أولويات الحوار الإسلامي الغربي: بقلم: حسن أوريد

ليس المصطلح في العلوم عملية اجرائية فحسب, ولكنه يحيل الى حمولة معينة. وليس من شك أننا حين نستعمل مصطلح الإسلام السياسي فإننا نحمل المفهوم معنى معين في سياق مع ما يترتب عن ذلك السياق من تفاعل واحيانا من تضارب وكذا من مضاعفات. فاستعمال الاسلام السياسي للتدليل على ظاهرة الحركات الاسلامية, يحيل الى معطى معين مع ما يترتب عن هذا المعطى من تمايز, ما بين الاسلام الرسمي ذلك الذي تمثله السلطات الرسيمة لبلد ما, أو تدفع بتمثيله, ثم اسلام مجتمعي ذلك الذي يرتبط بوجدان الشعب, وهو الذي يشكل العمق الذي ينحت ثقافة شعب ما ويصوغها ضمن عوامل أخرى. وتمتزج فيه الطقوس مع المعتقدات ويحيل الاسلام السياسي الى الحركات التي أخذت في الظهور في العالم العربي بعد هزيمة 1967 وعظم نفوذها بعد الثورة الإيرانية, واشتد عودها بعد اخفاق النموذج الاشتراكي, وأخذت تشكل معطى يختلف قوة وضعفا حسب البلدان الاسلامية بعد حرب الخليج. وهذه الحركات, على اختلافها, ترتبط بقاسم مشترك, وهي انها تصطبغ بطابع سياسي, أو بتعبير آخر فان غايتها هي مزاولة السلطة, لأن (تغيير أحوال الأمة) لايتأتي إلا بوضع اليد على ميكانيزم السلطة, أو على الأقل التأثير عليها. بل ان من الحركات من لاترى ضرورة إضفاء صفة على الاسلام, على اعتبار ان السياسية من صميم الاسلام, ولذلك فكلمة السياسة هي حشو من القول. ولذلك فكل الوسائل مشروعة لبلوغ السلطة, سواء عن طريق الانخراط في المسلسل الديمقراطي, أو المجتمع المدني, وهو ما يصطلح عليه بالأسلمة من فوق, أو الانغمار في قضايا المجتمع ومحاولة التصدي لمشاكله الآنية سواء أكانت مجتمعية التي أخفقت الدولة في تحقيقها أو تلبيتها أو اخلاقية أو حتى نفسية, وهو ما ينعت بالأسلمة من تحت. ولذلك فإن حركات ما يسمى بالإسلام السياسي لايمكن الا ان تكون في طرفي نقيض مع السلطة, التي تمثل الاسلام الرسمي. وهي تؤاخذ على السلطات الحاكمة أنها تسيس الاسلام, في الوقت الذي ترفع فيها عقيرة أسلمة السياسية. وهذه وتلك ينخرطان في سباق من أجل خطب ود الاسلام الوجداني الذي يلتصق بالمجتمع. وقلما تنآي الدراسات والتحاليل عن هذا النموذج, وان اختلفت التسميات, كالسلفية الجديدة مثلا, أو الأصولية, أو الصحوة, وهلم جرا, وهي تقصر نظرتها على الفاعلين الاسلاميين. ولكن قراءة أخرى أخذت تنحو منحى آخر تلك المنبعثة من بعض مراكز الدرس والتحليل في الولايات المتحدة. وهي تنآي بنفسها عن النظرة المانوية في علاقاة الاسلام والغرب, وتضرب صفحا عن التيار الداعي الى التصادم بينهما. ونحيل هنا الى نموذج من هذه القراءة من خلال الكتاب الذي أشرف على إخراجه جون أنتليس تحت عنوان (الاسلام, الديمقراطية والدولة في شمال افريقيا: مطبوعات جامعة انديانا 1997) وهذه القراءة لاتقتصر نظرتها على الفاعلين السياسين وحدهم, ولكنها ترصف النظر كذلك الى ذلك الجهد الذي يعتمل داخل المجتمع وفئاته المؤثرة من المثقفين, وهي لذلك لا تنظر نظرة أحادية الى هذه الحركية, ولكنها تقر باختلافها وتنوعها بل وتضاربها, مع مايترتب عن هذا الاختلاف من حوار جاد ومؤدي هذا الطرح ان المجتمعات الاسلامية ليست مناوئة للغرب, ولاهي تشكو من (عيوب جنينية) تجعلها غير قادرة على الانحزاط في الديمقراطية والتقدم. ان هذه المدرسة هي النقيض لمدرسة قامت في الولايات المتحدة تدعو الى صدام الحضارات, تلك التي كثر الصخب حولها, وحظيت بالتغطية الاعلامية الواسعة وجبت الدعوات الرصينة والهادفة الى الحوار انطلاقا من الفهم والبحث غير المشوب بنظرة ايديولوجية. والمتتبع لايسعه إلا ان يلحظ هذه المحاولات الجادة التي من شأنها ان تقيم الجسور بين عالمين وحضارتين. ونحيل هنا الى الفصل الذي كتبه ديل ايكلمان الذي نعتمده في هذا المقال تحت عنوان (السياسيات الاسلامية, آفاق الديمقراطية في شمال افريقيا والشرق الأوسط) في الكتاب الذي صدر تحت اشراف جون انتليس المومأ إليه. وللتذكير فإن ديل ايكلمان اعتمد مقاربة انتربولوجية لدراسة الإسلام في المغرب, هي تلك التي قام بها في بحثه لنيل شهادة الفلسفة PHD من خلال دراسته لعالم تقليدي هو القاضي عبد الرحمن المنصوري, الذي يمثل نموذج العالم التقليدي, المؤتمن على قيم المجتمع, والتي لاتزال تشكل سدى لابحاثه من خلال استقراء دينامية المجتمع, عوض الانصراف الى ما يعتور السطح السياسي. ان غاية ايكلمان هي ان يضرب صفحا على تلك النظرة التي طبعت الخطاب الأكاديمي حول الاسلام المغرقة في البساطة, الذاهلة عن العمق المجتمعي أو تلك تندرج في قالب ايديولوجي, ليقيم على أنقاض هذا الطرح اركان حوار ممكن بل ضروري, وهو يقول في مستهل فصله: (ان استنتاجات تونيبي (الذي يتم توظيفه من قبل دعاة صراع الحضارات) وهانتغتن المغرقة في التبسيط الظاهر من شأنها ان تشجع تصوير ديانات وحضارات (أخرى) كما لو ان طبيعتها لاتخضع لمنطق الزمن على غرار ما ذهبت المدرسة الاستشراقية لجيل سلف, وفي هذا المنظور فإن جملة هانتغتن المقتضبة (الغرب ضد الأخرين من شأنها ان تضل طابعها الثنائي (المانوي) المغرق في البساطة) . فالفاعلون هم حملة التراث الحضاري, ويوجد ضمنهم حتى في المجتمعات التي تنعت بـ (التقليدية) , وأحيانا بالشعوبية تعدد وحوار داخلي لابراز أهم القيم الحضارية, ومن هو (المؤهل) للتعبير عنها, وكيف تطبق. من أجل ذلك فإن الحضارات على غرار الثقافات موضع نقاش دائم في الزمان وحسب الظروف. ان النقاش الدائر حول الثقافة والحضارة يكتسي أهمية بالغة لرصد آفاق الديمقراطية في العالم العربي. ان التعابير التي تجعل الاسلام ذات مميزات خاصة كتلك التي اعتمدها هانتغتن مضلة لأنها تصرف النظر عن الدينامية الثقافية للتحول السياسي. فقلة من الناس تزعم ان كون الانسان عربياً وديمقراطيا لايلتقيان, وآخرون قد أخذوا يردون المنحى غير الديمقراطي لأولئك الذين هم مسلمون. ولعل مرد ذلك ان مقياس الديمقراطية يتم تعريفه بشكل ضيق يميل الى تغليب المفهوم الغربي) . لذلك فإن ديل ايكلمان يكب على تمظهرات هذه الصحوة الفكرية والتي تتمثل في المحاولات الداعية الى التفكير في اسس الاسلام, ويعطي مثالاً كتاب محمد شحرور (الكتاب والقرآن) الذي اخترق كل أشكال الرقابة في الدول التي فرضت المنع عليه. وهو في ذات الوقت يرصد ظاهرة التعليم العالي الجماهيري الذي لم يعد قصراً على أبناء الذوات من خلال نماذج ثلاثة هي المغرب والأردن ومصر, معززة بالأرقام والبيانات, ليخلص الى ان ظاهرة تعميم التعليم في المغرب وفي غيره من بلدان الشرق الأوسط هي شبيهة بالأثر الذي احدثته المطبعة في أوروبا. ومن شأن هذه الظاهرة ان تؤثر تأثيراً عميقا على المجتمعات الإسلامية. ان غاية ايكلمان ومن لف لفه ان يبين تهافت القراءات الآحادية التي تعتمد نموذجا واحداً لقراءة الواقع ورصده ورسم سياسة خارجية أمريكية. ان عالم ما بعد الحرب الباردة لايمكن ان يقوم على نموذج وحيد كذلك الذي ساد في سياق الحرب الباردة, لأن تلك القراءة لايمكن ان تكون إلا مضللة. ان ايكلمان من خلال استقرائه لقضايا العالم الاسلامي لأكثر من ثلاثين سنه يرى ان ينصرف الجهد من كلا الجانبين لمعرفة الآخر. فعلى الغربيين ان يكفوا عن قرءاتهم للعالم الاسلامي من خلال قوالب جاهزة, أو في تعاملهم مع النخب المتفرنجة لهذا العالم وان يضعوا نصب أعينهم أهمية العامل الثقافي في صوغ السلطة وممارستها والعدالة ومزاولتها. وفي ذات الوقت على العالم الاسلامي ان ينجب أليكسيس دوتوكفيل, هذا الفرنسي الذي استطاع ان يقدم قراءة صائبة للمجتمع الأمريكي في القرن التاسع عشر دون ان يسقط في اغراء النماذج الأحادية أو الباريغمات. على المسلمين ان يفعلوا ذات الشيء بأن يحسنوا قراءة الغرب. باحث مغربي*

تعليقات

تعليقات