محرقات اليهود من يشوع بن نون الى آرييل شارون: بقلم: شفيق الحوت

من كثرة الذين يحملون هذا اللقب لقب (المستشار) للرئيس ياسر عرفات, لم استطع ان احزر من كان من بينهم ذاك العبقري الذي اشار على رئيسه بابداء الرغبة لزيارة متحف (المحرقة) في واشنطن وزين له اهمية هذه البادرة وما يمكن ان يحصده من جوائز اعلامية وسياسية . ثم جاء في الاخبار ما يبرىء المستشارين من مثل هذه العبقرية وينسبها الى دنيس روس او احد افراد طاقمه شرط ان يبقى الامر سرا حتى لا يتهم الفريق الامريكي بالانحياز للسلطة وتزويدها بأفكار رفيعة المستوى من شأنها الاضرار بموقف نتانياهو المتطرف واظهار ان (الفلسطيني) هو الساعي الجاد من اجل المصالحة التاريخية!! وبغض النظر عن ردود الفعل المسرحية التي ظهرت عند اليهود عند سماعهم بهذه المبادرة بين رافض لها واخر غير ممانع على استحياء, وسواء تمت هذه الزيارة ام لم تتم لان الفشل الذريع الذي اصاب (لقاء واشنطن) غطى على كل ما عداه من اخبار لابد لنا من التوقف مليا عند هذه المسألة باعتبارها جزءا من مسألة اكبر منها كثر الحديث من حولها في الفترة الاخيرة وهي (الموقف العربي من المحرقة) . لقد ذهب بعض الكتاب العرب في حديثهم عن هذا (الموقف) وكأنه نقطة البدء في الصراع العربي ــ الاسرائيلي وانه بتعديل هذا (الموقف) ينتهي هذا الصراع وتستعاد الحقوق وتتم المصالحة التاريخية ويعم السلام والوئام!! وفي البداية لابد من التساؤل اذا كان هناك ما يمكن تسميته بـ (الموقف العربي) من هذه (المحرقة) وان كان ثمة موقف, فما هو؟ في واقع الامر وحقيقته انه لا يوجد ما يمكن تسميته بالموقف العربي وليس في ادبياتنا السياسية الرسمية ما يشير الى ذلك لا سلبا ولا ايجابا. ان اتهام العرب كل العرب, بانهم رحبوا بالمحرقة وايدوا مرتكبيها هو محض افتراء يذكرنا بمسلسل الاكاذيب التي حاول العدو الصهيوني الصاقها بنا دون اي سند او دليل ابتداء من كذبتهم التاريخية بان (فلسطين وطن بلا شعب) مرورا بعزم العرب على (رمي اليهود في البحر) وصولا الى فرية (الارهاب) التي لم ترفع حتى الان من القاموس الامريكي عن منظمة التحرير الفلسطينية بعد مرور اكثر من اربع سنوات على توقيع اتفاقية اوسلو ولقاء عرفات في البيت الابيض مع الرئيس الامريكي. هناك مواقف لكتاب وسياسيين عرب, اكثرها قسوة وسلبية موقف غير المكترث او من يرفض ذرف الدمع بينما في المقابل, يوجد بينها مواقف تعرب بأفصح الكلام عن ادانتها لمرتكبي هذه الجريمة, وعن تعاطفها مع من تعرضوا اليها ومع ذويهم وذوي ذويهم ولكل اليهود. وكانت هذه الكتابات متعمدة ومقصودة ومقتصرة على اليهود وحدهم اذ لم تأت في سياق نقد عام لما ارتكبه النازيون من جرائم مماثلة بحق شعوب وطوائف اخرى. اي ان هذه الكتابات جاءت في اطار الطرح اليهودي الحصري لمفهوم (المحرقة) والذي لا يشمل احدا غير اليهود. فالمحرقة مثل الدياسبورا مثل الجيتو مثل المجزرة مثل الخروج ومثل العودة, مصطلحات لا يقر اليهودي لغير اليهود حق استعمالها حتى لو تعرضوا لتجارب مماثلة لتجربتهم! ونعود لصلب موضوعنا حول (المحرقة) وموقفنا منها ومدى ما يعلق البعض من اوهام على حركة الصراع بيننا وبين العدو اذا ما نحن اعترفنا بهذه المحرقة واشعلنا الشموع في ذكراها وزرنا متاحفها تابعنا كل ما صدر ويصدر عنها سنويا, وعلى امتداد اكثر من خمسين سنة من روايات واشعار ومؤلفات و... وكل وسائل الثقافة والاعلام. نستهل رأينا حول هذه المسألة بالقول انه ليس باستطاعة اي انسان سوى عاقل حر شريف يستحق شرف الحياة ان لا يدين جريمة من هذا النوع حتى لو مست انسانا واحدا وليس ملايين البشر وفي تراث العرب وفي الديانة الاسلامية ان من قتل نفسا من غير حق كمن قتل الناس جميعا. حتى في الحروب المعلنة فان ما أوصى به خليفة الرسول صلى الله عليه وسلم الاول ابوبكر الصديق جنوده قبل التوجه لفتوحاته تعتبر من أرقى واسمى اخلاقيات الحرب. ولم يشهد تاريخنا الذي نباهي به الغرب عموما واليهود خصوصا على محرقة او مجزرة قمنا بها. بينما ــ وليسمح لنا بالتحرر من عقدة اللاسامية الفارغة ــ يشهد التاريخ العبري العديد من المحرقات التي ارتكبوها في فلسطين من عهد يوشع بن نون في التاريخ القديم وصولا الى ارييل شارون في صبرا وشاتيلا سنة 1982. ولقد اتى ذكر هذه المحرقات في كتاب التوراة. اي العهد القديم من الكتاب المقدس ولمن يريد التدقيق فليراجع ما جاء في الاصحاح السابع من سفر التثنية, او في سفر يشوع. اذن: دينيا وتراثيا فان اليهود قبل غيرهم مطالبون بالاعتراف بصحيفة سوابقهم وقراءة فعل الندامة بعد ذلك لاسيما وانهم كرروا ارتكابهم مثل هذه الجرائم في التاريخ الحديث فوصلوا ما انقطع من جرائم الماضي السحيق مع العصر الراهن في دير ياسين وكفر قاسم وقبية والتوافيق وبحر البقر والخيام... واخيرا لا اخر في المسجد الابراهيمي في الخليل. بعد هذا كله تلح نقطة ثانية لابد من الاسراع بالتذكير بها وهي ان صراعنا ضد الصهيونية بدأ لحظة اعلانها القرار بشن حربها علينا لاغتصاب أرض فلسطين وطرد اهلها منها واحلال يهود الدنيا محلهم. وكان ذلك سنة 1897 اي قبل اثنين واربعين سنة من اندلاع الحرب العالمية الثانية وارتكاب النازي لجريمة المحرقة هذه, التي تتلطى الحركة الصهيونية وراءها كذريعة لاغتصاب فلسطين. هذا تزوير للتاريخ ومن يقرأ تاريخ الحركة الصهيونية ونشاطات منظمات يعرف هذه الحقيقة. بل اكثر من ذلك فهناك اكثر من دليل على تواطؤ هذه الحركة مع النازيين وعلى الصفقات التي كانت تعرضها على برلين ثمنا لمن يرضى من اليهود الهجرة الى فلسطين تاركة من يرفض ذلك لافران الغاز دون خجل. اذن, لم تبدأ مسألة الصراع العربي ــ الاسرائيلي بابتداء (المحرقة) لينتهي بموقف منها مهما كان هذا الموقف مسرحيا مثل مبادرة عرفات لزيارة متحفها في واشنطن وايقاد شمعة فيه. بعد هاتين النقطتين لابد من الايضاح بانه ليس في مسألة (المحرقة) هذه ما يمكن الاختلاف من حوله انسانيا ولا دينيا بالنسبة للعربي او للفلسطيني. ولكن المسألة تصبح مشكلة عند (تسييسها) وتحويلها الى صك ابتزاز ازلي واعتبارها مسألة مقدسة لا يجوز المساس بها. ان المتاجرة بالمحرقة كمبرر مقبول لاحراق شعب اخر هو شعب فلسطين امر لا يمكن القبول به او السكوت عنه فالشعب الارمني ــ في تاريخنا الحديث ــ تعرض هو الاخر الى حرب ابادة مازال يعاني من اثارها حتى الان ولكن هذا الشعب لم يحاول ان يتاجر (بمحرقته) ليقيم له ملكا جديدا فوق ارض ليست له. ان اسرائيل ومعها الحركة الصهيونية وكل المنافقين في الغرب ممن يشعرون بالاثم نتيجة لتواطؤهم مع النازيين او ممن توارثوا هذا الشعور خشية الاعلام اليهودي المؤثر ليس من حق هؤلاء ابدا ان يطالبوا عربيا واحدا وبخاصة الفلسطيني ان يعترف بمأساة اليهودي في المحرقة في الوقت الذي يحظرون علينا ــ عربا وفلسطينيين ــ الا نوظف مآسينا التي تسببت فيها اسرائيل من اجل لفت العالم الى حقوقنا في ان نحيا وفي ان يكون لنا وطن. ان للاب بيار الفرنسي صديق روجيه جارودي كلمة مأثورة حول هذه المسألة عندما قال موجها كلامه للغرب (ان التكفير عن ذنب اباده اليهود لا يقول بغسل ايدي الاوروبيين على ظهر شعب اخر!! بعد هذا كله والكلام الان موجة لابي عمار فاننا نحن العرب وبخاصة الفلسطينيين يشهد ماضينا وحاضرنا ببراءتنا من دماء هؤلاء الضحايا ولسنا جزءا من ذلك الغرب الذي يعاني عقدة ضمير وازمة شعور بالاثم. نحن يا سيدي ضحايا هؤلاء الضحايا ولابد ان يعرفوا ذلك وان نقول لهم هذا الكلام وان عليهم ان يعتذروا عن كل ما اصاب شعب فلسطين على ايديهم... فذلك هو السبيل السوي الصادق والجاد من اجل ما يسمى بالمصالحة التاريخية. أتذكر ذلك اليوم في حديقة البيت الابيض عندما ظننت ان السلام يتطلب التسامح فأغفلت ما اغفلت مما كان يتوجب ذكره من حديث عن فلسطين وشعبها وما اصابه من عذاب وتشريد وما قدمه من تضحيات من اجل حريته وحقوقه؟ رابين يومئذ, لانه هو من هو, لم يرحمك, فترحم على شهدائه, ثم اشهد الدنيا على ما قدمه من تضحية عندما قبل بأن يعيش اليهودي والفلسطيني فوق ارض اسرائيل! وانت تعلم الفرق بين (اسرائيل) و(ارض اسرائيل) . واستمررت في هذا النهج واهما بانه كلما امعنت في المسايرة كلما اقتربت من تحقيق اهدافك فلا التهاني بالهانكه ولا التسليم بقدسية قبر راحيل ولا الحديث عن ابناء العمومة ونسل اسحق واسماعيل ولا.... كل هذا النهج بموصل الى استعادة وطن واقامة دولة. وصدقني ان اثارة ملف مجازرنا وسجون معتقلينا واحياء ذكرى شهدائنا والاعلان عن ان فلسطين كلها لنا وان كان ميزان القوى افترى على الحق فلم يسمح لنا الا بجزء منها... يقترب بك من اهدافك اكثر بكثير من نهج هؤلاء المستشارين الذين لا يقولون امامك غير كلمة (نعم) ... وانت تعرف انهم يتنصلون منها فور مغادرة مكتبك.

تعليقات

تعليقات