شوقي بزيع كان رائعا في حديث الخميس أول ايام عيد الفطر المبارك. كان حديثه مباركا بقدر ما فاجأ الذاكرة المعطلة ، وباغتنا بمعزوفة كنا في امس الحاجة الى سماعها. حديثه كان دعوة صادقة بمقدار تلك البهجة التي سكنت قلوبنا ونحن نقرأ خفق روحه الصادقة، وهو يباغت الذاكرة العربية ويرش عليها الماء البارد النقي لتستفيق من اغفاءه تحولت الى رقاد اهل الكهف، فزايدت عليهم في المدة، وخسرت امامهم في الغاية. رقاد الذاكرة العربية كان ولا يزال هروبا من ساحة الايمان والقناعات المتشحة بالصواب، نحو كهوف تضج بمهرجانات اوراق البنكنوت واعلام ضيق الافق وسياسات وشخصيات اغرقتنا الى حد الفجيعة في الاستلاب وفقدان الهوية. الذاكرة العربية مصابة ــ نفسيا ــ بانفصام مزمن، وعلى النقيض فهي تنتعش سريعا، وتتدفأ بهذا الانتعاش زمنا حتى تستهلكه فتعاود ازمتها من جديد، ساعتها تحتاج لمن يسعفها بحديث كحديث شوقي بزيع. فبعد عصور من الجليد، مازالت هذه الذاكرة في حرارة عمر العشرين، ومازالت تحتفظ ببعض الدفء، ولكنها تحتاج لمن يهزها من جذورها ليقول لها: الم تتعلمي بعد كل هذا العمر السحيق، ان ليس كل ما يلمع ذهبا. شوقي بزيع انقذنا حين باغت ذاكرتنا نصرخ فيها بحقيقتين اولا: بما كان معصية ان تصفق له بهذه الاستسلامية العجيبة مع علمها بأن ما يحدث في الفضائيات العربية (واللبنانية تحديدا) ما هو الا انعكاس للتخلف والاستكانة العربية، لا علاقة له بصناعة الوعي والتحفيز على القلق والتساؤل والدعوة الى التغيير واقتحام الممنوع، وكشف الزيف والنقائص. وثانيا: ذلك ان كل الذي نراه على الشاشات ما هو الا سلال ريع اعلانية، فلا يجوز ان نصدقه ابدا، ان كل الذي يعرض عليكم كما يقول ــ ليس انتم وليس نحن، وليس لبنان، وتأكيدا فهو ليس مصر او الامارات او الاردن.. الخ، انهم يقدمون لكم الخيام المدججة بالصراخ وبنعيق يسمى خطيئة غناء ــ ومجالس الشيشة والشراب، انهم يعلنون لكم عن لبنان الذي يحشون من ورائه جيوبهم والذي لا يعرفه اللبنانيون الفقراء والشرفاء والطيبون والمقاومون، يقدمون لبنان على انه كازينوهات لهو وعري ومسابقات جمال فاضحة فلا تصدقونهم، لأن لبنان ليس كما تعرضه مذيعات مغناجات يتنافسن على اصطياد المعجبين علنا، لبنان هو الجنوب الصامد والجامعات التي تضج بطلاب يتظاهرون يوميا للحفاظ على معنى الوطن وصورته الجميلة، لبنان هو مرسى الحرية وضفاف الادب وموالد الكتب، لبنان هو الرحبانية وجبران وصوت فيروز المتسربل بالوقار، وهو وحدة هوية لبنان الساكن في قلوب كل اللبنانيين وقلوبنا. بالتأكيد لبنان ليس: ادلل عيني، وفش خلقك، وخيام الهنا، وفلانة على الهوا، ووصلات الرقص الشرقي الخليع. شكرا شوقي بزيع، عيديتك في صباح العيد كانت جميلة ووصلت في وقتها، وكما تقولون انتم: ينعاد عليك وعلى لبنان الذي خلدته العملاقة فيروز: لبنان الكرامة والشعب العنيد، هكذا هو وهكذا سيبقى محفوظا في ذاكرتنا.