الفضائيات العربية... التنفيس أم الانفجار:بقلم: د. محمد الرميحي - البيان

الفضائيات العربية... التنفيس أم الانفجار:بقلم: د. محمد الرميحي

أصبح التلفزيون في ليالي رمضان أحد أهم الوسائل التي يقضي أمامها العربي معظم ساعات ليله, إما للتسلية أو الاستفادة أو الاثنين معاً, ولم يعد هذا الجهاز السحري محط خلاف حول دوره وتأثيره كونه جزءاً من العائلة صغرت أم كبرت. ومع رمضان الحالي اشتعلت حرب المنافسة بين التلفزيونات العربية والفضائية منها تحديداً ليس من أجل لفت نظر المشاهد العربي في أجواء منافسة تصل الى حد كسر العظم بين المحطات, بل اشتعلت الحرب أيضا فيما يجوز أو لايجوز بثه من خلال التلفزيون. ولقد كانت الإشارة الأولى من لبنان, البلد الذي عرفه العرب برغم صغر مساحته بأنه حامل شعلة التنوير العربية, فلبنان احتضن التعليم الحديث منذ أكثر من قرن, والتعليم الجامعي كذلك, وعندما تسأل أي لبناني عن أهم الأشياء في حياته تسمعه يتحدث عن (تعليم أولاده) كعنصر من عناصر حياته, ربما يكون العنصر المهم الثاني أو الثالث ولكنه لايتعدى الخامس في الأولويات الشخصية على أبعد تقدير. في لبنان اشتعلت حرب المعلومات على التلفزيون بعد ان منع لقاء سياسي مع ميشال عون المعارض في الخارج عن البث, وبعد لقاء حار ونقاش ساخن بثته محطة الـ LBC مع النائب المعارض نجاح واكيم, تابعه المشاهد العربي - وليس اللبناني فقط - لفترة أربع ساعات متواصلة, وبدا الحوار وكأنه برلمان مفتوح على كل المشاهدين. اتخذ مجلس الوزراء اللبناني بعد ذلك قراره الذي لايزال يناقش على نطاق واسع بين مؤيدين له قليلين ومعارضين كثيرين, وهو منع البرامج الإخبارية والبرامج الحوارية السياسية من الفضائيات اللبنانية, وحصر هذه البرامج في البث الأراضي للقنوات اللبنانية فقط. مظهر هذا المنع, والحجة الأساس فيه هو ان مثل هذه البرامج لاتعطي صورة صحيحة للبنان لدى المستثمرين (العرب) وبالتالي تعطيل برامج الاستثمار التي تتوق إليها لبنان!!, وهذه الحجة لدى أي عاقل حجة ضعيفة على أقل تقدير لأن المستثمر, أي مستثمر, يعرف مسبقاً عن أحوال البلد الذي يريد الاستثمار فيه ما قد لايعرفه العامة من مواطني البلد نفسه, وإذا كان الحدس مقبولا في مثل هذه القضايا فإن هناك ضغوطاً عديدة من داخل وخارج الحكومة اللبنانية أدت لوقف مثل هذه البرامج الحوارية والإخبارية خوفاً من تفتح الأذهان وإنارة العقول, وفي تقديرى هي محاولة يائسة لإيقاف تيار الوعي المتنامي عالمياً وعربياً لما يحيط بالمواطن العادي من ظروف وملابسات وحوادث, وخطوة المنع هذه سلبية للبنان ولدوره وقدرته الاعلامية, التي خفتت بعد بهرجة الصحافة اللبنانية قبل عشرين سنة أو أكثر وعادت ولمعت جزئياً من خلال الفضائيات. إلا ان ما حدث في لبنان ليس الاستثناء, كما ان ما حدث ليس جزءاً منفصلا عن نقاش واسع حول دور هذه الوسيلة الاعلامية (التلفزيون الفضائي) في عصرنا الحالي عصر المعلومات, والتي يسميها البعض من مورخي الحضارات بأنها الموجه الثالثة, بعد موجتي حضارة الزراعة وحضارة الصناعة, فهي حضارة الاتصال. الاعلام في هذا العصر الاعلامي هو حضارة القرن الحادي والعشرين, وهو الاختراع الأهم والسلاح الأخطر في كسب أو خسارة المصالح الحيوية للشعوب, وإذا كان اختراع الراديو والطيران وحتى القنبلة الذرية قد هدد الشعوب في حياتها أو غير هذه الحياة فإن التهديد الأكبر والتغيير المنتظر هو تهديد أو تغيير الاعلام والاتصال لأنه في بعده الايجابي يستهدف إجلاء صورة النفس وآية صدق يشعرها مجتمع أو إنسان عندما يكتشف أن صورته عن نفسه هي غير تلك التي اعتقد أنها له, شاشة التلفزيون اليوم هي مرآة لتحديد صورة النفس كما هي دون زيف أو رتوش. في السنوات الأخيرة قيل عن الاعلام إنه السلاح الذي بسببه أو بسبب استخدامه استخداما جيداً تم هدم وانهيار أكبر امبراطورية حديثة هي امبراطورية الاتحاد السوفييتي, فعندما وجد المواطنون السوفييت ان الصورة التي هم عليها من خلال البث الاعلامي الغربي غير الصورة التي اعتقدوا أو قدمت لهم من خلال وسائل اعلامهم تفككت تلك الأمبراطورية عن طريق تفكيك هيكل الثقة بالنفس. والجنرال فوجمان رئيس هيئة الأركان للطيران الأمريكي, وغيره تحدثوا عن مفهوم جديد هو (الحرب الاعلامية) , أو (حرب المعلومات) , وهي استخدام المعلومات أو نظام المعلومات كسلاح في الصراع عندما تكون المعلومات ونظام المعلومات هما الهدف الذي تدور حوله الحرب. وكلما قدمت المعلومات الصحيحة في الوقت والمكان المناسب ربحت الشعوب معركتها مع الغير, وان الحرب الكبرى القادمة سوف تربح أو تخسر بسبب قوة أو ضعف نظام الاتصال والمعلومات. وان عدنا من جديد الى رمضان وبرامجه الحوارية, فإن خروج الفضائيات اللبنانية من قطاع الأخبار والبرامج الحوارية السياسية يترك المجال مفتوحاً لثلاث محطات متنافسة هي الـ MBC والجزيرة ومحطة الأوربت, عدا المنافسة الأضعف من المحطات الحكومية المقيدة. ولقد لفت نظري - كما لفت نظر المتابعين لاشك - ان هذه الحوارات السياسية لها مشاهدون كثر, بدليل تزاحم المعلنين في هذه البرامج, وقد كنت - وأصدق القارئ - اعتقد الى وقت متأخر ان هذه البرامج الحوارية تستقطب النخبة من الناس والقلة من المجتمع, حتى وجدت تزاحم المعلنين في هذه البرامج وكثافة الإعلان الأمر الذي يقودنا الى حقيقة ان هذه البرامج لها مشاهدون يتعدون الفئات الضيقة أو الشرائح العليا من المجتمع الى القاعدة العريضة برغم انها فن لم يحذقه كثيرون منا الى الآن, ولكن يبدو أننا في الطريق الى إجادته وما البرنامج الحواري الناجح الذي يقدمه عماد الدين أديب أو الصديق يوسف الجاسم الا مثال فقط على ما نحن قادمون عليه. من البرامج اللافتة للنظر الحوار الذي تم بين الحارثي والعلوي في تلفزيون الجزيرة الأسبوع الماضي, ولمن شاهده كان الحوار حول أفضلية التنظيم الشوري في مجتمعات الخليج أو الديمقراطي للسير بهذه المجتمعات الى الأمام, وبالطبع لكل وجهة نظر متحيزوها الذين لايرون في غيرها حقيقة, إلا ان القاعدة الأعرض من المشاهدين - كالعادة ــ تنحاز للرأي الأقوى والحجة القاطعة, وكان دفاع الحارثي أكثر تنظيماً وإلماماً وسلامة من هجوم العلوي, فقد ظهر الأول (مذاكراً) لما يريد ان يقول في حين ظهر الثاني غير ملم أو (غير مذاكر) لحججه, فانحازت الأغلبية المحايدة الى دفاع الأول ضد هجوم الثاني. وإن كان لهذا الموضوع بالذات من نتائج, فإن نتيجته الكبرى ان هذه الوسيلة (التلفزيون) تقتضي وجود المحاور الذي يفهم ما يتحدث عنه وماذا يريد ان يقوله للناس بحجج واضحة سهلة الفهم. لقد حدثني مرة الصادق المهدي وهو من هو في الحياة السياسية السودانية فقال ما معناه ان الأجواء في العالم العربي برغم ضيق الممارسة على الأرض تتفتح لحوار ديمقراطي واسع عن طريق المحطات الفضائية العربية في برامجها الحوارية وبرامجها الإخبارية والسياسية وكذلك عن طريق الصحف العربية الصادرة في الخارج. وكلتا الوسيلتان - وهذا استطرادي - مقبلتان على التوسع برغم ما حصل في لبنان أخيراً. وربما يكتشف اللبنانيون بعد فترة أن من اتخذ قرار المنع كان يسلم أفضل سلاح لديه دون حرب ولامناوشات طوعاً للآخر, فلقد اكتسبت الحركة الديناميكية لعرض الأخبار والحوار السياسي في تلك المحطات - وفي فترة قصيرة - حالة من الاستقطاب الجماهيرى غير مسبوقة. هذا السلاح أصبح اليوم هو الأخطر, بعد موت المسافات, فلم تعد المسافات الجغرافية بين العرب أنفسهم وبين العالم قائمة في عصر الاتصال السريع, وكل محاولة قامت بها دولة أو مجتمع لإبقاء المسافات حية ومنتعشة ولقفل الأبواب وصد الثورة الإعلامية باءت بالفشل, لقد حاولت مثلاً السلطات الإيرانية ومثلها بعض السلطات العربية محاربة اللاقطات (الدش) ولكن هذه المحاولات سرعان ما باءت بالفشل فعادت الأمور الى طبيعتها من جديد. وأية محاولات مثلها سوف تفشل لأن تقنية الاتصال في سرعتها تتفوق على تقنية المنع, في عصر أصبح الاتصال فيه نظام حياة كاملاً من أسلاك التليفون الى الولوج في شبكة الانترنت. الفضائيات إذن جاءت لتبقى, وموت المسافات هو موت نهائي ولم تعد هذه الفضائيات تستخدم للترفية أو الإعلام وإنما أصبحت سلاحاً حقيقياً لكسب الحرب, سواء كانت حرباً اقتصادية أو ثقافية بل وحتى عسكرية لأن التهديد أول ما يصيب معنويات الآخر. وتبقى مسألة تتعلق بالتقنيات, وهي ليست في رحم الغيب, بل هي على وشك الولادة, ان لم تكن قد ولدت فعلاً ويتم تكتم الاعلان عن ولادتها لأسباب تجارية أو صناعية أو حتى سياسية. فاستقبال البث الفضائي تتقلص متطلباته كل ثانية, ولا أقول كل يوم, فالأطباق اللاقطة صغرت فعلاً, وجهاز الاستقبال القادر على التقاط البث الفضائي دون أطباق لاقطة هو حقيقة تقنية أشير إليها منذ سنوات. هذا على مستوى الاستقبال, أما على مستوى البث فتكاثر الأقمار الصناعية التجارية في الفضاء ينبئ عن قرب تحول استخدام هذه الأقمار في البث الى صيغة اقتصادية تلائم تجمعات المعارضين الصغيرة وربما الأفراد أيضا. والأمر كذلك, فإن محاولات كبت الفضائيات تحت أي ذريعة هي في رأيي تشبه دفن النعامة لرأسها في الرمال أمام خطر ماثل. ومواجهة الخطر, ان كان هناك خطر, يكون بالمواجهة والوضوح. أي بالمكاشفة والشفافية والتحاور العلني, فهذا الأسلوب هو الأبقى والأجدى والأكثر وقاية من الانغلاق المسكوت عنه الى حد الانفجار. رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية *

طباعة Email
تعليقات

تعليقات