من صيد الثعالب إلى صيد المدن، عنف السوبرمان، بقلم: محمد عبيد غباش

لإشباع التعطش لمشاهد العنف طورت مواد متنوعة لإرضاء أذواق خاصة ومختلفة. فهناك أفلام (الوسترن) التي يدحر فيها راعي البقر الأبيض الهندي الأحمر وهناك أفلام الرعب الملأى بالدماء والخوف (دراكولا وما شابه). ويتفنن المنتجون في كسر الرتابة والروتين فيطلقون أفلام الأبطال الخاصين (بروس لي, رامبو, أرنولد شوارسنجر ...). وهناك نوعية خاصة من أفلام العنف متعلقة بالكوارث (الزلازل والحرائق وسقوط الطائرات وغرق البواخر المفترس, الأفعى الأمازونية أناكوندا...). ولم يفلت الصغار من حمى العنف, فبالاضافة لأفلام الكرتون وظفت تقنيات الحاسب والفيديو لاختراع ألعاب يتخيل الطفل أثناءها أنه يقتل ويحطم ويحرق ويدمر (ألعاب الناينتندو, السيجا, السوني بلايسيتشون...). لكن بالنسبة لبعض مدمني العنف, هذه المواد الخيالية لا تروي غليلهم ولذلك فهناك أفلام عنف حقيقية. ولا نقصد تلك المشاهد المأساوية التي نراها في نشرات الأخبار والتي تتم في الجزائر والضفة الغربية والبوسنة وغابات رواندا والكونغو (زائير سابقاً). المقصود بأفلام العنف الحقيقية هي تلك الأفلام التي يقوم فيها مخرجو الأفلام بارتكاب جرائم قتل فعلية أمام الكاميرا ويقومون بتصديرها لذوي الأذواق الخاصة. هذا الحشد الترفيهي الذي يتغنى بالقتل والتعذيب والضرب والحرق ليس بريئاً. إن تجلياته الواقعية أمام كل عين تريد حقاً أن ترى: التطوير الأعظم في تقنية العنف ليس ماديا بل معنويا. في القرون القليلة الماضية تولد نوع من العبادة للعنف, تمجيداً له, عنف هو الغاية من ارتكابه. كان ارستقراطيو انجلترا يلقون متعتهم في مطاردة الثعالب لا لالتهامها بل لصيدها وحسب. ولا يزال الأسبان يتزاحمون على مدرجات مصارعة الثيران تجتذبهم فيها حربة المصارع يغرسها في الدابة الهائجة بالقماش الأحمر. لكن ان كان المتفرجون محظوظين حقاً فإنهم سيرون المصارع نفسه وقد أصيب إصابة بالغة على يد الثور. وفي أمريكا اللاتينية تنتشر مصارعة الديوك التي يربط أصحابها في رأس بعضها أمواسا حادة للفتك بالديوك الأخرى. لكن العنف ليس محصوراً على عالم الحيوانات. لقد حولت الحداثة الغربية العنف إلى شيء جديد: لا يلحق الأذى بالآخر كشيء عرضي, كنتيجة من نتائج سعي نخبة ما أو دولة معينة لنيل مكاسب معينة ولجوئها لاستخدام العنف لتحقيقه. فنحن أمام العنف ليس كوسيلة بل كغاية في حد ذاته. العنف اليوم هو فيلم سينمائي أو تلفزيوني مضمون الربح, هو رياضة مشروعة لا يساق القاتل أثناء مزاولتها كمصارعة أو ملاكمة إلى السجن, كما أن الصفرين الملازمين للرقم (7) يبيحان لجيمس بوند القتل أثناء الخدمة. إن نقل العنف للثقافة الشعبية معناه أن العنف أصبح غرضا من أغراض التسلية وازجاء الفراغ, شيئاً ممتعاً يحقق الراحة بعد عناء العمل الطويل. تحوي مدن الغرب الكبرى, نيويورك وباريس وموسكو على شيء يشبه عنف الغابات. لكن بدلاً من أن يصطادك نمر أو ذئب جائع فعدوك إنسان مثلك مسلح بسكين أو مسدس يطلب أن تعطيه محفظتك أو ساعتك... وأحياناً لا يكفيه, هكذا فيأخذ حياتك. في بلد كالولايات المتحدة تعلن الاحصائيات أن هناك جريمة قتل كل عدد من الثواني, وكذلك حالة اغتصاب وحالة سطو مسلح على منزل أو منشأة. هذا والعنف ليس عنف أميين يعيشون على حافة البقاء. هو عنف جديد يقوده المدمنون والمشردون ممن فشل المجتمع في استيعابهم فأصبحوا يعيشون على حساب أمنه وإخافة أفراده. في البرازيل يحدث شيء فريد: فالشرطة التي يفترض أن تحمي الأفراد وتحفظ أرواحهم وممتلكاتهم تقوم بمطاردة الأطفال المشردين وتقتلهم كما تقتل الشرطة في دول عديدة الكلاب الضالة. ولا تتوقف الصحف عن نقل أخبار صنف جديد من القتلة تخرجوا على يد القنوات التلفزيونية وأفلام الكرتون: أطفال صغار يمارسون القتل ضد أطفال آخرين وباستخدام الاسلحة النارية ضد الكبار. وكل عدة أشهر تصفعنا مشاهد عنف جنوني بقيام أحدهم باستخدام رصاص رشاش واطلاقه في شارع مليء بالمارة أو بداخل مطعم يعج بالناس أو في ساحة مدرسة يلعب فيها الأطفال. وتثير هذه الحوادث سؤالين لا جواب عليهما: لم هذا الشخص ليس في مصح عقلي؟ وكيف يسهل له المجتمع اقتناء سلاح قاتل؟ وتأتي لنا الأنباء أيضا بوقائع أغرب من الخيال, فالذي قتل المطرب البريطاني جون لينون هو من المغرمين بموسيقاه, والفيلسوف الفرنسي ألتوسير خنق زوجته من شدة حبه لها! لكن ارتباط الفلسفة بالعنف لم تجسده واقعة ألتوسير كما جسدته ميتافيزيقا الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه الذي تغنى بالقوة وبرر سحق الضعفاء كسمة لصعود الإنسان الجديد ــ إنسان الحداثة الغربية: السوبر مان. ونحن الطرف الأضعف في معادلة الحداثة نستشعر بوضوح هول العنف الغربي الذي نراه في فلسطين وجنوب لبنان لكن يفلت من وعينا تسلل ثقافتهم إلى وعينا عبر الشاشة الصغيرة التي نستقبل فيها الأخبار والأفلام والمسلسلات والشاشة الأصغر التي يستقبل فيها أطفالنا ألعاب العنف المختلفة ــ والنتيجة, إن نحن ظللنا في حالة الخدر التي نعيشها ستكون واضحة ــ سنكون نحن الضحايا على صورة أولئك الذين تجرعنا على يدهم الغزو والاحتلال وسلب الممتلكات لعدة مئات من السنين ــ سنفارق وداعتنا وحساسيتنا إزاء الألم الإنساني وسنبدله بالبرودة ذاتها والسادية نفسها التي أصبحت العلامة الفارقة للثقافة الشعبية المعاصرة في الغرب.

تعليقات

تعليقات