كلينتون (السناتور).. والعملية الديمقراطية، بقلم: محمد الخولي - البيان

كلينتون (السناتور).. والعملية الديمقراطية، بقلم: محمد الخولي

تنفرد النظم الديمقراطية بظاهرة (السابق) بمعنى وجود (رئيس سابق) واحد أو أكثر يواصل حياته بعد انتهاء مدة توليه المنصب الأول في زعامة بلاده ويواصلها بوصفه مواطناً عادياً يأكل الطعام على مائدة غير رئاسية ويمشي في أسواق بلاده وأزقتها بحراسة بسيطة أو بغيرها, ويظل حاملاً من باب الاحترام التاريخي ليس إلا, للقب السيد الرئيس أو فخامة الرئيس. وجورج بوش. وقد درج الناس على أن يغادر رئيس الدولة الأمريكية منصبه السامي وقد تقدمت به السن, إذ كان ريجن في السابعة والسبعين عندما أصبح سابقاً وكان بوش في التاسعة والستين حينما أحيل إلى هذا النوع من التقاعد الرئاسي بحكم الدستور وأيضاً بمقتضى إرادة واختيار الناخبين لكن يبدو ان الأمريكان يستعدون إلى مشكلة من نوع جدد هذه المرة.. إن بيل كلينتون سيغادر المنصب ويصبح سابقاً ولم يتجاوز بعد الرابعة والخمسين (في 20 يناير ــ عام ـ2001 بمشيئة المولى) وهو عمر يمثل ذروة النضج بالنسبة للثقافة والحياة العامة في الولايات المتحدة وسيكون بذلك ــ كما تقول مجلة (ذي نيوركر) في عددها الخاص حول المستقبليات وقد أشرنا إليه في حديث سبق ــ ثاني رئيس سابق شاب في تاريخ أمريكا كله وكان الأول لكو ثيودور روز فلت الذي كان في الخمسين من العمر وحسب عندما غادر المكتب البيضاوي في البيت الأبيض. وبالمناسبة كان ثيودور هذا قد تولى رئاسة بلاده في العقد الأول من هذا القرن وهو من الصحة والفتوة في غاية لدرجة انه زار مصر والسودان لا لمهام دبلوماسية أو سياسية ولكن لممارسة هوايته في صيد الوحوش ثم ضبط (عدة تصريحات مستفزة أثارت عليه ثائرة الصحة المصرية في ذلك الحين وترك ذكريات مريرة في نفوس أهل وادي النيل عندما أعلن تأييده لاستمرار الاحتلال البريطاني) لكن ثيودور روز فلت هذا ــ أو (تيدي) كما يسمونه ما لبث أن ترك ذكرى من نوع آخر في نفوس مواطنيه الأمريكان حين أطلقوا اسمه (تيدي) هذا على عرائس الدب الشهيرة التي تحفل بها متاجر لعب الأطفال ويسمونها (تيدي بير) اشارة إلى رئيس أمريكا الأسبق كان صياداً للوحوش وكان بدينا وكان مؤيدا لاستعمار انجلترا واستغلالها لمصر والسودان. الحاصل ان المحللين الأمريكيين بدأوا يتداولون فيما بينهم في أمر الرئيس السابق ــ القادم إلى بيل كلينتون.. وهم يبدأون بتحليل شخصيته على ضوء سلوكياته ومنجزاته وسلبياته على مدى سنوات رئاسيته الأولى والثانية.. وهم أيضاً لا يتوقعون له بالتالي ذلك النمط التقليدي المعروف لحياة الرئيس السابق الذي عهدته السياسة الأمريكية في كل العهود.. حياة الدعة والاستقرار أو التأمل والعكوف على كتابة المذكرات أو ابداء نصيحة (الرجل العود) بين حين وحين, فإن دعت الأمور والملابسات إلى قدر من نشاط رئاسي سابق (فهي وساطة مثلاً من أجل حقوق الإنسان أو لإنقاذ لاجئين أو تبني عمل خيري أو زيادة تحاط بحفاوة محدودة لهذا البلد أو ذاك, أو تلبية لدعوة يتلهف عليها السيد السابق إلى زيارة جديدة للمقر الرئاسي لحضور حفل هام أو شهود مناسبة خاصة يجني منها الرئيس الحالي ما يحتاجه من تأييد السابقين.. وتروق ولا شك لهؤلاء السابقين بمقتضى قاعدة (ما أحلى الرجوع إليه) . لكن حكاية الرئيس (السابق) كلينتون من نوع آخر أن محللي رئاسته الحالية وهم أيضاً مهتمون بمستقبله السياسي يتوقعون له نشاطاً جماً في مجالات شتى تناسب ما يتمتع به من دينامية وقدرات وخاصة في مجال التواصل مع الآخرين في مجال رصد المستقبليات يتوقع الأمريكيون لرئيسهم السابق ــ المقبل, بيل كلينتون أن يشغل فترة تقاعده القادمة مع فاتح القرن بعدد من القضايا ذات الطابع الدولي.. وفهم من يتوقع مثلاً أن يضع كلينتون عينه على تولي مناصب رفيعة على المستوى الدولي, منها منصب الأمين العام للأمم المتحدة (طبعاً في حالة ان تدفع واشنطن كل ما في ذمتها لخزانة المنظمة الدولية) وان كان ذلك سيأتي على خلاف الأعراف التي درج عليها المجتمع العالمي في اختيار الأمين العام بعيداً عن مواطني الدول الكبار الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. ومنهم من يتوقع لبيل كلينتون المتقاعد مناصب فيدرالية رفيعة منها رئاسة لجان قومية معنية بكل شيء, ما بين العلاقات بين الأجناس والأعراق التي يتشكل منها (موزاييك) الولايات المتحدة إلى اللجان المعنية بالأصلاحات في النظام الحزبي وخاصة في جانب تمويل الحملات الانتخابية البرلمانية والرئاسية على السواء. وهناك مناصب أخرى مثل رئاسة إحدى جامعات القمة ـ ابيل مثلاً وقد تخرج فيها كلينتون وزوجته ــ السيدة الأولى سابقاً مع مطلع القرن في كلية الحقوق. وفي هذا الخصوص يحذر بعض مستشاري الرئيس الأمريكي بان مثل هذه الرئاسات الأكاديمية لن تكون مثيرة لاهتمامه بصورة كافية. أكثر من هذا ــ هناك من يتصورون الرئيس كلينتون وقد اتجه بعد تقاعده إلى حيث الخدمة في مواقع الكونجرس.. صحيح ان هذا الموقع يدنو بطبيعة الحال عن موقع الرئاسة الأولى, إلا ان مواهب صاحبنا في الحديث وفنون الاستمالة والحوار والصبر من أجل اقناع الآخرين, يمكن استثمارها إلى أبعد الحدود في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ وفي هذا فان النائب أو السناتور بيل كلينتون سيحقق نجاحاً مرموقاً ومشهوداً. حيث ,أمامه نموذج إيجابي سبق في التاريخ الأمريكي ويمثله الرئيس جون آدمز الذي عمد بعد ولايته الأولى إلى ترشيح نفسه ثانياً في الكونجرس واتاحت له مكانته كرئيس سابق ان يعلو نجمه في ابهاء البرلمان وكان قد سجل اسمه في تاريخ بلاده, لا كرئيس للجمهورية, ولكن كنائب في البرلمان منهاجاً للعبودية وداعية بمقاييس عصره (1828) عن تحرير العبيد وقد أجاد المخرج سبيلبرغ تصوير هذاالجانب من حياة جون آدمز في فيلمه الأخير الذي سبق وعرضنا له في حديث ماض بعنوان (لا امستاد) ماذا عن النواحي المالية للرئيس (السابق) المنتظر بيل كلينتون؟ يقول المتنبئون السياسيون: انه سيلاقي صعوبات مالية تصل إلى حد الافتقار إلى السيولة النقدية لدرجة انه سيشغل جانبا من وقته التقاعدي, لا لخدمة القضايا القومية العامة, ولكن لاصلاح أحواله المالية الخصوصية, وسوف يتمثل هذا النشاط في حملات يقوم بها, أو بالأدق يقوم بشنها من أجل جمع الأموال بكل وسيلة ومن كل سبيل والرجل بارع في ذلك بغير مراء. لقد أثقل كاهل بيل كلينتون المالي بفعل فواتير فلكية المبالغ نجحت ومن ثم تراكمت نظير أتعاب المحامين وتكاليف التقاضي في قضايا (هوايت ووتر) التي تردد فيها اسم زوجته هيلاري وسط اتهامات باستغلال النفوذ من أيام خدمة زوجها كحاكم لولاية (أركنسا) , ناهيك عن قضية السيدة ان كانت كذلك) بولا جونز التي استخدمها اليمين المحافظ والخصوم الجمهوريون وأنفقوا في ذلك ملايين الدولارات لتشويه سمعة كلينتون وتلطيخ سلوكياته الأخلاقية ومن المتوقع أن تظل تفاصيل هذه القضية تلاحق الرئيس الأمريكي راهنا أو سابقا, عاملاً أو متقاعداً ومن عجب ان كثيراً من المخالطين للرئيس كلينتون يؤكدون أن الرجل, رغم كل شيء, لم يبد اهتماماً مبالغاً بحكاية الأموال أو الحياة اللذيذة كما يقول التعبير الايطالي.. ومنهم من يدلل على ذلك بأنه ظل إلى وقت قريب يعتبر ان سندويتشات الهامبورغر الرخيصة والسريعة هي طعامه المفضل إلى أن كف عنها مرغماً بناء على نصيحة أطباء التخسيس, وانه دخل إلى احتفال يوم التنصيب في بدء ولايته الرئاسية وفي رسغه ساعة تايمكس من أرخص الأنواع وان الأموال الطائلة التي جمعها لحملته الانتخابية لم يستفد منها شخصياً في قليل أو كثير ان كلينتون في رأيهم نموذج حي بالغ التعبير عن جيل طفرة المواليد ــ بيب بومر ــ الذي ينتمي إليه وهو الجيل الذي اطلقوا عليه هذا الاسم لان أبناءه ولدوا بعد الحرب العالمية الثانية, وبالتحديد بعد أو نتيجة عودة آلاف المجندين والمقاتلين السابقين من ساحات القتال في أوروبا الغربية والشرق الأقصى إلى أمريكا كي يتزوجوا ويقيموا عائلات ويعمروا بيوتا وينجبوا أطفالا بكثرة احصائية ملحوظة تمثلت في تلك الطفرة من المواليد الذين سيبلغون عتبات التقاعد مع بدايات القرن المقبل وان كان سلوكهم قد غلب عليه الطابع الاستهلاكي فلم يشهدوا يوما واحدا من تقتير أو توفير أو ترشيد الموارد أيام الحرب الكونية, بل فتحوا أعينهم على مجتمع الرفاه والسرف والاستهلاك إلى حد الاهتلاك دون أن يوفروا أو يقتصدوا كثيرا ومن ثم فهم يكادون أن يصلوا سن التقاعد دون سند كبير من مال التوفير أو خميرة من الاقتصاد. ومن عجب أيضاً ان الرؤساء الأمريكيين ليسوا بمنأى عن هذا الوضع من العسر المالي. وتلك ظاهرة نراها إيجابية في التحليل الأخير, رغم انها قد تكون على خلاف ذلك على مستوى الأفراد أو الأشخاص. ذلك لانها ظاهرة ناجمة عن التطبيق الدقيق لمبدأ تداول, أو تناوب السلطة وهو عندنا جوهر اسلوب الحكم الديمقراطي حيث المنصب السامي الرفيع, وهل هناك أسمى وأرفع من منصب الرئاسة الأولى في البيت الأبيض أو في قصر الاليزيه ــ هو في الأساس وظيفة عارضة وليس وضعية دائمة وهو أيضاً خاضع لمبدأ التوازن والرقابة المتبادلة الذي يشكل ــ عندنا أيضا ــ الدعامة الأخرى للعملية الديمقراطية حيث تتبادل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية هذه الرقابة وهذا التفتيش على بعضها البعض في اطار مبدأ الفصل بين السلطات (الدعامة الديمقراطية الثالثة) وعلى مسمع ومشهد من السلطة الممثلة إلى حد كبير للرأي العام وهي مؤسسة الصحافة والرأي والاعلام. ونقول إلى حد كبير من باب التحوط العلمي والاحتراز الموضوعي إذ لا يغيب عن فهمنا, ولا عن فطنتك أيضا, ان كلا من هذه السلطات قد تخضع في مرحلة أو أخرى وبشكل أو بآخر لنوع من الضغوط أو الابتزاز أو الارتهان أو الاستغلال أو حتى للانحراف وخاصة على يد الجماعات الضاغطة أو القوى صاحبة المصالح وان كان هذا كله لا يفسد عمل القواميس الديمقراطية. من هنا يكاد الأمريكيون يعتزون مثلاً بان رئيسهم الأسبق هاري ترومان خرج إلى التقاعد وهو على شفا الافلاس المالي حتى انه أخجل الكونجرس حين طلب إليه تخصيص معاش تقاعدي له حفظاً لكرامة منصبة السابق, ولم يفقده الافلاس المحدق سوى مبلغ 600 ألف دولار تلقاه من مجلة (لايف) لقاء كتابة مذكراته (يبلغ المعاش التقاعدي الأساسي لرئيس سابق في أمريكا 148 ألف دولار سنويا) . أما ريتشارد نيكسون فقد استطاع أن يدبر أحواله رغم هذا المبلغ المحدود نسبيا بان كتب مذكراته لسداد فواتير محاميه وكانت بدورها باهظة وكان ذلك مقابل مليوني ونصف مليون دولار بالاضافة إلى انه سمح بمقابلات وأحاديث معه أجراها المذيع الشهير ديفيد فروست لقاء نصف مليون دولار. وعندما اشتدت الأزمة المالية للرئيس الأسبق لم يتورع, كما يقول منتقدوه عن اسداء نصائح رئاسية وسياسية إلى عدد من الحكام ورؤساء الدول وكبار الساسة نظير مبالغ أتعاب دفعوها عن طيب خاطر إلى نيكسون وكان من بينهم ــ كما تقول مجلة (ذي نيولوركر) رئيس رومانيا الأسبق نيكولاي شاوشيسكو الذي يبدو ان نصائح نيكسون التي أسداها له كانت (مضروبة) كما يقول المصريون, إلا ان صاحبنا الروماني لم يعمل بها أو لم يفهمها لسوء الترجمة والمهم انها لم تنفعه بل أودت به ــ مع غيره ــ في داهية جعلته عبرة من عبر التاريخ. ويبدو ان حكاية كتابة المذكرات قد أصبحت من يومها مصدر رزق وفير اذ هي إحدى بوالص التأمين لصالح السابقين والسابقات من البارزين والبارزات في المجتمع المعاصر ــ يستوي في ذلك رؤساء الدول والحكومات وكذلك الفنانون والأدباء... والممثلات بل والراقصات في بعض الأحيان. ان دور النشر تستعد من الآن ــ على حد ما تضيفه (ذي نيويوركر) لدفع عدة ملايين من الدولارات في مذكرات الرئيس كلينتون بعد تقاعده بطبيعة الحال رغم ان المذكرات الرئاسية, كما تشير المجلة نفسها, أصبحت تستمد قيمتها من المبالغ الطائلة التي تدفع فيها ومن الدعايات الزاعفة والموغلة التي تحاط بها ــ وليس بحكم القيمة التاريخية الأصيلة التي تنبثق عنها. ان الرأي العام ومن قبله ومن بعده الثقات والمطلعون من الساسة والاكاديميين وكبار الصحفيين والمحللين يكادون يعرفون كل شيء عن كل رئيس بل وعن كل من يتولى منصبا عاما له أهميته في الحياة القومية في الديمقراطيات المعاصرة, لهذا فلم تعد المذكرات الشخصية تحوي المزيد مما لا يعرفه الناس.. ومن ثم فان محرري مثل هذه المذكرات يعمدون إلى البهارات الخصوصية وتوابل الحياة الشخصية والاسرار والتفاصيل ــ التافهة أو المنحرفة في بعض الأحيان لكي يجذبوا الناس إلى قراءتها. ولان أمريكا لا تزال بلد الغرائب والتقاليع فقد حق للسيدة ايثير خيشر وهاهي تدير مكتبا قانونيا للوكالة عن الكتاب والأدباء ــ ان تقول: لقد كانت بولا بريري مجرد خليلة للاعب الكرة سمسون المتهم بقتل زوجته, ولم تكن بذلك في العير ولا في النفير ولكنها كتبت مذكرات وتقاضت عنها 3 ملايين دولار ــ الا يحق للرئيس كلينتون وزوجته ان يتوقعا عن مذكراتهما الشيء الفلاني من المبالغ الطائلة. ان أمامهما نموذج الرئيس الأسبق كارتر الذي كسب الكثير من الكتب التي أصدرها. واذا كان كارتر قد عمد إلى ترويج اصداراته بالسفر إلى أماكن شتى في أمريكا فان بوسع بيل وهيلاري, بعد التقاعد أن يشدا الرحال إلى أية بقعة في البلاد.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات