتضررة لا يقتصر اثرها على المجال الاقتصادي بل قد تترتب عنها انعكاسات اجتماعية وسياسية. ثانيا: نحو اعادة هيكلة اجتماعية وسياسية؟ ان الشروط التي فرضها صندوق النقد الدولي من اجل تقديم مساعدته والمتمثلة بالاساس في اعادة هيكلة المؤسسات الانتاجية من جراء افلاس العديد منها لا يمكن الا ان تعمق من البطالة في هذه البلدان, ويعتقد اغلب المحللين ان نسبة البطالة ستتضاعف في الاشهر المقبلة وقد تتضاعف بثلاث مرات في كوريا لتصل الى 9% من السكان النشيطين, واذا كان من الصعب تعميم هذه الانعكاسات بنفس الدرجة, فمن الواضح ان حدتها ستزداد في الدول التي كانت هياكلها الاقتصادية ما زالت هشة والتي ارتكز نشاطها على اجراءات حمائية كبيرة, حيث ان تفكيك تلك الحمائية لا يمكن الا ان يرتب نتائج غارقة في السلبية وفي مواجهة مثل هذه العواقب المحتملة فقد باشرت الحكومات بعض الاجراءات التي تستهدف اعادة ترتيب النسيج الاجتماعي, وكما هو الامر في كثير من الحالات فان هذه الاجراءات قد تمس الاجانب المقيمين في تلك الدول فعلى شاكلة الخطابات السائدة في الغرب من طرف اليمين المتطرف, فان الاتجاه في بعض هذه الدول يسير نحو تحميل هؤلاء تبعات هذه الازمة الاقتصادية فهؤلاء الذين يتم استغلالهم بشكل بشع ايام الرخاء يتحولون الى كبش فداء خلال الازمات, حيث ترتفع الصيحات بضرورة طردهم لترك مجالات شغلهم للمواطنين المحليين, واذا كان لا مناص من محاربة ما يسمى بالهجرة السرية او اللاشرعية فان مناهضة الاجانب المقيمين بشكل شرعي يناهض مبادىء حقوق الانسان ولا سيما منها الاتفاقية الدولية المتعلقة بالمهاجرين. وعلاوة على هذه الاجراءات التي تستهدف الاجانب والتي باشرتها تايلاند مثلا فان انهيار النظام المالي في هذه الدول بفعل المضاربات والتسيير الخاطىء يطرح مشكلات في غاية الاهمية تتمثل بالاساس في تحديد المسؤوليات فاذا كان ارباب العمل والمؤسسات المالية يجنون الارباح الهائلة في لحظات الرخاء والانتعاش, فغالبا ما يؤدي العمال ثمن اخطائهم ومغامراتهم وهذا الامر من شأنه ان يرتب توترات اجتماعية لا سيما في تلك الدول التي ترافق نموها الاقتصادي السريع بضعف في الديمقراطية فمن الواضح ان هذه الازمة لم تطرح فقط الجانب الاقتصادي, والاجتماعي بل كذلك طرحت النقاش حول اساليب التسيير في بعض الدول, والتي كشفت عن هيمنة نزعات عائلية تسيطر على دواليب الاقتصاد, وهو امر لا يساير التسيير العقلاني الرأسمالي المتقدم القائم على ضرورة وجود منافسة شريفة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين, ان مجموعة من المشاريع التي كانت بيد افراد عائلة آل سوكارنو قد تم الغاؤها في سياق الاصلاحات التي طالب بها صندوق النقد الدولي لانقاذ الاقتصاد وقد لا يشكل ذلك الا بداية فتح ورش الاصلاحات السياسية فالنمو الاقتصادي ينبغي ان تسايره اشكال من التسيير السياسي العقلاني والمتوازن والمنفتح الذي يراعي بالاساس خلق تنمية اجتماعية تستفيد من ثمراتها كافة الشرائح الاجتماعية. لقد كشفت الازمة المالية الحالية على ان الاصلاحات السياسية قد لا تكون فقط استجابة لضغوط داخلية بل قد يكون العنصر الخارجي اكثر حسما في توجيه هذه التحولات, وقد يكون هذا هو الدرس الذي استوعبته ماليزيا والتي تحاول لحد الساعة عدم السقوط في مخالب صندوق النقد الدولي من خلال ايجاد حلول وطنية لمشكلاتها الداخلية, وعلاوة على ذلك فان هذه الازمة التي ما زالت تأثيراتها متواصلة ومستمرة اذا كانت قد اسقطت ذلك الانبهار وتلك الهالة التي كانت محيطة بتجربة دول جنوب شرق آسيا, فانها في نفس الوقت تستنطق ضرورة تأمل المجتمع الدولي لصيغ اكثر ملاءمة وفعالية للتنبؤ بمثل هذه الهزات وبالتالي تجنيب الانسانية مخاطرها. استاذ العلاقات الدولية, كلية الحقوق, جامعة محمد الخامس, الرباط, المغرب*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات