مضامين التحولات الأيديولوجية العالمية:بقلم:عادل لطيفي

لم يقتصر التحول على صعيد العلاقات الدولية, نحو عالم احادي الاستقطاب على الابعاد السياسية والعسكرية او الاقتصادية فحسب , بل شمل كذلك هزات هامة على مستوى البنى الايديولوجية برزت من خلال ظهور مفاهيم جديدة والتخلي عن اخرى يرى البعض فيها شيئا من عدم التجانس مع الواقع الجديد, لقد اسست هذه التحولات لبوادر مايشبه الازمة الفلسفية من خلال اعادة النظر في اسس الافكار السائدة, غير ان هذه المراجعة الفلسفية تركزت بشكل يكاد يكون مطلقا على الفكر الذي عرف بتعارضه مع الاسس النظرية للمجتمع الرأسمالي, مثل الافكار الثورية بمختلف جذورها وتوجهاتها, وهو ما يدفع منذ البداية نحو الشك في مدى جدية هذه المراجعة وفي مدى قدرتها على خلق ازمة فلسفية حقيقية, خاصةوانها تتفاعل مع التحولات السياسية دون ان تكون فاعلة فيها. لقد تحدث البعض في هذا الاطار عن نهاية عصر الايديولوجيات وعن نهاية التاريخ كتعبير عن الصراع بين الانسان والانسان. كما حاول اخرون اعادة استقراء مستقبل البشرية على ضوء ما استنبطوا من وسائل تحليل جديدة, فاعتبر صراع الحضارات المحرك الاساسي للتاريخ مستقبلا والذي سيتركز على التناقض بين قطبين رئيسيين هما التحالف المسيحي اليهودي من جانب والعالم الاسلامي, مع التحالفات التي قد يخلقها, من جانب اخر, كما شملت التغيرات زيادة التأكيد على عولمة مفاهيم تمثل حجر الزاوية في السياسة الخارجية للبلدان الغربية, مثل حماية الحريات وحماية الاقليات العرقية اونشر المبادىء الانسانية, ويبدو ظاهريا ان طرح هذه الاشكاليات محكوم بدرجة اولى بنسق فلسفي او بروح الواجب الانساني, غير ان الامر لا يبدو على مثل هذا النحو. فالحديث عن نهاية معاناة البشرية باعتبارها مظهرا من مظاهر طبيعة الانسان, فالتاريخ سينتقل من طور الصراع الطبيعي الى طور الصراع الحضاري اي طور النضج, ولولا الغرب لما امكن للبشرية تخطي هذه المرحلة, ونحن لا نرى ابلغ من ذلك على دور عقدة مركزية الذات الغربية كمحرك لهذه (الصحوة) الفلسفية, من جانب اخر وبالرغم من انه لايمكن لاحد ان ينكر جدية طرح مبادىء حقوق الانسان باعتبارها حاجة انسانية, غير ان البلدان الغربية المهيمنة عودتنا على الابتزاز السياسي من خلال طرح هذه الاشكاليات, اذ لا تخاطب دولتان تتهكان هذه المبادىء بنفس الخطاب اذا كانت تربطهما علاقات متباينة مع هذه القوى, كما مثلت نفس هذه الادعاءات الغطاء الذي اختفت وراءه اشد الحملات وحشية في التاريخ وهي الحملات الاستعمارية خلال القرن التاسع عشر, اما الحديث عن صراع الحضارات فيصطدم بحواجز فلسفية وتاريخية عديدة, فالشعور بالانتماء الحضاري لعب بالتأكيد دورا في التاريخ لكنه لم يكن يوما ما محددا لمساره, والمصادر التاريخية تزخر بامثلة عن شعوب تنتمي الى نفس الفضاء الحضاري, لكنها شكلت تحالفات متباينة مع شعوب اخرى لا تشاركها نفس هذا الفضاء, يضاف الى ذلك ان حصر هذا الصراع بين الغرب المسيحي والشرق الاسلامي لا تتوفر له المشروعية المطلوبة, اذ لايوجد نموذج موحد ومتكامل لا للاسلام ولا للمسيحية فالغرب علماني بمسيحيته اما الشرق فهو مغترب باسلامه, كما تتمشى هذه الرؤية مع اهداف القوى المهيمنة على الاقتصاد العالمي من حيث حجب التناقضات الاقتصادية والاجتماعية المجسدة لحقيقة معاناة اغلب سكان العالم في مناطق منسية منه. فحتى الفقر اصبح يصور على انه ظاهرة لابد من وجودها بل واخضاعها لمنطق العصر اي قانون السوق, والا ماذا يعني اعتماد اغلب الدول النامية حاليا على ضعف الاجور كوسيلة للدعاية في سبيل جلب الاستثمارات الاجنبية؟ وكأن المقصود من ذلك (تعالوا فنحن لا نوفر اجورا لائقة لعمالنا) والدول المهيمنة ذاتها تدفع نحو تطويع هذا البؤس الاجتماعي لما يسمى بمجهود التنمية من خلال مؤسسات مختصة مكلفة بصيانة تفوقها الاقتصادي مثل البنك العالمي وصندوق النقد الدولي. ان غاية القوى النافذة في العالم هي مهاجمة كل شكل من اشكال الفكر التي تحاول التشكيك في النظام الحالي او التعبير عن التنقاضات الكامنة التي تشقه, لقد ولت مفاهيم مثل الصمود والمواجهة والثورة لتحل محلها مفاهيم السلم والتعاون والشراكة والمساعدة . ومع انه لا يمكن نفي البعد المتحضر والانساني لهذه المفاهيم كوسيلة راقية لتنظيم العلاقات الدولية, الا ان الواقع الحالي يبرز الاستغلال السياسي الفاضح لهذه المبادىء. فالسلم او السلام اصبح وسيلة لاضفاء الشرعية على الاحتلال والشراكة والتعاون سبلا لاحكام السيطرة الاقتصادية, مقابل ذلك اصبحت المواجهة والثورة ضربا من ضروب الارهاب لقد تغير الشكل باستبدال العنف المباشر بعنف رمزي اما المضمون اي الهيمنة فلا تزال تشكل اساس النظام الدولي. باجث تونسي *

تعليقات

تعليقات