وقوفا عند بوابات الاتحاد الأوروبي:بقلم: د. زكي الجابر

وأخيرا رفض الاتحاد الأوروبي ترشيح تركيا لعضويته, وكبديل عن ذلك دعاها الى المشاركة في مؤتمر أوروبي قد ينعقد عام 1998. والبعض من المشتغلين بالشأن التركي يستعيد في هذه المناسبة مثلاً معروفا لدى الأتراك استهل به, مطلع الخمسينات, دانيل ليرنر دراسته الشهيرة عن تحديث المجتمع التركي, والتي ضمنها كتابه المعروف: (انحسار المجتمع التقليدي) ؟. يقول المثل: (اعداؤنا يجعلوننا نضحك, اصدقاؤنا يجعلوننا نبكي) . والسر وراء البكاء هو هذا الرفض بالرغم من الوجود التركي الفاعل في أكثر من جهاز أوروبي, وتوقيعها لاتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي واستكمالها مؤخراً معه وحدة جمركية. وزير الخارجية التركي اسماعيل سام يصر على ان المكون الأوروبي من الهوية التركية ليس محل نقاش أو مساءله. أما الذين يرون المسيحية الطابع الغالب على الاتحاد, فيقال لهم ان تركيا لبست ثياب العلمانية - الكمالية منذ ان اراد كمال - أتاتورك خلاصها من الوقع تحت براثن الدول المنتصرة في الحرب العالمية الأولى كما كان هو الحال مع الدول العربية التي خرجت من عباءة الرجل المريض لتقع تحت العباءات المتبانية لدول الغرب. وقد يكون من أسباب الرفض ملابسات العلاقة مع اليونان, والمنازعات حول موضوع قبرص, وما يدور حول سجل تركيا في مسألة حقوق الانسان من كلام واستفهام! ان الأمر في اجتهادنا الذي نود مشاركتك فيه هو أعقد من ذاك, وأكبر من هذا التبسيط, فاليونان حليف متفاعل مع تركيا في أكثر من منظمة أوروبية وموضوع قبرص لم يكن عائقا لهذا التحالف بل ان قبرص ذاتها حليف متفاعل مع البلدين في تلك المنظمات الأوروبية. أما حقوق الانسان فهي قابلة للتفسير والتأويل, والاتساع والانكماش, في ضوء ما تمليه المصالح السياسية والاقتصادية حتى صارت سلاحا له أكثر من حد. وقبل ان اضع بين يديك ما في سلتي من بيض, اقف معك عند المؤسسات الأوروبية الست التي تشكل النظام الأوروبي, والتي لابد من معرفتها وصولا لفهم ميكانزمات ذلك النظام, النظام الذي تعتبر قيمه ومنطلقاته, على حد مقولة المحلل السياسي (رانكو بيتكوفيكه) . محوراً أساسيا من المحاور التي يستند اليها النظام العالمي القائم. - وأولى هذه المؤسسات هي منظمة الأمن والتعاون الأوروبي. وإذا ما كانت القواعد الأولى لهذه المنظمة قد أرسيت عام 1975 في هلسنكي, فان اللافتة التي تحمل التسمية الحالية قد رفعت في اجتماع بوادبست عام 1995. وعلى الرغم مما يقال عن ضعف شأن هذه المنظمة بسبب اضطلاع (الناتو) بمهمات التعاون والأمن, فإن هناك من يرى فيها مفتاحاً رئيساً لفك مغاليق المؤسسات الأخرى. ذلك لأنها تضم 55 قطراً, كما تتسع فعاليتها لتشمل حقوق الدبلوماسية, وحل المنازعات, والقضايا العرقية, أما قائمة الدول المنتمية الى هذه المنظمة فتشتمل, فيما تشتمل, على الولايات المتحدة, كندا, ألمانيا, فرنسا, المملكة المتحدة, ايطاليا, لوكسبورج, النرويج, ايسلندا, اسبانيا, البرتغال, اليونان, تركيا, قبرص, روسيا, روسيا البيضاء, وكازاخستان... - ثانية هذه المؤسسات تتمثل في (مجلس الشراكة الأوروبية - الأطلسية) , لقد تأسس هذا المجلس على مستوى الوزراء والسفراء من أجل التوصل الى قرارات تتعلق بالمشاركة في التمارين العسكرية, والمناورات, وعمليات السيطرة على التسلح, وحفظ السلام, وحل المنازعات. تتمتع بعضوية المجلس 11 دولة من بينها الولايات المتحدة, كندا, ألمانيا, تركيا, اليونان, وبقية دول الناتو الى جانب دول أخرى من بينها اسبانيا, أوكرانيا, ارمينيا, واذربيجان.. - (مجلس أوروبا) هو المؤسسة الثالثة, ويعتبر من أقدم المؤسسات الأوروبية, فلقد تشكل عام 1949 كمعلم من معالم نظام سياسي قوامه برلمان منتخب, واقتصاد سوق, واحترام لحقوق الإنسان, ومن هنا فإن الانضام اليه يظل مقتصراً على الدول التي ترى الدوائر السياسية ذات الصلة بأنها قد شقت الطريق نحو البناء الديمقراطي. وما على الدول الراغبة إلا ان تكيف أوضاعها لمتطلبات معينة في مجالات التشريع والقضاء والاعلام وحقوق الانسان والأقليات القومية, وتعتبر كرواتيا مثالا لهذه الدول التي تأهلت للعضوية. قائمة الدول المنضوية تحت مظلة هذا المجلس تشتمل على 44 دولة منها: المملكة المتحدة, ألمانيا, فرنسا, اليونان, تركيا قبرص ولاتفيا... - المؤسسة الرابعة (منظمة معاهدة الأطلسي) (ناتو) لقد التزمت بها الأطراف المتعاقدة تحت أجواء الحرب الباردة في عالم تتقاسمة الثنائية. أما عدد الدول المنتمية لهذا التنظيم فهي 16 دولة, من بينها الولايات المتحدة, كندا, المملكة المتحدة, الدانمارك, إيطاليا, تركيا, اليونان, والبرتغال, كما تقرر قبول انضمام بولندا, وجمهورية التشيك, وهنغاريا, وتظل قائمة تساؤلات أساسية تتركز حول استمرارية البعد الايديولوجي في التنظيم متفاعلا مع البعدين العسكري والسياسي, ومدى امكانية تحول الأجهزة الى ان تكون في خدمة السلام لا المجابهة القتالية, والقدرة على استمرارية الحضور الأمريكي في أوروبا, ومراقبة روسيا, وضبط العملاق الألماني. - (الاتحاد الأوروبي) ذلك هو المؤسسة الخامسة, وإذا كانت المعالم الأساسية قد بدأت بالرسوخ منذ الخمسينات, فأنها أخذت شكلها المتميز والحاد في ماسترخت عام (1995), وأصبح الاتحاد يقوم على سياسة خارجية تكاد تقترب من المشاركة, ووحدة نقدية على طريق التنفيذ, وقوة تجارية آخذه بالتعاظم. وأصبح الاتحاد, على حد وصف (بيتكوفيكه) نموذجا لسيرورات التكامل, ونقطة ارتكاز لكل دول أوروبا ليضمها نظام موحد له ركائزه والمشتركة عسكريا وسياسيا واقتصاديا تنتمي للاتحاد 15 دولة, وثمة دول أخرى على لائحة الانتظار ومن بين الدول المنتمية ألمانيا, فرنسا, المملكة المتحدة, إيطاليا, لوكسبورج, والسويد... - المؤسسة السادسة هي (اتحاد غرب أوروبا) الذي يراه البعض رمز الحلم بقوة عسكرية أوروبية مستقلة. لقد كانت بدايات هذا الحلم في عام ,1954 وظل حيا بالرغم مما يشاهد من توطد واتساع للناتو, وحضور القوة الأمريكية فيه, تضم عضوية هذا الاتحاد المملكة المتحدة, فرنسا, ألمانيا, بلجيكا, هولندا لوكسمبورج, اليونان, إيطاليا, البرتغال, واسبانيا. تلك هي المؤسسات الفاعلة, وإذا لم تكن تركيا غير قادرة سوى على دق بوابات الاتحاد الأوروبي بالرغم من وجودها المتميز النظام الأوروبي, ومحاولاتها المستمرة للاقتراب سياسيا وعسكريا من اسرائيل ككيان له اعتباره الخاص في الفكر السياسي الأوروبي نظرية وتطبيقا, فإن أقرب ما يرد الى الذهن من اجتهادات وتعليلات فهي تلك التي تري: في الاتحاد الأوروبي سوقا داخلية تيسر الانتقال الحر للبضائع والافراد والخدمات متجاوزة المتعارف عليه من وحدات جمركية, أو مناطق حرة. وهذا يعني ان الدول التي لم تتهيأ بعد فكريا وعمليا لمتطلبات هذه السوق قد تشكل عثاراً في سبيل ضمان سلامة انتقال الأموال, كما ان وجودها قد يكون غير منسجم مع مقومات الاتحاد الأوروبي كهوية تفرض وجودها على العلاقات الدولية, تتميز بقوة معرفية ومعلوماتية وتكنولوجية. - وترى ان على الدول الراغبة في الترشيح ان تكيف نفسها لعمليات متسارعة في التخصيص, وإنشاء البنى التحتية لاقتصاديات السوق. - كما ترى ضرورة قيام هذه الدول بتوجيه متطلباتها المحلية لا نحو الانتاج الوطني بل الى منتجات تتفاعل في إطار عمليات الاستيراد والتصدير ضمن الاتحاد الأوروبي. إذا كانت تلك الاجتهادات (التعليلات) صحيحة, فإن تركيا ستظل طويلا تطرق بوابات الاتحاد الأوروبي بالرغم مما تبذله من جهود فاعلة في إطار المؤسسات الأوروبية الأخرى, ومن محاولات للتقرب من الكيان الصهيوني. وعلى هذا يبدو معقولا ان تتوجه تركيا الى اصدقائها الذين لهم القدرة على جعلها تضحك أو على الأقل قادرة على الضحك. ان الدول العربية والاسلامية بحكم الخلفيات الثقافية المشتركة, والطابع الذي يسود اسواقها, اقرب الى التعامل مع تركيا وفتح البوابات لاقتصادياتها شريطة ان يخضع هذا التعامل لاحترام السيادة على الأرض, والعدالة في امتلاك المياه والتصرف بخزينها, والاحتكام الى مبادئ القانون الدولي, في حل المنازعات. وإذا ما قيل بأن كل تلك لا تخرج عن كونها اجتهادات, فاني أقول ولكنها اجتهادات وتعليلات لها مبرراتها ومسلماتها المنطقية. خبير اعلامي عربي*

تعليقات

تعليقات