العلاقات السودانية المصرية:بقلم- الصادق المهدي - البيان

العلاقات السودانية المصرية:بقلم- الصادق المهدي

تناول الجزء الأول من موضوع العلاقات السودانية المصرية المحاور الأساسية التي تقوم بها عليها هذا العلاقات, ويتناول الجزء المنشور اليوم القاء الضوء على بعض المراحل التي مر بها السودان وكان لها تأثيرها من مسيرته وكذلك بعض الحركات السياسية التي جعلته بصل الى ما وصل إليه اليوم وموضعه من هذه الحركات. المحور الخامس : محمد علي باشا مؤسس الدولة المصرية الحديثة وضع اساسا استعماريا للعلاقة بين دولته والسودان. وفي عهد النهضة السياسية في مصر برز التطلع لبسط السيادة المصرية تحت التاج المصري على السودان صحيح انه كان كوال لمصر يضم الى الخلافة أقاليم أخرى وصحيح ان الدول يومئذ كانت تبيح حق الفتح ولكن الكيان السياسي الحاكم للسودان في مملكتي الفونج والفور كاتباه ليمسك عن قتالهم لانهم مسلمون ولايرون مبرراً لاخضاعهم بالقوة. الى جانب هذا كان التعبير المستنير للعلاقة الوحدوية بين البلدين هو شعار وحدة وادي النيل. ولكن تاريخ الفتح وعبارة السيادة نفرا قاعدة عريضة في السودان فعبرت عن موقفها بالمطالبة باستقلال السودان واستغلت الإدارة البريطانية هذا التطلع لزرع مزيد من الشك والتنافر بين مصر وشرائح سودانية عديدة. ومنذ استقلال السودان فإن أهم ما ساهم به الجسم السياسي السوداني في زعزعة العلاقة المصرية السودانية هو التقلب المخل. ومهما وضعنا من أسس للعلاقة بين البلدين فانها لن تستقر مالم تحسم أزمة الحكم والسلطة في السودان لذلك صار بحث أسباب تلك الأزمة وازالتها شرطا مهما لتأمين العلاقة. لقد مر السودان منذ استقلاله بستة عهود ثلاثة ديمقراطية وثلاثة دكتاتوريات عسكرية. في العهود الديمقراطية السودانية كانت أهم نقطة ضعف حالت دون اقامة علاقة سوية بين البلدين هي ان التكوين السياسي السوداني حال دون حسم السلطة انتخابيا لصالح اتجاه حزبي معين مما خلق تنافسا حاداً بين الأحزاب السياسية السودانية وصارت العلاقة بمصر جزءاً من قضايا الصراع السياسى, فاتجاه تبنى توطيدها تحت طائفة من الشعارات. واتجاه آخر تبني تخفيفها ولكن على أية حال فالاختلاف بين الاتجاهين كان دائما معتدلا, وفي حالتي التقارب نحو مصر أو التباعد عنها كانت النبرة هادئة. أما في العهد العسكري الأول فقد شهدت العلاقة بين البلدين افضل حالات استقرارها لأن المناخ السياسي قد خلا من تنافس حزبي يكون العلاقة قربا وبعداً وخلا ايضا من طابع ايديولوجي فقامت العلاقة على أسس براجماتية واستقرت على طول أعوام حكم الفريق إبراهيم عبود الستة. شهر عسل غير صحي وفي عهد الدكتاتورية الثانية شهدت العلاقة شهر عسل غير صحي. أقول غير صحي لأن النظام المايوي حاول توظيف العلاقة المصرية السودانية لدعم شرعيته المفقودة فاحتمى في عهده الأول اليسارى بمصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر, واحتمى في عهده الأخير اليميني بمصر في عهد الرئيس انور السادات. هذا التوظيف للعلاقة بمصر خلق صدودا شعبياً عبرت عنه جماهير الانتفاضة الشعبية في رجب/ إبريل 1985 وسممت هذه الخلفية مناخ العلاقة المصرية السودانية في عهد الديمقراطية الثالثة في السودان. لقد قامت العلاقات المصرية السودانية في عهد النظام المايوى على ركيزتي التكامل وميثاق الدفاع المشترك. أما التكامل فقد اشتمل على كثير من التدابير الصحيحة ولكن انجازاته الفعلية كانت متواضعة بينما كانت دعاوى السياسة الاعلامية ضخمة, جعجعة كثيرة وطحن قليل وبدا للقوى السياسية المعارضة للنظام السوداني ان النظام لم يقصد منها إلا تغطية سياسية لشرعيته الغائبة. كما ان الدفاع المشترك لم يلعب دوراً في مشكلة السودان الدفاعية الأولى التي كانت تنطلق من دول حلف عدم وبدا انه موجه للمعارضة السودانية في المقام الأول. لذلك اتجهت الديمقراطية الثالثة في السودان الى استبدال ميثاق التكامل بميثاق الاخاء والدفاع المشترك بميثاق الأمن المشترك وكانا في جوهرهما يهدفان الى تحقيق التكامل والدفاع المشترك بعد تجريدهما من علائقهما المايوية. أما في عهد الدكتاتورية الثالثة - نظام الانقاذ - فإن العلاقة بين مصر والسودان دخلت مرحلة مختلفة اختلافا نوعيا مما كانت عليه. ان حركة (الاخوان المسلمين) حركة اسسها الشيخ حسن البنا في عام 1928. وفي السودان نشأت حركة اسلامية حديثة باسم حركة التحرير الاسلامي في عام 1949. هذه الحركة السودانية التحمت بحركة الاخوان المسلمين المصرية واستمدت منها أدبها وأساليبها التنظيمية بحيث سارت ربيبتها. حركة (الاخوان المسلمين) في مصر تقلبت في علاقاتها بالدولة المصرية ثم بالثورة المصرية من تعاون الى تعايش ثم الى عداء. هذا العداء جلب لها قمعا تاريخيا فتحول جزء هام منها تحت نيره الى الانكفاء والتطرف. حركة الأخوان في تيارها الرئيسي تحولت الى الاعتدال عبر عنه الأستاذ الهضيبي في كتابه (دعاة لاقضاة) . وعبر عنه كثير من الكتاب المنتمين للحركة في الأصل وان استقلوا عنها تنظيميا امثال الاساتذة محمد الغزالي ويوسف القرضاوى. ولكن الاستاذ سيد قطب اطلق تياراً راديكاليا متطرفا مستمداً انكفاءه وصداميته من الفكر الخارجى التاريخي ومن مصادر حديثة من الشيخ ابي الأعلى المودودي الذي تطرفت آراؤه لتعبيره عن الاختناق الاسلامي في محيط الهيمنه الهندوسية الميالة الى التطرف الديني. ان الأصولية الهندوسية من أقوى الأصوليات الدينية في العالم وهي المسؤولة عن اغتيال المهاتما غاندي لاتهامه بالتسامح الديني. وهي المسؤولة عن احراق مسجد ايوديا لانها ادعت انه أقيم في مكان مولد الاله رام. والاصولية الهندوسية هي المسؤولة عن الأزمة السياسية في الهند اليوم لأن حزبها الآن هو أكبر الأحزاب السياسية ولكن فكرها طارد لكافة الاحزاب السياسية الأخرى فلاتستطيع ان تحالفه ولم تفلح في التحالف ضده. أفكار الشيخ ابي أعلى المودودي وثمارها في المحيط العربي المتمثلة في آراء الأستاذ سيد قطب غذت حركات متطرفة انشقت من حركة الاخوان المسلمين الأم واعتبرتها حركة مدجنه مهادنه. الحركة الاخوانية الأم ابقت على اعتدالها خطا دعاه لاقصاه وسايرتها بعض فروعها كما في الأردن. اختلاف في درجة الانفتاح الحركة السودانية اعلنت استقلالها عن الحركة الأم واختلفت عنها في درجة الانفتاح فتبنت في الأول انفتاحا أكبر وتحولت الى حزب سياسي أو جبهه سياسية واستفادت من مناخ التسامح السياسي السوداني واستصحبت دون تحفظ اساليب اليسار واليمين الأوروبي في تنظيم القوى الحديثة. واستغلت عواطف ممولين من مواطني الخليج فصارت حركة سياسية اسلامية يشار إليها بالبنان وترشح للوصول الى السلطة عبر صناديق الاقتراع. لكن الحركة مع نجاحها القياسي في المجال السياسي السوداني كانت تتطلع لدور قيادي اسلامي ينافس حركة الاخوان الام ويتولى قيادة هذا التيار عالميا. تابعوا تطورات الحركة الاسلامية العالمية وبهرتهم انتصارات الثورة الاسلامية في إيران. وادهشهم نجاح المجاهدين الافغان الذي فاجأ حتى المشاركين فيه بانهيار القوة العسكرية السوفييتية تحت ضرباته. وأعجبهم زحف حركة الانقاذ الاسلامي في الجزائر الذي ادهش المراقبين بل حتى المشاركين فيه. هذه التطورات المدهشة في ظروف مستحيلة بهرت قيادة الجبهة الاسلامية القومية في السودان فقرأوا تلك الأحداث قراءة غيبية كأن الله قد أراد ان يقود بنفسه عجلة التاريخ ويلغى دور الانسان الذي خلقه وجعل دوره مطية لارادته سبحانه وتعالى: (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ... الآية ( ). ان القراءة الصحيحة للثورة الاسلامية في إيران هو انها التصدى التاريخى لسياسات الشاه الذي حاول استلاب الهوية الاسلامية في إيران, وخلق ظلما اجتماعيا ادى الى حرمان الأغلبية الشعبية في البلاد وحصر الثروة في ايدى صفوة من الناس وغرب ثروة البلاد وجفف كافة مصادر المعارضة المدنية فخلق ظروفا موضوعية وذاتية مهدت للثورة الاسلامية في إيران بقيادة رجال الدين. ان انتصار المجاهدين الافغان هو حماسة اسلامية ووطنية على حصان التكنولوجيا والامكانات المادية والسياسة الأمريكية. أما الظاهرة الاسلامية الجزائرية فانها تطلع يدفعه غضب تاريخي من محاولات فرنسة الجزائر وتقويض هويتها على يد الاستعمار والتعبير عن رفض سوفتة الجزائر الفاشلة في عهد جبهة التحرير, انها تعبير عن تطلع اسلامي يدفعه غضبه من وافدى هذا العدوان الفكري والثقافي الأوروبي على هوية الجزائر الدينية والقومية. طي صفحة الاعتدال الناجح قيادة الجبهة الاسلامية القومية في السودان اعتبرت الثورة الاسلامية في إيران انقلابا غيبيا في محيط الاسلام الشيعي وان الظاهرة الاسلامية في افغانستان وفي الجزائر وفي مناطق أخرى انما تؤذن بحدوث انقلاب مماثل في محيط الاسلام السني, لذلك طووا صفحة الاعتدال الناجح في الوسط السياسي السوداني المتسامح وتوشحوا بتطرف ديني يحاكي التجربة الايرانية في الوسط السني ويؤهل انقلابهم الذي اقاموا دولته في السودان لقيادة الاسلام في العالم السنى. وساعدهم على الاندفاع في هذا الخط ان انقلابهم نجح بصورة مفاجئة لهم كالمفاجآت الأخرى المذكورة في المناطق الاسلامية الأخرى. غيرت الجبهة الاسلامية السودانية نهجها تماماً فبينما كانت تفوق الحركة الأم في انفتاحها ومرونتها صارت تفوقها في انكفائها وتشددها. تفسير للظواهر هذا النهج الراديكالي الذي اتخذته قيادة الجبهة الاسلامية القومية في السودان يفسر الظواهر الآتية: - موقفهم من الأغلبية المسلمة في السودان فعدوا المخالفين لبرنامجهم بغاة لا تحق لهم حقوق المسلمين. - موقفهم من الحرب الأهلية في الجنوب فاعلنوها جهاداً يصف المقاومين الجنوبيين ومن شابههم انهم كفرة ويتقرب بقتلهم الى الله ويسبون وتؤخذ أموالهم غنيمة. - موقفهم من دول الجوار السوداني التي كان بعضها صديقا حميما للنظام ولكن النظام توسل بهذه الصداقة للتدخل المباشر في شؤونها لتعبئة المسلمين فيها للمشاركة في التوسع الاسلامي الجهادي لاسيما في القرن الأفريقي. - موقفهم من الانحياز للرئيس العراقي صدام حسين الذي قفز على جواد الراديكالية الاسلامية في مرحلة دخوله الحرب ضد التحالف الدولي. - اتخاذهم المؤتمر الشعبي الاسلامي العربي منصة للتحريض الراديكالي الثورى في العالم العربي والاسلامي. لقد سقت هذا التفصيل والتحليل لأقول ان موقف النظام السوداني الحالي من مصر جزء لا يتجزأ من الاجندة الراديكالية التي انطوت عليها الجماعات الاسلامية المصرية, وحلقة تدعمها امكانات الدولة السودانية في الشبكة الراديكالية الاسلامية العربية جعلته يتعامل مع الجسم السياسي السوداني بمفاهيم وأساليب لاتمت الى حقائقه بصلة, ويتعامل مع الحرب الأهلية في الجنوب, والعلاقات بدول الجوار الافريقي, والعلاقات بالعالم العربي والاسلامي, بصورة لا تمت الى المصالح الوطنية السودانية بصلة ولا تستصحب رأي الأغلبية العربية المسلمة في السودان بل تمثل أولويات وبرامج الأجندة الراديكالية الإسلامية. وأهمية هذا العرض والتحليل في اطار موضوع العلاقات المصرية السودانية هو ان التوجه السوداني الجديد أحدث تغييرا جذريا في تلك العلاقات لانه جعل الاطاحة بالحكم في مصر جزءا من الخطة الرسمية السودانية لثالث مرة في التاريخ ولأول مرة في التاريخ الحديث, لذلك دخلت في العلاقات بين البلدين عوامل غير معهودة وتخطى النظام كل الخطوط الحمراء واستباح لنفسه ما استباح.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات