لابد أن برنامج (فضائيات) الذي بثه تلفزيون الكويت خلال شهر رمضان قد استقطب قطاعاً واسعاً من المشاهدين داخل الكويت وخارجها, يدل على ذلك زيادة الوقت المحجوز للإعلانات المطلوب بثها خلال البرنامج, حتى وصل هذا الوقت إلى حوالي نصف ساعة كل مرة . وبما أن المعلن يجري خلف الانتشار, فقد وجد في البرنامج المذكور, ما يحقق له هذا الانتشار, فهو يذاع بعد الإفطار مباشرة, وهو الوقت الذي تتدافع فيه المحطات لتبرز أفضل ما عندها من برامج خفيفة ومنوعة ومسابقات, ثم أنه برنامج يقوم على فكرة بسيطة هي فكرة التقليد, وأخيراً فهو جمع العائلة كلها حوله, ما يشكل إغراء حقيقياً للمعلن. لكن لماذا ينجح برنامج بسيط كـ (فضائيات) فيما تسقط وتفشل برامج أخرى ربما ميزانياتها أكبر بكثير من (فضائيات) ؟ السبب لا يعود للبرنامج نفسه على أهمية ما يشتمل عليه من جهد وعمل, بل يعود للفضائيات العربية نفسها, التي وجد المشاهد الغلبان أخيراً والذي يتكبد مشقة رؤيتها وتحمل بعض سخافاتها, ومنها قطعاً بعض مذيعيها ومذيعاتها, من يتشفى له منها ويشفي غليله فيها, بالتقليد الساخر والنقد الظريف وإبراز العيوب. ومع أن البرنامج المذكور بالغ أحياناً في رسم الصور الكاريكاتيرية لبعض المذيعين والمذيعات أو المطربين والمطربات أو البرامج, ما آثار سخط وغضب بعض هؤلاء, خاصة أن فيهم من يقدم برامج مهمة وجميلة ومفيدة, إلا أنه مع ذلك نجح في نقل ما يعانيه المشاهد من إسفاف وتفاهة وميوعة بعض البرامج ومقدميها إلى الدرجة التي ربما تمنى هذا المشاهد لو أن النقد والسخرية كانا أكثر إيلاما. وبما أن هناك كماً هو الأكبر من ساعات البث التلفزيوني اليومي العربي الفضائي مليء بالتفاهات التي تسمى برامج المنوعات (يسميها زميل برامج الملوعات) من التي تقوم على أفكار مسطحة ويقدمها مذيعون وعلى الأخص مذيعات أي كلام فيما عدا الحسن والجمال والدلع, فإن من الطبيعي أن يبالغ (فضائيات) في إظهار العيوب إلى درجة التسخيف والإضحاك, فكل إناء بما فيه ينضح, وهذا هو إناء الفضائيات العربية للأسف. طبعاً موضوع الفضائيات العربية باستثناء القليل منها الذي يعد على الأصابع, كارثة إعلامية وثقافية وأخلاقية حقيقية, تستحق مؤتمراً قومياً لحالها ولو كانت على مستوى القمة, لولا أن قمة أو مؤتمراً لن يعدلا من حالها, طالما أنه لا تحكم هذه الفضائيات سياسات واضحة تحدد الهدف منها أولاً, إلا إذا كان الهدف الوحيد الذي نراه حالياً, هو إفساد الناس والمشاهدين العرب وتسطيح عقولهم وتشويه صورتهم على الهواء مباشرة. غير ان هذه الفضائيات تدعي أن المشاهدين يرتاحون لها ولبرامجها الخفيفة 24 ساعة, وهو إدعاء غير صحيح من نوع الحق يراد به باطل, ومع ذلك فهو ليس بحق ولا حقيقة, لأن المشاهدين يقبلون أكثر على المحطات الجادة والبرامج المتميزة بالجدية والعمق والنقد, مما تعكسه أحاديثهم عنها, كمحطة الجزيرة القطرية مثلاً أو محطة الكويت, وغيرهما قليل للأسف. وما زلت شخصياً لا أفهم لماذا تطلق دولة عربية تلفزيوناً فضائياً فيما هي لا تنتج أياً من البرامج وليس لديها الامكانيات لذلك أصلاً, ما يفقدها التميز أولاً ويضعها في اطار تقليد الآخرين ثانياً, خاصة التقليد في الأسوأ لأنه غير مكلف, ما يفسر علة من علل فضائياتنا العربية, ومع ذلك فإنه يمكن انقاذ بعض هذه الفضائيات من سخفها في حال قررت إداراتها والعاملون فيها وعلى رأسهم المعدون والمذيعون والمخرجون أن يستفيدوا من نقد برنامج كـ (فضائيات) لهم, فيعدل الواحد منهم من أوضاعه (أي تفكيره وأسلوبه في العمل والتقديم ومنهجه ومستواه وثقافته), وذلك أضعف الايمان.