اللغز الجزائري: والبحث عن الإجابات الضائعة- بقلم- د. محمد مخلوف

فاجأني صديقي واستاذ الاقتصاد السابق في الجزائر بالقول: اتمنى ان ارى وجه احد قتلة الاطفال في هذا البلد المسلم, هل هؤلاء بشر كالبشر؟ هل بينهم اب لطفل؟ ثم كيف يتجرأ من يذبح طفلا ان يرفع بعد ذلك يديه نحو السماء؟ ماذا يجري في الجزائر ؟ تساؤلات هذا الصديق لا تدور في رأسه وحسب, وانما في رأس ملايين البشر وتؤشر على مدى عمق اثر المأساة الجزائرية في وجدانهم, لكن, وبعيدا عما تحمله هذه التساؤلات من احساس, بل واقرار, بالعجز عن الفعل, فانها تشكل دعوة لمحاولة تقديم توصيف للحالة بقصد البحث عن اجابة على السؤال الكبير: ماذا يجري في الجزائر؟ انه سؤال يطرحه اناس عاديون, كما يطرحه محللون واستراتيجيون وساسة من مختلف المذاهب والمشارب, عرب واجانب, مسلمون وغير مسلمين. ان مجرد طرح هذا السؤال يعني بوضوح ان هناك (شيئا ما) تجري التغطية عليه, ما هو ومن الذي يغطي عليه؟ هناك الكثير من التأويلات والتفسيرات, لكنها تؤدي دائما إلى اجابات منقوصة أو إلى اشارات استفهام اكبر. وربما ان اية محاولة للمساهمة في الاجابة تقتضي اولا الابتعاد عن اي موقف ايديولوجي مسبق وعن اية حسابات سياسية صغيرة, وتقتضي بعد ذلك التعرض, بدون مواربة للاسئلة, المفاتيح التي تحكم ظاهرة العنف المستمرة في الجزائر منذ ست سنوات. الاسئلة الجوهرية هي: - من هم فعلة المذابح وما هي دوافعهم واهدافهم؟ - ما هي حقيقة موقف الجيش الجزائري من هذه المذابح؟ - ما هو موقف العالم الخارجي من احداث الجزائر؟ - ما هي استراتيجية السلطة الجزائرية القائمة؟ على التساؤل الاول, تشير تحقيقات صحفية مختلفة وشهادات متلفزة وروايات متناقلة, وآراء سواد المراقبين على ان المجموعات التي تمارس العنف في الجزائر هي من المتطرفين المنخرطين في الجماعات المسلحة التي انشقت عن جبهة الانقاذ واعتبرت ان الكفاح المسلح هو السبيل المشروع للكفاح ضد السلطة القائمة, نقطة انطلاق العنف تمثلت في قرار الحكومة الجزائرية في مطلع عام 1992 الغاء الانتخابات التشريعية التي اظهرت دورتها الاولى ان جبهة الانقاذ, رغم انها لم تتكون سوى في عام 1989, ستفوز في اغلبية المقاعد. استهدفت عمليات القتل في البداية مثقفين وصحفيين وسياسيين وانتهت الان إلى ارتكاب مجازر جماعية تجاوزت في بربريتها ابشع ما عرفه تاريخ البشرية من مجازر, ففي الحالة الجزائرية الراهنة تجري عمليات القتل والذبح بين أهل وأقارب وجيران. يقول أحد الناجين من مذبحة سيدي حامد التي جرت ليلة 11 يناير ,1998 في شهادته حول القتلة الذين رآهم أمامه: (انهم أولادنا. هؤلاء الوحوش الذين يذبحوننا الآن) . تدل التقريرات المنشورة على ان عدد متطرفي الجماعات المسلحة يتراوح اليوم بين 2500 و3000 شخص, ويتمركزون بشكل خاص في وسط البلاد وغربها. وهذه الجماعات دخلت مؤخراً في صراع مفتوح مع جيش الانقاذ ــ التنظيم العسكري لجبهة الانقاذ ــ الذي دخل في مفاوضات مع السلطة وأعلن هدنة معها. على هذه الخلفية يرى البعض في المذابح الأخيرة التي شهدتها الجزائر دليلاً على عزلة أولئك الذين يقومون بها وعلى بحثهم عن استعادة (القواعد) التي تعاطفت في البداية معهم ثم (ارتدت) فيما بعد ووقفت مع مهادني السلطة. بهذا المعنى برر أحد البيانات الصادرة عن الجماعات المسلحة في شهر يونيو الماضي اللجوء إلى تنفيذ عقوبة الموت (بحق) المرتدين. وبهذا المعنى أيضاً أشارت بعض الصحف إلى أن القرى التي يستهدفها المتطرفون في مذابحهم الأخيرة كانت من القرى الموالية للجيش الإسلامي للإنقاذ. وماذا هن موقف الجيش الجزائري ـ ودوره ــ حيال المذابح؟ هو صحيح ما يقال وما رددته وسائل إعلام عديدة في شتى أصقاع العالم بأن الجيش الجزائري لم يتدخل في بعض المجازر إلا بعد ساعات طويلة على وقوعها رغم انه على مسافة قريبة منها؟. وإذا كان هذا صحيحاً فما هو ــ ومن هو ــ السبب؟ هذه النقطة تحتاج الى نقاش هادىء ومسؤول, وبعيدا عما يقال وتنشره الصحافة ــ وعما لايقال ــ هناك حقائق لابد من التوقف عندها واهمها: ــ لابد من الاعتراف بأن مكافحة الارهاب لم تكن مهمة سهلة امام اي جيش,. واية قوات امن في العالم, هذه حقيقة اثبتتها دروس التاريخ العديدة فالجيش البريطاني لم ينجح في استئصال ارهاب الجيش الجمهوري الايرلندي واسبانيا لاتزال تواجه متمردي الباسك وفرنسا لم تستطع ان تضع حدا نهائيا لنشاطات انفصالي جزيرة كورسيكا, وبالتالي ليست حالة الجيش الجزائري افضل. ان الجيش الجزائري كغيره من جيوش العالم الثالث الاخرى التي اتخذت منحى ايديولوجيا منحازا للتوجه العسكري السوفييتي ــ السابق ــ ورث آليات ثقيلة في الحركة وفي خروجه من ثكناته يضاف الى هذا نمط التسلسل البيرقراطي الذي يجعل زمن اصدار الاوامر من اسفل الى اعلى ــ وبالعكس ــ طويلا.. طويلا في حساب المذابح, كما ان ردود افعال البشر امام الاوامر الصادرة لهم قد تختلف تبعا لحساسياتهم الشخصية. ــ لقد نجح الجيش الجزائري وقوات الامن الرديفة له في حماية المناطق الاستراتيجية فلم تعرف مثلا منطقة حاسي مسعود التي تضم آبار النفط وحقول الغاز اية عملية تخريب بسيطة. هناك اشاعات عن دور الجيش ولكن لم يقدم احد, حتى الآن اي برهان جدي وقاطع عن دور (متواطىء) للجيش كما قيل مرارا وتكرارا صراحة او مواربة, هذا كله لا ينفي امكانية تباين استراتيجيات اصحاب الامر وتباين مصالحهم. وموقف العالم الخارجي؟ امام الحالة المتطرفة من الرعب التي يعيشها اهل الجزائر تسود حالة من شبه الغياب الكامل لأي تحرك فعلي من قبل المجموعة الدولية جملة وتفصيلا, وباستثناء الوفد الوزاري لـ (الترويكا) الاوروبية الذي وافقت السلطات الجزائرية على استضافته شريطة حصر الحديث معها لم يجر اتخاذ اية مبادرة دبلوماسية اخرى. وفرنسا التي يربطها بالجزائر الجغرافيا واكثر منها التاريخ وتواجد حوالي مليون جزائري على اراضيها لم يصدر عنها اي تعليق رسمي يحدد موقفا واضحا ومستمرا, هناك تصريحات لسياسيين وقادة احزاب ومثقفين تشجب كلها العنف والمذابح وتطالب بوضع حد نهائي لمأساة الشعب, ان فرنسا تخشى دون شك الذهاب بعيدا كي لا تواجه اتهام (التدخل الاستعماري) من جديد, لكن بالمقابل هناك شرائح كبيرة في فرنسا ترى بأن الحقيقة الاستعمارية تشكل الخلفية التي يقوم عليها العنف في الجزائر اليوم, ومن هنا ينبغي على فرنسا تحمل مسؤوليتها. وعلى هذه الخلفية ايضا صرح روبيرت بيلليترو مساعد وزير الخارجية الامريكي السابق لشؤون الشرق الاوسط في مقابلة له مع مجلة الاكسبريس هذا الاسبوع بأن المشكلة الجزائرية هي (مشكلة اوروبية) ثم اضاف (بالنسبة لنا, المشكلة الجزائرية شائكة, وهي تخص الفرنسيين قبل الجميع, فهي ليست اولوية امريكية) . رد الفعل العربي غائب.. ويبدو ان هذا هو الامر الطبيعي و المنطقي وبالتالي لا يحتاج الى نقاش. بكل الاحوال لا شك بأن التدخل العسكري الخارجي في امور الجزائر الداخلية امر شبه مستحيل لانه يمس السيادة الوطنية لبلد مستقل وعضو في منظمة الامم المتحدة. وهذا (يغمز) عليه البعض بالقول: لكن الا تقتضي السيادة الوطنية ايضا حماية المواطنين؟ اما عن استراتيجية السلطة فيمكن تلخصيها بجملة واحدة الا وهي انها تريد ان تخرج منتصرة من ثنائية المواجهة بينها وبين الارهابيين وتحاول بالتالي اكتساب شرعيتها على هذه القاعدة ومن الجدير بالذكر في هذا السياق ان قادة الاحزاب الجزائرية (الديمقراطية) يعترفون اليوم بانهم قد اخطأوا عندما دعموا وقف المسيرة الانتخابية عام 1992 وتركوا ساحة المعارضة لجبهة الانقاذ ومختلف تفرعاتها. الحرب الاهلية الجزائرية مستمرة. وحملة السلاح يفرضون جوا من الرعب قد يطول ليله اما اغلبية الجزائريين من (العزل) فهم الخاسرون والضحايا

تعليقات

تعليقات