العلاقات السودانية المصرية: (الانقاذ) والسودان - 3

بالتفسير العقلاني لعبارة انقاذ فإن نظام الانقاذ السوداني لا يستطيع ان يدعي انجازاً. ولا أود الخوض في تفصيل هذا الاخفاق التاريخي فقد فصلته بما يكفي في كتب ومقالات ومحاضرات. واعتقدت ان مفكري وكتاب نظام الانقاذ انفسهم قد بدأوا يعترفون ان نظامهم جر للسودان الويل والثبور وعظائم الامور. ولكننا بفهم صوفي يمكن ان نجد للعبارة معنى حقيقياً. في وصف قصة موسى علىه السلام مع بنات شعيب قال ابن الفارض: ما بين ضال المنحنى وظلاله ضل المتيم واهتدى بضلاله لقد اعطى نظام الانقاذ السودان وأهله الضد الفكري والسياسي والثقافي الذي بضده يستطيع السودان ان يولد مولدا جديداً بالجدلية الهيقلية ثم الماركسية ولد النظام نقيضه. مولدا جديداً يحسم بصورة قاطعة قضاياه المصيرية ويضع علاقات السودان العربية والافريقية والاسلامية على اساس موزون ويحسم علاقاته بمصر لأول مرة في التاريخ الحديث على اساس مستدام. كيف؟؟ السودان يواجه مشاكل كثيرة مهمة كالفقر والتخلف وتحقيق التنمية المطلوبة والتوزيع العادل لعائدها. ولكن لن يستطيع السودان مهما حقق من ايجابيات في هذا الصدد ان ينهض ما لم يحقق ثلاثة أمور مفتاحية هي: أولاً: ازالة اسباب التناقض الثقافي السياسي الاقتصادي الذي اشعل الحرب الأهلية, ووضع اساس السلام العادل. ثانياً - وضع حد لاضطراب الحكم وبندول التأرجح بين نظم حكم لا تنفك تلد نقيضها فيعصف بها. ثالثا - وضع اساس لعلاقات اقليمية ودولية تحقق مصالح البلاد الوطنية في التنمية والأمن وتراعي انتماءاتها الحضارية وتنظم علاقاتها بدول ذات تداخل خاص مع السودان. ان القوى السياسية السودانية عدا الجبهة الاسلامية القومية قد توصلت لرؤية محددة في هذه المجالات الثلاثة. أولاً - التكوينات السياسية أو الاحزاب الممثلة للاغلبية الشعبية في السودان عربية الانتماء. اسلامية الالتزام. وكان مشروعها الفكري السياسي الغالب مغيبا للهويات السودانية الأخرى. أو مفترضا حتمية ذوبانها في الكيان العربي الاسلامي. ولكن نتيجة للاحتراب, والحوار, والتطور توصلت الحركة السياسية السودانية لحسم هذا النزاع على الأساس الآتي: (أ) اعتبار المواطنة اساس الحقوق والواجبات الدستورية. (ب) التخلي عن الاحادية الثقافية واتخاذ ميثاق تعددي يوفق بين حقوق الاغلبية الثقافية الموجودة والهويات الثقافية الأخرى في البلاد هذا الميثاق يهم مركز الثقافات السودانية بعقد مؤتمر الثقافي لبحثه وتقديم مشروع به للقوى السياسية. (ج) لقد خلقت سياسات نظام الانقاذ وضعا منفراً لمجموعات وطنية سودانية مهمة بحيث انه لم تكن اية جماعات سودانية تطالب بحق تقرير المصير قبل يونيو 1989. أما الآن فيمكن ان نقول انه لا توجد مجموعة سودانية جنوبية لا تطالب بحق تقرير المصير. لقد صار هذا المطلب جزءاً من الواقع السياسي السوداني يسنده امران أخران: الأول: لأول مرة في تاريخ السودان الحديث يوجد لمطلب تقرير المصير سند اقليمي ودولي كبير. الثاني: الجزء الأكبر من الاقليم المعني بتقرير المصير الآن خارج إدارة الدولة السودانية فهو منفصل عن الدولة السودانية بحكم الأمر الواقع وتسيطر عليه إدارة معادية للنظام في الخرطوم. ان التعامل مع مطلب تقرير المصير بالعاطفة والتمني لايجدى. لقد قبلت القوى السياسية السودانية فكرة تقرير المصير تقريراً لهذه الحقائق, ووسيلة لاكتساب الثقة المفقودة, ولتجديد عهد التراضي الوطني ومحاولة لهزيمة التطلعات الانفصالية نهائيا بالإرادة الشعبية وتأمين وحدة البلاد. هذا تطلع ممكن التحقيق ولكن إذا كانت الثقة قد زالت الى غير رجعه, ولم يعد هناك أمل لي تجديد عهد التراضي الوطني فالخيار السياسي المتاح لنا في هذا الصدد هو الاعتراف بالحقائق وتنظيم المصالح في نطاق جديد. انا مؤمن بوحدة السودان. واعتقد ان انفصال الجنوب سوف يجر على أهل الجنوب أنفسهم مشاكل أكبر من التي يحاولون علاجها بالانفصال. ولكن الابقاء على وحدة السودان بالقوة مع الحقائق المشار إليها هنا حماقة واستحالة, في هذه الحالة الوارد عقلا وشرعا هو ارتكاب اخف الضررين ودرء المفاسد مقدم اصلا على جلب المصالح. ان القوى السياسية السودانية المتطلعه لتقرير المصير والمرشحة للاصرار على الانفصال صارت الآن أهدأ نبرة وأكثر ميلا نحو وحدة السودان. هذه الصورة الجديدة لم تتحقق إلا بعد تسليم الاغلبية السياسية السودانية بحق تقرير المصير لقد بدا لكثير من القيادات الفكرية والسياسية الجنوبية ان للشمال مصلحة خاصة في الوحدة وانه مصمم على الدفاع والمحافظة عليها رغم انفهم, لقد ارتبطت الوحدة في اذهان كثير منهم بالتهميش ونيلهم قسمة ضيزى قاوموها وعانوا موتا وشقاء كبيرين, بدا لهؤلاء ان الشماليين يسوقونهم بعصى الوحدة لمصلحة الشمال وبصرف النظر عن مصالح الجنوب ورأي سكانه. ان اعلان الأغلبية السياسية في الشمال قبول مطلب تقرير المصير طرد تلك التصورات ومهد السبيل لنظرات جنوبية أكثر موضوعية وبالتالي أكثر ايجابية نحو وحدة البلاد. في هذا المجال ان الكتاب والمفكرين والساسة من أهلنا في البلاد العربية والاسلامية يخدمون قضية الوحدة أكثر ان هم تفهموا الحقائق السودانية وركزوا على مفاهيم العدالة, واكتساب الثقة, واحترام خيارات اهل الجنوب الحرة وامسكوا عن الوعظ بمحاسن الوحدة ومساوئ تقرير المصير. ان وحدة السودان قد ضاعت فعلا بسبب سياسات النظام الحالي وتقرير المصير ضمن الاتفاق السياسي الحالي وسيلة لاعطاء الوحدة فرصة أخرى. ثانياً: كانت هناك نظريات غربية ترى في الدكتاتوريات العسكرية سبيلا للتحديث والتنمية في العالم الثالث, وتكاثرت الانقلابات العسكرية تعلن برامج اصلاح وانقاذ واحيانا تجد التشجيع من الطرف الشرقي أو الغربي اثناء ظروف الحرب الباردة. ثم انقلبت الموجه بعد ان اتضح ان النظم العسكرية تودى بقدرات الجيوش وتفسد السياسة في آن معا. وتواترت الدلائل على ان العلاقة بين النظم العسكرية والتحديث والتنمية علاقة عكسية فانحسرت الانقلابات والنظم العسكرية من امريكا اللاتينية أم الانقلابات, وانقرض هذا المخلوق الذي لم يعد له الآن وجود الا في العالم العربي والافريقي وبعض أقاليم آسيا. وحتى في هذه البلدان فإن اتجاهات الرأي العام صارت واضحه في التطلع للديمقراطية والحريات الأساسية. فالشارع السياسي العربي تتقاسمه اربعة تيارات: التيار الاسلامي - والقومى - والشيوعى - والليبرالي. منذ انهيار الاتحاد السوفييتي يعاني التيار الشيوعي العربي أزمة هوية, ولكن يغلب عليه الآن التعلق بالديمقراطية التعددية والحريات الاساسية. التيار الليبرالي ديمقراطي في الأصل وإن كان يعاني باستمرار من الضعف التنظيمي. التياران الاسلامي والقومى كانا الى الشمولية أقرب ولكنهما منذ حين تبينا قيمة الديمقراطية والحريات الأساسية واستصحباها. الحلقة الأخيرة من هذا الاستصحاب ظهرت في البيان الختامي للمؤتمر القومي الاسلامي الثاني الذي عقد في بيروت في 17 نوفمبر الماضي إذ دعا المؤتمر لكفالة حريات الانسان الاساسية والتعددية السياسية والنظام الديمقراطي. وعلى الصعيد الرسمي فإن الاصلاح الديمقراطي يخطو الى الإمام في بعض الدول الملكية فهي متجهه نحو اصلاحات ديمقراطية مثل المغرب والاردن والكويت. كذلك يخطو الاصلاح الديمقراطي للإمام في بعض الدول التي اقامت نظامها الجمهوري الحالي مثل ثوارت مصر واليمن. هذه النماذج لا تناسب السودان فلا سبيل لاقامة شرعية الحكم فيه على الولاء لأسرة معينه والتطور السياسي من منطلق هذا الولاء. ولا سبيل لإقامة شرعية الحكم في السودان على الولاء لثورة سودانية لعبت دوراً تأسيسياً تحلق حوله الولاء فانقلاب السودان الأول كان إدارة عسكرية خالية من أية محتويات فكرية وسياسية وانقلاب السودان الثاني انتهج خطا حزبيا يساريا في الأول ثم حزبيا يمينيا في المرحلة الأخيرة, وانقلاب السودان الثالث انقلاب حزبي شكلا وموضوعا. وفي الحالتين كانت الحزبية المعنية حزبية اقلية سياسية لم يتجاوز تأييدها ابداً 20% من أهل السودان. الخيار الوحيد امام اهل السودان هو إقامة الشرعية على اساس ديمقراطي تعددي يكفل حقوق الانسان وحرياته الاساسية مع اقلمة ذلك بصورة تراعى التوازن ويقفل الثغرات التي عرضت الديمقراطية للتآمر الانقلابي في الماضي. هذا هو الخيار الذي اجمعت عليه القوى السياسية السودانية في قرارات اسمراً المصيرية في يوليو 1995. ثالثا - كذلك تقرر وضع أساس لعلاقات السودان الدولية واساس متوازن لتعامل السودان مع حلقات انتمائه العربية, والافريقية, والاسلامية, والالتزام بمواثيق تنظيم علاقات السودان بدول الجوار ذات الخصوصية لاسيما بمصر, الميثاق المتفق عليه في هذا الصدد يؤكد ثوابت العلاقة وهي الجوار - والنيل - والامن المشترك - والتكامل التنموي - والروابط الثقافية. كان حسن الجوار في العلاقات بين الدول يقتصر على عدم التدخل في شؤون الغير وتنظيم حركة الحدود للناس والتجارة وضبطها امنياً ضد المجرمين والمهربين. ولكن الجوار في نطاق العلاقات بين مصر والسودان ينبغي ان يضيف على تلك الجوانب التقليدية تصوراً لجوار بشرى مصلحي تربطه وسائل مواصلات واتصالات فعاله وتنظمه معاملة قنصلية ميسرة تسهل حركة المواطنين والايدي العاملة والأموال. النيل الاتقاق حول مياه النيل الآن ملزم لمصر والسودان ولكن النيل وحدة مائية تشمل عشر دول. ينبغي ان يعمل السودان ومصر بموجب مبادئ محدده للتوصل لاتفاق لكافه دول حوض النيل وتلك المبادئ هي. 1- احترام ميثاق تنظيم مياه النهر الدولي. 2- النيل وحدة مائية توجب اتفاق كافة الدول في حوضه على نظام واحد. 3- النظام المتفق عليه يراعي الاسس الآتية: (أ) احترام الحقوق المكتسبة. (ب) تأكيد السيادة المشتركة. (ج) وضع مقاييس تحكم أية مطالب خاصة باستخدامات مياه النيل. (د) وضع مشروعات مشتركة لزيادة تدفق مياه النيل والحد من التبخر وتراعي مصالح السكان في مناطق تلك المشروعات. التنمية 1- الاتفاق على نهج اقتصادي واحد يقوم على اقتصاد السوق الحر ويراعي دور الدولة في اقامة مشروعات البنية التحتية وحماية الشرائح الغفيرة في المجتمع وحماية الاقتصاد الوطني من سلبيات العولمة. 2- مشروع تكامل صناعي بين البلدين. 3- مشروع تكامل زراعي يركز على التعاون بشأن المحاصيل النقدية ويحقق الأمن الغذائي. 4- تنظيم التعاون النقدي. 5- توسيع التبادل التجاري وتسليمه. الثقافة 1- وضع ميثاق ثقافي واعلامي ينظم سياسات هذين المرفقين في البلدين. 2- مراجعة البرامج التعليمية في البلدين على كافة المستويات بهدف الاصلاح واعداد الموارد البشرية للقرن الواحد والعشرين. 3- تنسيق خطة تأهيل الموارد البشرية في مجالات التعليم والتدريب والبحث العلمي. 4- يحتم الاعلام بالتعارف والتواصل والتعاون في كافة مجالات الاعلام الامن المشترك. 1- اعتبار السودان العمق الدفاعي الجنوبي لمصر ومصر العمق الدفاعي الشمالي للسودان. 2- تنسيق خطة الدفاع عن البلدين في شكل مؤسس. 3- الاتفاق على خطة امنية مشتركة واقامة آليات محددة للتعاون في تنفيذها. هذه قرارات اتفقت عليها القوى السياسية السودانية لتنظيم خصوصية العلاقة بين البلدين واضيف انه بالنسبة للخلافات الحدودية أو ماقد يطرأ من خلافات من حين لآخر فإن هذه تحكمها المبادئ الآتية: (أ) الالتزام بحلها سلميا دون اللجوء لاستخدام القوة. (ب) حصر السعي لحلها في الإطار الثنائي. (ج) اذا تعثر الاتفاق حول بعض المسائل فيكون حلها على اساس السياسة المعدلة لاسيما والتوجه العام هو جعل هذا الميثاق اساسا لتنمية علاقات وحدوية على اساس براجماتي ووظيفي يدور حول الشعارات التي تقسم ولاتجمع. هذه هي المرة الأولى التي تتوصل فيها الحركة السياسية السودانية كحركة موحدة شاملة للقوى السياسية الاساسية في الشمال والجنوب لرأي محدد موحد حول خصوصية العلاقة ومرتكزاتها. هذا التوجه لميثاق لبناء العلاقة بين البلدين هو الأول من نوعة والاوسع في قاعدة تأييده. لقد اكتسبت هذه القرارات قوة من الاجماع حولها ونفوذا فكريا وسياسيا اجبر النظام السوداني على استصحاب بعضها بعد ان كان يدينها ويخونها. بعض الناس يرون ان هذا الاستصحاب خادع وان تنازلات النظام المشاهدة تمويهات تكتيكية تبناها النظام. آخرون يرون وانا منهم ان الشعب السوداني بصموده وبأسه في مواجهة سياسات النظام وبوضوح رؤيته الفكرية والسياسية اجبر النظام على التراجع درجة وسوف يجبره للتراجع الى آخر الشوط مثلما حدث لنظم شمولية مماثلة في أوروبا الجنوبية وفي أمريكا اللاتينية وفي افريقيا. النظام السوداني قد تخلى عن بعض ثوابته في العلاقة مع جنوب السودان واستصحب بعض اطروحات المعارضة في اتفاقياته مع الاحزاب الجنوبية المنشقة من الحركة الشعبية لتحرير السودان الحركة الام. كذلك تخلى عن بعض ثوابته في السياسة الخارجية. لكن الذين يشكون في صدقية هذه التوجهات يرون ان النظام قد اخفى حقيقته بعد انقلابه ليواجه حالة الضعف الأولى ولكنه اظهرها بعد ان تصور انه ثبت اركانه. والآن فإن النظام يواجه حالة ضعف بسبب اخفاقاته والتحالفات الداخلية والخارجية المضادة فلجأ للتقية وعاد يظهر ما لا يبطن حتى يشتت شمل التحالف المضاد الداخلي والخارجي ثم يعود الى اجندتة السرية. اقول ان الظروف الداخلية والخارجية الآن ليست كما كانت في عام 1989 وعدو النظام الأول الآن هو اخفاقاته الهائلة التي لم تترك له هامش مناورة. آن المقياس الأهم لأي تنازلات يكمن في أمرين هما: الأول: تخلي النظام عن ان رأيه هو رأي الاسلام وانه هو عقل وضمير الأمة الإسلامية. هذا الاعتقاد هو مصدر العنف الفكري الذي يتحول حتما الى عنف حسي وهو القاسم المشترك بين كل الذين استباحوا لانفسهم البطش بالآخرين. ان منطقتنا تعاني الآن من ذهنية مريضة اصحابها يقولون عدونا هو عدو الله ويستباح نفسا ومالا وعرضا هذه الذهنية ينبغي ان تقتلع من جذورها. ان الأمن القومى العربي والأمن الوطني في كل البلدان يبدأ في التصدي لهذه العقائد الفاسدة لانها مغسلة الادمغة التي تحمل السلاح بعد ذلك بصورة شبه آليه كالدمى. الثاني: التخلي عن الاحادية السياسية والنظام الدستوري والقانوني المؤسس لها لإقامة بديل يحتكم للشعب ويجعله مصدر الولاية والمحاسبة. والا استطاع صاحب الولاية الاحادية ان يتقلب في المواقف حيث يشاء ويخادع في ساعة الضعف ويبارز في ساعة القوة. * بقلم: الصادق المهدي

تعليقات

تعليقات