جنرالات تركيا تسير باتجاه التصعيد, تسير باتجاه حمامات الدم, مساعيها لاهي بطيئة ولا هي سريعة الا انها اكيدة, وكأن هؤلاء الذين ادمنوا (العلمانية) يحاولون التأكيد بأنهم من مدمني التوتر, في الداخل وفي الخارج على حد سواء, فهل هو برهان على انهم لايحسنون صنعة اخرى ؟ حزب الرفاه التركي هو الضحية ونجم الدين اربكان هو البطل, وكأن جنرالات تركيا تأمل بأن تصنع لاتاتورك منافسا من ذات الوزن.. فالبطل لايصنع نفسه بقدر ما يعمل الآخرون على صنعه وبأي وسيلة كانت. من منطلق القرار الذي اصدرته المحكمة الدستورية التركية فإن الحزب ــ حزب الرفاه ــ يمارس انشطة تمس النظام العلماني رغم ان لهذا الحزب حصة الاسد من مقاعد البرلمان الحالي, ولو لم يكن اربكان قد خدع يوم قدم استقالته لرئيس الجمهورية من اجل تبادل المناصب مع تانسو تشيلر شريكته في التحلف الحكومي لكان أربكان في الوقت الحاضر وزيرا للخارجية بعد رئاسته للحكومة. تلك هي ديمقراطية جنرالات تركيا, او بالاحرى تلك هي ديكتاتورية جنرالات تركيا في ثوبها الديمقراطي الذي تدعمه أمريكا في نطاق استراتيجيتها للمنطقة الشرق أوسطية. من جملة مبررات لائحة المحكمة التي استندت اليها للقول بالحظر ان الرفاه قد استقبل في مقر اقامتة الرسمي (رجال دين) فما هو الحل اذن بالنسبة لأحزاب سياسية تستقبل رجالا لا دين لهم.. وما هو الحل ايضا بالنسبة لجنرالات تركيا انفسهم الذين يستقبلون جنرالات اسرائيل فهم الذين عقدوا معهم اتفاقيات عسكرية استراتيجية لا تقرها لا علمانية ولا منطق ولا أديان وخاصة فيما يتعلق برفقاء انقرة في منظمة المؤتمر الاسلامي اضافة الى دول الجوار معها من العرب؟ لو المحكمة الدستورية التركية قد اصدرت قرارها بالاجماع لكان افضل من اغلبية التسعة مقابل صوتين, فالقرار هو قرار سياسي ولا يمكن ان يكون قضائيا , وبما انه كذلك فهل معارضة الصوتين تأكيد على الديمقراطية وان علمانية الجنرالات تحترم المعارضة السياسية. الداخل التركي ليس افضل من الخارج, فالتوتر في الداخل هو الذي يساهم في تصعيد التوتر في الخارج, الامر الذي يعني بأن على انقرة الاستعداد لمواجهة حرب منتظرة في الداخل موازية تماما للحرب التي تشنها في الخارج, وبما انها لن تستطيع الصراع على جبهتين في آن واحد فإن مصير الجنرالات قد اصبح في مهب الريح, وقد يزيد الموقف تعقيدا فيما لو استمر الاتحاد الاوروبي في (التضييق) هذا التضييق الذي اصبحت له مبرراته في قاموس حقوق الانسان والديمقراطية اثر القرار الذي اقدمت عليه المحكمة الدستورية التركية, علما ان نور الدين اربكان, وبعد ان صرح بأنه سيحترم هذا القرار أعلن بأنه سيرفع شكوى الى محكمة حقوق الانسان الاوروبية.. فتركيا هي التي تزعم بأنها جزء من اوروبا في الوقت الذي ترفض فيه اوروبا مثل هذا الزعم! في الحقيقة ان للمحكمة الدستورية التركية تاريخها الواسع والعريض في ترسيخ (ديمقراطية الجنرالات) فخلال فترة زمنية تقارب الثلاثين عاما حلت المحكمة مالا يقل عن عشرين حزبا سياسيا لاسباب مختلفة ومتناقضة معا الا انها جميعها قد اعتبرت من الاسباب (السياسية) ارضاء لاهواء العسكر اكثر مما هي ارضاء للديمقراطية رغم ان الدستور التركي لا ينص ولا يشير اصلا الى اي حظر او حل او اغلاق للاحزاب السياسية. تغريب مطلق, عداء سافر للاسلام, استخدام اهوج للديمقراطية من اجل فرض ديكتاتورية الاقلية.. تلك هي خلفيات النخب العلمانية القائمة على اقدار الشعب التركي. احتكار للسلطة واستعمالات مجحفة للقهر القانوني المتلبس بزي الجنرالات التي تطالب بالجزية ترويجا لحقها الاحتكاري في حماية الديمقراطية التي يبدو وكأنها قد فقدت جميع مستنداتها في الشرعية.. بانتظار السقوط الذي لم يعد مستحيلا طالما ان حفر الخنادق قد اخذه العسكر على عاتقهم. مهمة صعبة الا انها مهمة محببة ايضا. التحدي قد رفعه المدعي العام في حكومة مسعود يلماظ, فعقب اعلان الحل توعد فورال سافاس بأن حكومته ستسحق كل محاولة لاستمرار عمل (الرفاه) تحت مسميات اخرى, عن اساس ان اربكان كان قد قرر ومنذ ان بدأت تنظر المحكمة الدستورية قضيته, بأنه سيشكل حزبا آخر, لتكون هذه المرة هي الرابعة اذ ان مغامرته في تشكيل الاحزاب قد بدأت عام 1971 حيث ان المحكمة الدستورية في اغلاقها لحزب الرفاه تكون قد حلت له ثلاثة بانتظار الرابع الذي بدأ المدعي العام بالتوعد له حتى قبل رؤيته النور. أربكان قد طلب من أنصاره التزام الهدوء وعدم الرد على التحدي إلا سلمياً. إلا أن الجنرالات لن تلتزم الهدوء فكل سلوكياتها تكاد تؤكد بأنها قد وضعت (الاسلاميين) أمام الجدار, ولا نظن بأنهم سيتخلون عن قرارهم بسهولة. الرفاه وأربكان ضحية علمانية الجنرالات إلا أن مشروعهم لم تبتلعه الأوساط الأوروبية التي تصر على ابقاء الأبواب موصدة في وجه (المتأوربين) وهكذا فقد انتصر الاتحاد الأوروبي قرار المحكمة الدستورية التركية في ذات الوقت الذي انتقدته أمريكا أيضاً رغم أننا في اعتقادنا يمكن أن نقول بأن الانتقادات الأمريكية تدخل في نطاق التغطية والخديعة لا في نطاق الدفاع عن ديمقوقراطية هي غير موجودة أصلاً, فأمريكا لا تريد سماع شيء عن الاسلاميين خاصة وان الاسلاميين اذا ما صعدوا السلطة في تركيا فإنهم سيضعون حدا للانبطاحات التركية امام اسرائيل اولا وامام امريكا ثانيا. اربكان لن يستسلم انصياعا لرغبة الجنرالات وصحيح ان المحكمة الدستورية قد منعته من ممارسة العمل السياسي لخمس سنوات قادمة الا ان في الرفاه اكثر من بديل قادر على الانبعاث في شخصية اربكان خاصة وان هذا الاخير يجسد اتهاما قوميا قبل ان يجسد اتجاها اسلاميا, اي ان الصفوف التي تصف وراءه لن تضم الاسلاميين فحسب بل يمكن ان تضم معظم الناقمين على تطرف العسكر, فقضية الرفاه اصلا, ومن الناحية القومية ليست بقضية اربكان.. انها اكبر من ذلك. ان قرار المحكمة الدستورية قد فتح الابواب لبدء سيره مغايره في تركيا. ان تركيا تخوض معركة نشأة جديدة, ولا نظن ان الثمن سيكون رخيصا, ولا نظن بانه سيقتصر على الرفاه او اربكان!؟.