تركيا: صراع سياسي, أم علمانية وإسلام:بقلم: الدكتور محمد الرميحي

في الأسبوع الماضي اتخذت المحكمة الدستورية العليا التركية قراراً بحل حزب الرفاه الإسلامي الذي كان قد حصل في الانتخابات التركية العامة التي أجريت في ديسمبر 1995 على حوالي ثلث الأصوات, مما رشحه لقيادة الائتلاف الحكومي مع حزب الطريق القويم الذي ترأسه تانسو تشيلر, كونه يشغل مقاعد الأغلبية البرلمانية النسبية, وحصلت تركيا لمدة أقل من عامين تقريباً على أول حكومة بعد الحرب العالمية الثانية تحمل الشعار السياسي الإسلامي. تعود تركيا من جديد لتطرح على نفسها والعالم سؤالا: هل هي دولة إسلامية وديمقراطية أم هي ديمقراطية وعلمانية؟ وما الفرق بين الاثنين؟ وتطرح على المتابع لقضايا الشرق الأوسط المنهك بالكثير من الأزمات السياسية سؤالا: هل تركيا مرشحة في صراع داخلي طويل يستنفد ما بقي من طاقتها السياسية والاقتصادية؟ قبل الإجابة عن هذين السؤالين ينبغي النظر وبعجالة الى مسيرة تركيا الحديثة مع الإسلام السياسي. تركيا تبنت التيار العلماني في الحكم والذي استندت إليه ثورة كمال أتاتورك بعد الحرب العالمية الثانية, كان بحد ذاته هو ردة فعل لحكم عثماني ادعى تطبيقه للإسلام لعدة قرون انتهى في نهايتها بهزيمة عسكرية وسياسية بعد الحرب العالمية الأولى, وتقوقع اجتماعي وسياسي, وكمثل ردات الفعل فإنها تأخذ عادة نفس القوة باتجاه مضاد عكسيا لما كان قبلها, فكانت فترة حكم كمال أتاتورك التي امتدت بين 1923 الى 1938 هي الفترة التي كان فيها تطبيق العلمانية وفصل الدين عن الدولة في تركيا في قمة ازدهارها, فقد ألغى أتاتورك- من بين أمور أخرى - الخلافة الإسلامية, والمحاكم الشرعية, وألغى ذكر الدين من نصوص الدستور التركي الجديد, وكانت اجتهادات أتاتورك هي ان الدولة التركية الحديثة لن تنهض إلا بما نهضت به الدول الغربية, وهو فصل الدين عن الدولة, وان المجتمع التركي مجتمع تعددي لن يتآلف نسيجه تحت العلم الديني, بل تحت الدولة العلمانية, وتابع خلفاء أتاتورك من العسكر هذه السياسة, ولكنها كانت بين مد وجزر, إلا ان الإسلام الشعبي في تركيا - ان صحت التسمية - ظل تحت السطح السياسي يتفاعل. واضطرت بعض الحكومات التركية المتعاقبة, مع الانفراج الديمقراطي النسبي والقبول بالتعددية الحزبية خاصة بعد الحرب العالمية الأولى, ان تخطب ود الجماعات الإسلامية لتكسب أصواتا في الانتخابات, نتيجة التنافس بين هذه الأحزاب السياسية العلمانية. وتحت هذه المظلة, دخلت الأحزاب الدينية أو الجماعات التي تدعو الى العودة لربط الدين بالدولة الى حلبة العمل السياسي عن طريق الارتباط ببعض الأحزاب لتنافس الحزب الحاكم وقتها, وكان هو حزب الشعب بقيادة عصمت أينونو, ووجد الحزب نفسه وهو المدافع عن العلمانية يخطب ود الجماعات الإسلامية لأسباب انتخابية, وفي مؤتمره العام سنة 1947 اعترف في وثائقه الرسمية (بأن الدين هو غذاء روحي للمجتمع) وبدأ يعيد تدريجيا التدريس الديني في المدارس التركية ويسمح لأول مرة بالسفر لأداء فريضة الحج للأتراك الراغبين في ذلك. وجاءت انتخابات 1950 العامة في تركيا لترجح فوز الحزب الذي تبنى التسامح مع الظاهرة الدينية التركية, وكان هو حزب عدنان مندريس, الحزب الديمقراطي, الذي سيطر على الحياة السياسية التركية طوال فترة الخمسينيات, وقام بإصلاحات تجاه التصالح مع الإسلام, الذي يدين به الشعب, فسمح برفع الأذان بالعربية, وتلاوة القرآن في الاذاعة, وبناء الجوامع, ولابد من التذكير بأن هذه الاصلاحات لم تكن حبا في نشر الدين, أكثر منها حبا في كسب الأصوات الانتخابية, وهنا تكمن معضلة من أخطر المعضلات في دول العالم الثالث, وهي تقديم تنازلات سياسية وربما أيديولوجية أو العكس لأسباب انتخابية غايتها كسب الأصوات. ومع ان مندريس لم يسمح بظهور احزاب سياسية تحمل الشعار الإسلامي, فإنه كان يريد تحقيق هدفين في نفس الوقت كليهما سياسي, أولهما كسب أصوات العامة المتمسكين بعقيدتهم, وثانيهما محاربة الشيوعية بالدين. إلا ان الإصلاحات التي قدمها لم تكن تروق للعسكريين الأتراك الذين تربوا في مدرسة أتاتورك الأيديولوجية, ووجدوا في هذه الإصلاحات مظاهر البعد عن الأتاتوركية السياسية, وبموافقة الأحزاب المنافسة قام الجيش التركي بالتدخل بالقوة لقلب نظام الحكم في تركيا لأول مرة بعد الحرب العالمية الأولى, وكان ذلك في مايو سنة 1960 تحت شعار حماية العلمانية, الأمر الذي تكرر تقريباً بكل تفاصيله أكثر من مرة في تركيا, حكم جيش, ثم انفراج ديمقراطي تصعد من خلاله رغبة الناس أو شريحة منهم في العودة الى المواءمة بين الدين والدولة, ثم يتدخل الجيش لإحداث انقلاب, وهكذا. حدث ذلك في سنة 1971 وكذلك في 1981 ثم أخيراً ولو بشكل مختلف الى حد بسيط في سنة 1997 التي انتهت ارهاصاتها بحل حزب الرفاه في الأسبوع الماضي. بعد كل انقلاب يعيد الجيش - بعد فترة غير مستقرة - السلطة للمدنيين من جديد, وتقبل هذه القوى السياسية بالتعددية الحزبية, وتعود هذه الأحزاب للتنافس ولكسب الأصوات فتتجه للمؤمنين, وتعطيهم بعض التنازلات وسرعان ما يؤطرون أنفسهم في حزب أو تجمع سياسي يقوى مع الأيام ويعود العسكر مرة أخرى ومن جديد للإمساك بالسلطة, أو على الأقل تحديد من يحكم. نتيجة لهذا التاريخ المتكرر فإن التدخل الأخير للجيش وحكم المحكمة الدستورية العليا ليس إلا تكراراً لسيناريو تركي حدث من قبل, وان لم يكن بالتفصيل, وهو ليس الحل الأمثل ولا هو نهاية المطاف كما شهدنا في تاريخ تركيا الحديث, فقد انتظم الإسلام السياسي في أحزاب أخرى من قبل, ويمكن ان يفعل ذلك من جديد, إلا ان تكرار تدخل الجيش بهذه الصورة قد يعرض المجتمع التركي الى انفسام حاد. ويتخوف هذه المرة من ان تتجه بعض القوى الأكثر تطرفا الى حالة من (الجزأرة) , يكون حزب الرفاه مقارنة بها هو الجنة عندما تقارن بالنار. فحزب الرفاه المنحل يعترف بأن الدستور التركي يحظر قيام الأحزاب على أسس دينية, والحزب يتحدث عن (نظام عادل) لاغير, ويقوم مشروعه السياسي, على إقامة نظام عادل يستند الى الحق لا القوة, ولأن الرسالة السماوية تستند الى الحق ولا تتوسل القوة فإنها تنصر الضعيف والمحتاج, كما يدعو برنامج الحزب الى الاجتهاد لمسايرة العصر الذي يعيش فيه المجتمع التركي لا التخلف عنه, كما ان الحزب يناقش فكرة فصل الدين عن الدولة في تركيا وأن هذا الفصل غير مطبق بدليل ان الدولة التركية تتدخل في الشؤون الدينية بحظرها للنشاطات الدينية, ولاتحظر الدول الديمقراطية الغربية - التي هي من المفروض المثال للدولة الأتاتوركية - لا تحظر ولا تتدخل في الشؤون الدينية, فالحرية الدينية في الغرب متاحة ولايتدخل احد بالإكراه أو العنف ضد النشاط الديني. في سنوات نهاية القرن العشرين ومع تصاعد المزاوجة بين الديمقراطية الغربية والاجتهادات الإسلامية, ومع خفوت الشيوعية الدولية, واتساع قاعدة العمل الديمقراطي الذي يتيح للناس ان يقرروا ما يريدونه, فان ما حدث في تركيا أخيراً يقرع ناقوس الخطر, وليس تجاهل رغبة حوالي 20% من الشعب التركي اي حوالي ستة ملايين ناخب, الذين صوتوا لحزب الرفاه في انتخابات سنة 1995 هو عمل من الممكن تجاهله, أو الاستخفاف برغبات الناخبين, كما ان هذا العمل لايقرب اليوم الذي تجد فيه تركيا نفسها من جانب آخر مقبولة في التنظيم الاقتصادي الأوروبي, الذي يحاول جاهدة ولوجه, لأن الاضطراب وعدم الاستقرار في الداخل التركي لايقرب ذلك اليوم بل يجعله ابعد. وفي ظل تهديد مؤيدي حزب الرفاه بأنهم لن يقبلوا حل الحزب, ومع أصوات مناصرة لهم خارج تركيا في بعض الدول الإسلامية بل والغربية, قد يقود الأمر الى اضطراب في هذه الدولة الجارة لاتحمد عقباه. تركيا علمانية وشعبها مسلم ولها تجربة فريدة في التطور الاقتصادي والاجتماعي قريبة من أوروبا ومطلة على إقليم وإسلامي واسع, ولها من المصالح هنا وهناك الكثير, لذلك من الصعب ان نأخذ بما يحدث في تركيا بين تأييد أو شجب, أو ان تفسر ما يحدث على انه خلاف بين الإسلام والعلمانية, في تقديري ان ما يحدث هو في الغالب صراع سياسي على السلطة والمكانة والنفوذ ضحيته الرئيسية عقيدة الشعب الذي هو مسلم, والذي لايمكن ان تنتزع منه هذه الصفة. بقي ان يترك السياسيون الخوض والخلط بين العقيدة الثابتة والسياسة المتحركة والملتوية في آن, ولكن هذا التمني ليس من اليسير حدوثه, حكم المحكمة الدستورية مع مؤيديها من الجيش هو قفز الى المجهول في ضوء التجربة التركية السابقة, وان لم يكن الاستقرار التركي هو الضحية الأولى والمباشرة, فإن الضحية المباشرة في المدى القصير لاشك هي الديمقراطية, وبالتالي التقدم الاقتصادي. رئيس تحرير مجلة العربي الكويت*

تعليقات

تعليقات