ما يحدث في الجزائر كابوس رهيب, بل مجموعة كوابيس لم يستطع أحد, لا في الجزائر ولا في خارجها أن يجد لها تفسيرا معقولا. ففي شهر رمضان وحده تجاوز عدد القتلى 1600 قتيل. ومنذ اندلاع سلسلة المذابح الوحشية تجاوز رقم الضحايا مائة وثلاثين الف شهيد. معظمهم من النساء والأطفال, وكلهم من سكان القرى البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوة. وما من أحد منهم كان, أو يمكن ان يكون مسؤولا عن اي شيء على الاطلاق حتى يلقي هذا الجزاء. والقريبون من المذابح مثل البعيدين عنها يتساءلون عن الهدف منها, ولماذا تجري بكل هذا الحجم من البشاعة, فلا يعرفون الجواب, فلا القتلة يقولون لماذا يقتلون, ولا الضحايا يعرفون لماذا هم يقتلون. وسوف يظل الجواب مجهولا طالما الجناة مجهولين. ومع ذلك فهناك حقائق ثابتة واضحة ولا تحتاج الى برهان. أولى هذه الحقائق ان هذه المجازر لا تجرى بشكل عشوائي, وانما هي فعل مرتب منظم يقوم به محترفون أفرغت من قلوبهم وعقولهم أبسط النوازع الانسانية فلم يبق لديهم سوى شهوة القتل والتمثيل الوحشي بجثث القتلى. الحقيقة الثانية هي أن أكثر الناس استفادة من وراء هذه الجرائم هم أول من يجب ان تتجه اليهم اصابع الاتهام. والمستفيدون هنا هم أولئك الذين رفعوا منذ سنوات شعار (الاسلام هو العدو) ثم راحوا يتحينون الفرص, بل ويخلقونها خلقا من أجل تشويه صورة الاسلام والمسلمين حتى يجدوا مبررات كافية لشعارهم المشبوه. وهنا يكون السؤال: هل وجد هؤلاء فرصة في الجزائر فاقنصوها. أم أنهم هم الذين خلقوا الفرصة وما زالوا ينتهزونها؟ سواء كان الأمر هذا أو ذاك, فإن الذي لا شك فيه أن كل قطرة دم برىء سفكت بالجزائر.. وراءها عدو زميم للاسلام والمسلمين. غير أن هذا لا يعني ان الايدي القذرة الملوثة بدماء أطفال ونساء وشيوخ الجزائر لابد بالضرورة ان تكون مستوردة من الخارج. وانما ما نعنيه بالتحديد ان الدافع وراءها, والمحرض عليها, والمسدد لنفقاتها والمورد لأسلحتها إنما هو عدو خارج الحدود, ووراء البحر, لا يستهدف شعب الجزائر وأرضها فحسب, وإنما يستهدف أمة الاسلام بأسرها. من غربها الى شرقها. هل هناك مبالغة في القول ان نفس العدو الذي يحاكم جارودي في باريس, ويتربص بالعراق ملثما يتربص لايران, ويسفك الدماء على الجانبين في افغانستان ويعقر ساقي السودان في الجنوب.. ويمسح بالديمقراطية الأرض في تركيا. وينصب الفخاخ للمسلمين في البوسنة, ويخترع أسباب الشقاق في داخل الجامعة العربية.. الى آخر كل تلك المؤامرات والمناورات التي تطارد أمة الاسلام أما بأضعاف قدراتها, أو بتشويه صورتها, حتى تظل نهبا لكل عاد, وفريسة سهلة الالتهام لكل من يستعد للافتراس. ومع ذلك, ورغم صحة التحليل الذي يؤكد مسؤولية الاتجاهات المعادية للاسلام عن التحريض على الجرائم الجارية بالجزائر. فإن اللغز يبقى قائما بغير حل, ويظل السؤال المحير هو: ما هي طبيعة الأدوات التي تنفذ ما يريده المحرضون؟ هل هي الجماعات الارهابية التي تخفي ارهابها خلف عباءة الاسلام والتي يمكن ان يكون مبررها هو البرهنة بالدليل العلمي على أن النظام القائم عاجز عن أداء المهمة الأولى المطلوبة من كل حكومة, ألا وهي الحفاظ على أمن المواطنين؟ ولكن هذا الاحتمال يصعب تصوره. أولا لأن الجماعات الارهابية نفسها ــ وبالرغم من استمرار المجازر ــ الا أن المتحدثين باسمها في العواصم الغربية ينكرون هذه التهمة المفروضة, كما هو المعتاد مع جماعات الارهاب, أن يصدروا البيان بعد البيان اعلانا عن مسؤوليتها اثباتا لوجودها, وتعزيزا لمفهوم أنهم الخلفاء الطبيعيون للحكومة العاجزة وجب سقوطها.. وثانيا لأنه مهما كان حجم انعدام الرؤية لدى تلك الجماعات الا أنها لا يمكن ان تكون عاجزة عن أدراك مدى الانطباع المعادي الذي تتركه هذه الجرائم البشعة لدى المواطنين. وأن أبسط سؤال يطرحه المواطن العادي مع كل مجزرة في سلسلة المجازر البشعة هو: اذا كان هذا ما يفعلونه بالمواطنين وهم خارج السلطة, وخارجون عليها, فماذا يمكن أن يفعلوه اذا آلت اليهم السلطة بكل هولها وهيلمانها, ونيرانها واسلحتها وسلطانها على الرقاب؟؟ الاحتمال الثاني الذي تروج له وسائل الاعلام الغربية, والفرنسية بنوع خاص, هو أن الجيش الجزائري هو الذي يقف وراء هذه المذابح, ليتخذ منها مبررا للقيام بانقلاب عسكري تنتقل به السلطة بالكامل الى أيدي العسكريين. والرد على ذلك هو أن العسكريين في الجزائر في حاجة الى كل هذا السيل من الدماء لكي يحكموا قبضتهم على قمة السلطة.. فهم بالفعل قابضون عليها, ولا ضرورة لأية تمثيلية لتؤكد وضعا هو موجود بالفعل. ثم هناك احتمال ثالث قد يبدو غريبا نوعا ما, وقد يكون الهدف من اثارته خبيثا الى حد كبير خصوصا وأن أول من أشار اليه وروج له كانت الصحف الاسرائيلية, ثم نقلتها عنها الصحف الامريكية. ذلك أن الهدف من هذه المجازر هو إبادة الفلاحين في قرى معينة, أمر دفع من يبقى منهم على قيد الحياة الى الهرب من فرط الرعب حتى تخلوا الحقول من زارعيها.. وهكذا يتم منح الأرض على شكل اقطاعيات واسعة لشركات زراعية موجودة فعلا ومستعدة لشغل الأراضي الخالية. وكما قلنا, هو احتمال غريب.. ولكن تبقى القاعدة الذهبية عن البحث في أية جريمة, ألا وهي الا تستبعد اي احتمال, فربما يكون أبعدها عن التصديق هو أقربها الى الحقيقة!. أيا كان الأمر, بأن اللغز لا يزال باقيا بغير حل.. ولا تزال قلوبنا تتمزق مع شعب الجزائر.. شعب المليون شهيد. وتزداد الجراح عمقا ومرارة عندما نسمع في بعض الشبكات التلفزيونية الغربية كهلا جزائريا يقول: رحم الله أيام الاستعمار الفرنسي.. على الأقل كنا في أيامه أكثر اطمئنانا على حياتنا مما نحن عليه الآن؟. فهل هذا صحيح؟. و.. هل هذا هو الهدف المطلوب, أو على الأقل أحد الأهداف المطلوبة؟.